عثمان بن عفان صفاته وأعماله.

hussam سيرة أصحاب النبي

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام … درس اليوم عن الصحابي الجليل سيدنا عثمان بن عفَّان .

ما هو المقياس الذي يجب أن نفهم به العظام

أيها الإخوة الكرام …

يجب أن نقرأ سيرتهم بمقياسهم لا بمقياسنا

بادئ ذي بدء لا يستطيع أن يؤرِّخ للأبطال إلا من كان بطلاً، لماذا ؟ لأن أخطر ما في تأريخ الأبطال أن تفهمهم بمقياسٍ آخر، أن تفهم أصحاب المبادئ بمقياس أصحاب المصالح، أن تفهم أصحاب القيم بمقياس أصحاب الحاجات، والأهداف الأرضية، فإذا تدخَّلت المقاييس الحديثة في التاريخ القديم فقد نصل إلى نتائج ليست واقعية، وليست صحيحة، فهذا الصحابي الجليل سيدنا عثمان نال منه بعض أعداء الدين بعض النيل، ولو أننا درسنا تاريخ هذا الصحابي الجليل دراسةً على ضوء عصره، لا على ضوء مقاييس نعيشها اليوم، قد تكون مقاييسُنا مقاييس مادية، وقد تكون مقاييسنا أساسها المصالح، لكن لو نظرنا إلى هذا الصحابي الجليل بمقياس عصره، بالقيم التي عاشها، والقيم التي أمضى حياته من أجلها لعرفنا قدر هذا الصحابي الجليل .
فلكل عصر قيَمُه ومقاييسه، لا نستطيع أن نفهم عظمة أصحاب رسول الله إلا إذا كنا معهم بالقيم التي عاشوها، بالصفاء الذي عاشوه، بالإخلاص الذي تمثَّل في سلوكهم، وهناك أمثلة أوضح من ذلك ؛ أن سيدنا عمر عزل سيدنا خالدًا، فلماذا عزله ؟ فهل هو خائف منه أم غير خائف منه ؟ هل خاف أن يقوم بعمل تكتُّل ضده، أو يتنكّر له، أو يقوم بانقلاب عليه، كل هذه الأفكار أفكار معاصرة، هذه لا تليق بصحابة رسول الله، فسأل سيدنا خالدٌ لسيدنا عمر : ” لمَ عزلتي يا أمير المؤمنين ؟ ” قال له : ” والله ما عزلتك إلا مخافة أن يفتتن الناس بك، لكثرة ما أبليت في سبيل الله “.
لأن النصر في جميع المعارك التي قادها اقترن في أذهان الناس بسيدنا خالد، فخاف على الناس أن يتوهَّموا أن النصر من عند سيدنا خالد، وهو من عند الله، فعزله، وأراهم كيف أن النصر لا يتغيَّر، فبين أن يفهم إنسان هذا الحادث فهماً معاصراً، فهمًا مصلحيًّا، فهمًا أساسه الخوف، أو القلق، أو السيطرة، أو الأنانية، وبين أن يفهم أنّ هذا الحادث أساسه إنقاذ عقيدة التوحيد .

يجب أن نصطفي

فنحن علينا أن نأخذ من تاريخ المسلمين الصفحات المشرقة كي تكون هذه الصفحات باعثاً لنا، وحافزناً على البطولة، أما أن نُعنى بتاريخنا على أنّه حالةٌ لا تُرضي فلعله افتراء، ولعله تزوير، ولعله مبالغة، هذه الصفحات التي يمكن أن تشوِّش علينا يجب ألاّ نلتفت إليها، هذا التاريخ كما قلت لكم من قبل هو عبءٌ علينا، وليس حافزاً لنا، فنحن إذا قرأنا التاريخ الإسلامي نريد أن نستشفَّ روح التاريخ، أن نستشفَّ عظمةَ الأبطال كي يكون هؤلاء الأبطال مُثُلاً عُليا أمامَنا، أما أن نعنى بالجزئيَّات والتفاصيل التي قالها زيد، وأنكرها عُبيد، ووردت في الكتاب الفُلاني، أو الكتاب الآخر، فهذا ليس مما يعنينا إطلاقاً، الإنسان عليه أن يصطفي لأن الوقت قصير والمهمة خطيرة .
فتصوَّر أنّ إنسانًا لديه مكتبة ضخمة جداً ؛ بمساحة أربعة جدران، وبارتفاع السقف، كلها زاخرةٌ بالكتب، وعنده امتحانُ تَخَرُّجٍ بعدَ شهر، ومقرراً عليه أربعة كتب ينبغي أن يؤدي امتحاناً لينجح فيها، لو أنه أمضى وقته في تصفُّح هذا الكتاب وذاك الكتاب، ونسي الكتاب المقرر، فما أفلح ولا أنجح، فما دام الوقت محدودًا، والمهمة خطيرة، والنتائج باهرة فعلى الإنسان أن يصطفي .
إذًا نحن لا يعنينا من التاريخ وقائعه، وجزئيَّاته، تعنينا روح التاريخ، لا يعنينا من الشخص لونه ولون عينيه ونوع شعره وطوله، تعنينا بطولته، الذي يليق بنا أن نضع أيدينا على الجوهر لا على العَرَض، أن نقف على اللُب لا على القشور، فلكل شيء قشور ولباب، فالبطل والعاقل هو الذي يمسك بلُبِّ الأشياء لا بقشورها، هذه أول نقطة في دراسة سيرة سيدنا عثمان رضي الله عنه .

قصة1:عطاءة لله

دخل على سيدنا عثمان بن عفَّان ذي النورين رجلٌ من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعند هذا الصحابي الجليل رجلٌ يعطيه عطاءً، فالداخل بكى، قال له : ” لمَ تبكي ؟! قال : يا أمير المؤمنين كنتُ عند عمر، وجاء هذا بالذات فلم يعطه، وها أنت تعطيه، سبحان الله تغيَّر الزمان !! فما كان مِن هذا الخليفة العظيم إلا أن قال له : عمر منع لله، وأنا أُعطي لله ” .
إذًا فهذا اختلاف اجتهاد، لهذا أنا أقول دائماً : إنّ الله سبحانه وتعالى أجلُّ وأعظمُ مِن أن يجتهد عبدٌ اجتهاداً مخلصاً، ويرفضه الله عزَّ وجل، أصبت، أو لم تُصب، فما دام الاجتهاد مخلصًا، فلان اجتهد أن هذا يرضي الله ففعله، فلان اجتهد أن هذا لا يرضي الله فلم يفعله، مادام الاثنان يريدان وجه الله عزَّ وجل، فالله عزَّ وجل أكرم وأعظم أن يرفض مجتهداً مخلصاً باجتهاده، هذا الكلام يسع الناس جميعاً .

كان سيدنا عثمان شخصًا أخلاقيًّا

فسيدنا عثمان بن عفان كان شخصًا أخلاقيًّا، فلما سمع بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام سارع إلى تصديقها، والإيمان بها، فكان خامس صحابي من أصحاب رسول الله دخل الإسلام، فحينما أسلم كان أحد خمسةٍ دخلوا في دين الله، هناك قصة قصيرة، يقول كتّابُ السيرة :” كان محمد صلى الله عليه وسلَّم قبل أن يكون رسولاً يملأ الأفئدة الذَّكية الصافية روعةً وتأثيرا، وكان لعثمان فؤادٌ من هذا الطراز، يحمل لمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم أروع الصور وأبهاها ” .
وكما قيل في المثل العربي : “إنَّ الطيور على أشكالها تقع “، و ” قل لي من تصاحب أقل لك من أنت “، قل لي من يعجبك أقل لك من أنت، قل لي من تُكبر أقل لك من أنت، قل لي من تحب أقل لك من أنت، قل لي على من تتحدَّث أقل لك من أنت، فالشخص الذي يملأ إعجابك أغلب الظن هو على شاكلتك، أو أنت على شاكلته، فقد تعجبون ما هذا السر في مبادرة الصحابة للإيمان برسول الله ؟ لأنهم أخلاقيِّون، فهم أشخاص من مستوى رفيع، الشخص العظيم يحب العظيم، العالم يحب العالم، المؤدَّب يحب المؤدَّب، فكان النبي عليه الصلاة والسلام عند سيدنا عثمان يملأ كلَّ مشاعره وتفكيره بأخلاقه، وبأمانته، وباستقامته .
وأنا أقول لكم أيها الإخوة دائماً، والله بإمكانك أن تكون أكبر داعية، وأنت ساكت دون أن تنبس بكلمة، فلك سمت، لك سمعة، لك سلوك، لك كلام منطقي، لك كلام مهذَّب، ولو أقام معك شخص خمس سنوات لم يسمع منك مُزاحًا سيِّئ، ولم يسمع كلمة نابية، أو تعليقًا ساخرًا، وما سمع تهكُّمًا أبداً، بل أنت دائماً جادٌّ، فهذا الذي يجهد أن يكون كاملاً هو داعيةٌ إلى الله، وهو لا يدري، داعيةٌ بكل معنى لهذه الكلمة، هذا الكلام استنبطته من أن هذا الصحابي الجليل سارع إلى الإيمان برسول الله، لا لأنه سمع منه الكثير، وناقشه كثيراً، فالقضية أقوى من ذلك، فأخلاق النبي الوضيئة، وسماته العظيمة، وسمعته الطيبة، وكماله هي التي جذبتْ أصحابه إليه، فقوة الجذب تكون أحياناً بالتواضع، وتكون أحياناً بالكرم، وأحيانًا بإطعام الطعام، وبالتسامح، وبالعطف، وبالرحمة، وبالإنصاف، وبالعدالة .
وقد يخطر ببالي أن صهر النبي الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم (أبا العاص) وقع أسيراً في قبضته، وقد جاء ليقاتله وأصحابه، وهو زوج ابنته، فلما استعرض النبي الأسرى نظر إليه، ووقف عنده، وقال : ” واللهِ يا أبا العاص ما ذممناك صهراً “، ماذا فعلت هذه الكلمة في نفسه ؟ ما هذا الإنصاف ؟ إنسان جاء ليقاتلك ويتمنّى أن يقتلك، لكن كان زوجاً طيّباً لابنتك، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما نسي له هذه الميزة، فقال : ” والله يا أبا العاص ما ذممناك صهراً ” لعل هذه الكلمة تركت أعمق الأثر في نفس هذا الزوج، وقد كان وقتها مشركاً، وهذه الكلمة المنصفة هي التي رفعته ورفعته إلى أن صار من أصحاب النبي عليهم رضوان الله .

قصة2: الرؤيا الصادقة

سيدنا عثمان رأى رؤيا، قال : ذات يومٍ، وهو قادمٌ من الشام جلس يقيل في مكانٍ ظليل، أي يستريح، غلبه النوم هو ورفاقه، فإذا به يسمع في حُلُمه منادياً ينادي النائمين : ” أن هُبّوا أيقاظاً فإن أحمد قد خرج بمكة ” .
أقول لكم هذا الكلام وأرجو أن يبقى في أذهانكم : ” الرؤيا الصادقة جزءٌ من ستٍ وأربعين جزءًا من النبوة ” أي أن الله عزَّ وجل لكرامتك عليه أحياناً يُريك رؤيا إعلامية مباشرة، هذه الرؤيا إيَّاكم أن تستهينوا بها، إيَّاكم ألا تكترثوا بها، إذا كانت هذه الرؤيا واضحة وضوح الشمس، نداءٌ يدعوك في النوم إلى طاعة الله، إلى سلوك طريق الإيمان، فاعلم علم اليقين أن هذه الرؤيا هي إعلامٌ من الله عزَّ وجل، كيف أن الأنبياء يأتيهم الوحي، الرؤيا الصادقة جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة، ما بقي من النبوة هذه الأيام إلا الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح، أو تُرى له، فإذا رأى المسلمُ رؤيا صالحة واضحة تماماً وضوح الشمس، تأتي كفلق الصبح، عليه أن يعبِّرها، ويتفاءل بها .
سيدنا عثمان سمع في منامه منادياً يقول : ” أيها النائمون أن هُبّوا أيقاظاً فإن أحمد قد خرج بمكة”، هذه بشرى .

كان سخياً إلى درجة لا تصدَّق

كان هذا الصحابي الجليل سخياً إلى درجة تأخذ بالألباب، كان سخياً إلى درجة لا تصدَّق، ففي بعض مواقف سخائه أمام النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام :

ما ضرَّ عثمان ما صنع بعد اليوم، الَّلهم ارض عن عثمان، فإني عنه راضٍ

هل توجد مرتبة أعلى من هذه المرتبة، أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام : الَّلهم ارض عن عثمان فإني أمسيت عنه راضٍيًا، هل هناك مرتبة أسمى مِن أنْ يقول النبي عليه الصلاة والسلام :” ما ضرَّ عثمان ما صنع بعد اليوم”، هذا القول قد يفهم فهماً معكوساً، وهو أنه بعد أن أنفق هذه النفقة لو ارتكب كل المعاصي، فهذه المعاصي لا تضرّه، ليس هذا هو المعنى، هذا السخاء الكبير جعله على درجة من القرب كبيرة جداً، هذه الدرجة لن تسمح له أن يفعل شيئاً، هذه الدرجة العالية من القُرب لن تسمح له أن يقترف ذنباً، أي أن كل أفعاله لا تمتُّ إلى الذنوب بصلة، ما ضرَّ عثمان ما صنع بعد اليوم .

قصة 3: كان أشد الصحابة حياء

نحن تكلَّمنا من قبل وقلنا : إن المزية لا تعني الأفضلية، فهذا الإنسان طبعه شديد الحياء، فلو رأى النبي على حاله تلك مبدِيًا فخذَه لما دخل، وطبعاً سيدنا الصديق إنسان عظيم جداً، فنوع العلاقة تختلف عن نوع علاقة سيدنا عثمان بسيدنا رسول الله، فكل صحابي له نمط، وله طبع وسلوك معيَّن، فالنبي كان يعرف أصحابه واحداً واحداً .
فلو فرضنا أنك دخلت بيتَ إنسان فلبس بذلته الرسمية مسرعًا، وتهيأ لك، وقام بحسن استقبالك، فهل تقابله بثياب البيت ؟ لا تقدر، فما دام تهيأ بهذا التهيّؤ واهتم بهذا الاهتمام، فأنت تجد أنه من المناسب أنْ تقابل اهتمامه بك باهتمام مماثل، ففوراً ترتدي ثيابك، أما إذا كان الشخص في بينك، وبينك وبينه محبةً رائعة، فدخلت إليه، وكان يرتدي ثياباً نظيفة أنيقة مرتَّبة، ولكن لم يغيِّر ثيابه، فلو جاءك أنت، وما غيَّرت ثيابك فلا مانع، لكنَّ ثوبَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان محسوراً عن فخذه الشريف، ودخل سيدنا الصديق، ولم يغيِّر من وضعه، ودخل بعدها سيدنا عمر فلم يغيِّر كذلك، ولما دخل سيدنا عثمان أسدل الثوب، فهذه حالة خاصَّة، وعللها رسولُ الله عليه الصلاة والسلام .
النبي عليه الصلاة والسلام يقول في وصف هؤلاء الصحابة الكرام :

أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأشدُّها حياءً عثمان

يقولون : إنّ العلماء مثل الفواكه، فهذه زائدة الحلاوة، وهذه قليلة الحموضة، وهذه فيها طعم معيَّن، فكذلك أصحاب النبي كالفواكه، كل واحدٌ منهم له طبع، وله نموذج، وله أسلوب في التعامل مع الآخرين “أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأشدها حياءً عثمان”.

سيدنا عثمان له مكانة اجتماعية كبيرة جداً

سيدنا عثمان له مكانة اجتماعية كبيرة جداً في قومه، بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما نشبَ سوءُ تفاهم بينه وبين قريش أرسل أحبَّهم إلى قريش، وهو سيدنا عثمان، وهو يتمتع بكياسة وحكمة ومكانة اجتماعية وبعلوِّ قدر .

قصة4 : تعذيب عمه له عندما أسلم

لذلك إذا كان الإنسان من عامة الناس ضُيِّق عليه، وعذِّب فهذا حال، وإذا كان الإنسان من علية القوم ضغط عليه، وخدشت كرامته فالأمر مختلف، فهذا له أجر أكبر، لأنه شيء لا يُحتمل، فسيدنا عثمان يروى أن الحكم بن أبي العاص أوثقه بالحبال، وبالسلاسل، وصرخ في وجهه : ” أترغب عن ملة آبائك إلى دينٍ محدث، والله لا أُحل وثاقك أبداً حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين “، فيجيب عثمان بن عفان الذي عرف طريق الله عزَّ وجل بكلامٍ ثابت الجنان : “والله لا أدع دين الله أبداً، ولا أُفارقه “، ويوالي الحكمُ تعذيبَ عثمان وهو عمّه، ويوالي عثمان إصراره على دين الله .
فهذا الكلام له معنى، فالإنسان إنْ آمن بالله عزَّ وجل فلا بد أنْ يُمتحن، وليس مِن إنسان يؤمن بالله عزَّ وجل إلا وله معارضة، هناك من يسخر منه، هناك من يضغط عليه، أحياناً الأب كان ينوي تزويج ولدِه، فلما تمسَّك بالدين ألغى تزويجه، كان ينوي أن يعطيه عطاءً، فلما أصرَّ على موقفه حرمه، هذا شيء ثابت، وعلى كل مؤمن أنْ يوطِّن نفسه أنه إذا عرف الله حقيقةً، واستقام على أمره فعلاً، فهناك مضايقات، وهناك امتحانات، وهناك ابتلاء، من أجل أن ترتفع الدرجات , فهذا الضغط لا بدَّ منه .

هجرة سيدنا عثمان للحبشة مع زوجته بنت رسول الله

النبي عليه الصلاة والسلام من شدة رحمته بأمته رأى أن أصحابه لا قِبل لهم بهذا التعذيب، وبهذه المضايقة التي يتحملونها من قريش، فأمرهم بالهجرة إلى الحبشة، وكان هذا الصحابي الجليل عثمان بن عفان وزوجته بنت رسول الله، التي زوَّجه إيَّاها بعد الإسلام، أوَّل من هاجر إلى الحبشة، لذلك وقف النبي عليه الصلاة والسلام يودِّعه هو وابنته
قال رسول الله :

إنهما لأول من هاجر إلى الله بعد نبي الله لوط

هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام .

بعض أعمال سيدنا عثمان في المدينة :

شراءه بئر رومه من اليهودي

عندما هاجر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة لم يستقرّ بها حتى فاجأته مشكلة المياه في المدينة، فالمياه كانت قليلة جداً، وكان بالمدينة عينٌ تفيض بماءٍ عذبٍ طيِّب المذاق، تدعى بئر رومة، ويملكها رجل يهودي، يبيع ملء القربة بمدٍ من قمحٍ أو شعير، فالماء ثمين جداً، وتمنّى النبي عليه الصلاة والسلام لو يجد بين أصحابه من يشتري البئر حتى تفيض ماؤها على المسلمين بغير ثمن، وسارع عثمان رضي الله عنه إلى تحقيق رغبة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فعرض على اليهودي صاحب البئر أن يبيعها له فأبى، فساومه عثمان على نصفها، واشترى النصف باثني عشر ألف درهم، وهو مبلغ ضخم، على أن تكون لليهودي يوماً ولعثمان يوماً، فكان المسلمون يستسقون في يوم عثمان ما يكفيهم يومين، وهكذا رأى اليهودي نفسه، وقد خسر زبائنه وسوقه التي كانت رائجة، عندئذٍ عاد يعرض على عثمان أن يشتري النصف الثاني، فاشتراه، وأصبحت البئر كلُّها للمسلمين يشربون منها الماء العذب بقدر ما يحتاجون بلا ثمن،و هذا أول عمل قام به .
لذلك فموضوع السبلان، أي هذا الذي يوقف سبيلَ ماءٍ في مسجدٍ، أو في بيتٍ، أو في طريقٍ هذا عمل طيِّب، أن تشرب كأس ماء صافيًا عذبًا بلا مقابل، هذه نعمةٌ لا يعرفها إلا من سافر خارج هذه البلدة، ففي بعض البلاد، وحتى في أيام الحج، الماء الذي يستعمل في البيت لا يشرب إطلاقاً، فهو مجمَّع في حوض على مستوى أرض البناء، فإذا ألقيت على هذا الحوض نظرةً وجدت الأعشاب، وبعض الحشرات، وهذا الماء يضخ إلى الأعلى، ويسيل في الصنابير، ومن المستحيل أن تشربه، فلا بد أن تشتري هذه القوارير من أجل أن ترتوي، وكل قارورة ثمنها يبلغ ثلاثة ريالات، أي ما يساوي خمسين ليرة، بينما هنا في الشام والحمد لله نفتح حنفية الماء فينزل الماءُ من غير حساب، وبثمن زهيد جداً، فموضوع الماء العذب الزلال أمرٌ يهم الناسَ، فتوفير المياه للناس، وأن يشربوا ماءً طيباً عذباً فراتاً سائغاً فهذا شيء ثمين جداً، وهذا أول عمل قام به سيدنا عثمان، فاشترى هذه البئر، وجعلها للمسلمين، يشربون بغير حساب، معنى ذلك أنه دفع ثمنها البالغ أربعة وعشرين ألف دينار.

وسّع المسجد النبوي

ولما كثر المسلمون الداخلون في دين الله بالمدينة صار المسجد يضيق بهم، فتمنّى النبي عليه الصلاة والسلام لو يجد من بين أصحابه من يشتري الرُقعة المجاورة كي تُضَمَّ إلى المسجد، أي كما يحدث في كل زمان، فقد أمَّن مشروع المياه، وثانيًا قام هذا الصحابي الجليل واشترى بيتًا إلى جوار المسجد، وضمَّه إلى المسجد، فتم توسيع المسجد، وبالمناسبة في الحياة ثلاث أنواع من القوة قوة العلم، وقوة المال، وقوة السلطان، وهذه القوى الثلاث يمكن أن توظَّف في سبيل الله، والدار الآخرة، فإذا ملَكَ إنسان المال، والمال شقيق الروح، فينبغي أن تتيقَّنوا أن الذين يملكون المال يستطيعون أن يصلوا به إلى أعلى المراتب، وذوو العلم يستطيعون بعلمهم أن يصلوا إلى أعلى المراتب، والأقوياء إذا وضعوا قوَّتهم في خدمة الضعفاء وكانوا منصفين بقوَّتهم يصلون إلى أعلى المراتب، فالقوة ؛ قوة المال، وقوة السلطان، وقوة العلم، هذه القوى الثلاث يمكن أن توظَّف في سبيل الله، والدار الآخرة .

وسع البيت الحرام

وحينما فتح الله مكة للنبي عليه الصلاة والسلام، وعاد إليها ظافراً كريماً، رأى أن يوسِّع البيت الحرام، فعرض على أصحاب بيتٍ ملاصقٍ للمسجد أن يتبرعوا لتوسعته، فاعتذروا بأنهم لا يملكون غيره، وليس لهم مالٌ يشترون به سواه، ومرة ثالثة كان عثمان الذي لم يَكَد يبلغ مسامِعَه النبأُ حتى سارع إلى صاحب الدار الواسعة العريضة، واشتراها منه بعشرة آلاف دينار، فتمَّ توسيع الحرم النبوي، والحرم المكي كذلك، ووفَّر الماءَ بلا مقابل للمسلمين بالمدينة، وهذه كلها أعماله الطيبة .
فمرة دخلت إلى مسجد، فأيّ مسجد والحمد لله فيه دروس علم، وفيه خطب وفيه حلقات ذكر، فوجدت أنه لولا الذين بنوا هذا المسجد، وجعلوه مكاناً لطاعة الله، ومكاناً للعمل الصالح، لولا هؤلاء الذين جمعوا التبرعات، وأنشأوا المخططات، وصبوا السقف، وطيَّنوا، وزخرفوا، ومدوا السجاد والكهرباء، وهذه أعمال عظيمة جداً، لولا هؤلاء لما اجتمعنا في هذا المكان، فالعمل الصالح يحتاج إلى ظرفٍ يحتويه، فإذا كانت الدعوة إلى الله عملاً عظيمًا، والصلوات والذكر والتدريس هي أعمالٌ عظيمة كذلك، فليس أقلَّ عظمةً من هذا العمل إلا من أسس هذا البناء، وساهم فيه، فتوسعة المسجد شيء ثمين جداً .

تجهيزه لجيش العسرة

وفي العام التاسع الهجري ولَّى هِرقل الإمبراطور الروماني وجهه صوب الجزيرة العربية، متلمِّظاً برغبةٍ شريرة في العدوان عليها، والتهامها، وكان الدين الجديد برسوله العظيم، ورجاله الشجعان البواسل قد ملؤوا حياته وحياة بيزنطة كلها قلقاً وخوفاً، أي أن المؤمنين أصبحوا مصدر قلق للرومان، فهذا الإمبراطور بعد أن انتصر على بلاد فارس قرر أن يسير إلى الجزيرة العربية، ليستولى عليها، فأمر قوَّاته بالاستعداد وانتظار أمره بالزحف، وترامت الأنباء إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فنادى أصحابه للتهيّؤ للجهاد، وكان الصيف حاراً يصهر الجبال، وكانت البلاد تعاني من الجدب والعسر فيما تعاني، فإذا قاوم المسلمون بإيمانهم وطأة الحر القاتل، وخرجوا إلى الجهاد عبْرَ الصحراء الملتهبة، فمِن أين لهم العتاد والنفقات الباهظة التي يحتاجها القتال؟ .
فالقضية خطيــرةً جداً .. فهذا إمبراطور روماني حاقد، توجَّه إلى بلاد الفرس، وانتصر عليهم، فأصابته نشوة النصر، وقد سمع أن هناك نبياً وديناً جديداً، وحوله أصحابٌ أشداء مقاتلون، لقد أقلقتْ أخبارُ النبي وأصحابه هرقل، فأراد أن يتوجَّه إلى الجزيرة العربية ليقضي على هذا الدين الجديد، ويستأصل شأفتهم، ويلتهمهم ويستتبَّ له الأمر .
فرأى النبي عليه الصلاة والسلام أنّه لا بدَّ أن يذهب لملاقاتهم، وإلا يستضعفونه، وهذه الغزوة التي كانت في أشهر الصيف، والوقت شديد الحرارة، والبلاد مجدبةٌ، فالسنة سنة محل، فلا مال لديهم ولا عتاد كافٍ بين أيديهم، فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى الصفوف الطويلة العريضة من الذين تهيَّؤوا للقتال وقال :

من يجهِّز هؤلاء، ويغفر الله له

فكل واحد منهم يحتاج إلى فرس ليركبه، وسيف، وعتاد، ومؤونة، هذا اسمه جيش العسرة، وما كاد عثمان يسمع نداء النبي صلَّى الله عليه وسلَّم حتى سارع إلى مغفرة الله ورضوانه، وهكذا وجدت العُسرة الضاغطة عثمانَها المعطاء، وقام رضي الله عنه بتجهيز الجيش كلِّه، حتى لم يتركه بحاجةٍ إلى خطام بعيرٍ أو عِقال فرسٍ، يقول ابن شهاب الزهري : “قدَّم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائةٍ وأربعين بعيراً، وستين فرساً أتمَّ بها الألف “، وبالتعبير الحديث ألف مدرَّعة .
ويقول حذيفة : ” جاء عثمان إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لتجهيز جيش العُسرة بعشرة آلاف دينارٍ، صبَّها بين يدي النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فجعل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقلِّبها بيده ويقبلها، ويقول :

غفر الله لك يا عثمان ما أسررت، وما أعلنت، وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة

طبعاً موقعة تبوك لم يقع فيها قتال بين الطرفين، فهذا الإمبراطور جاءه ما يشغله عن مهاجمة الجزيرة، فصرف النظر عن الدخول إلى الجزيرة، وكفى الله المؤمنين القتال، ولكن هناك تعليقٌ لطيفٌ، فسيدنا عثمان، ومع أن الحرب لم تقع، والجيش لم يحارِب، لم يسترد شيئاً مما أعطى، وهذا الذي أعطاه بقي للمسلمين، فالإنسان إذا أعطى أعطى، فالعائد من هبته كالعائد في قيئه .
وكان بعض كتَّاب السيرة يقولون :

إنه كان يبدو وكأن عثمان بن عفان هو الممول الوحيد للأمة الجديدة والدين الجديد

الممول الوحيد، دور عظيم، فهناك شخص أعطاه الله طلاقة لسان، وهناك شخص ليست عنده هذه الطلاقة، ولكن عنده المال، أنت بالمال ترقى، وبالتعليم ترقى، وبنصرة الضعيف ترقى، يجب أن تتفوَّق في شيء، وأن تبذله في سبيل الله حتى ترقى، هذا هو الهدف، تفوَّق في شيء ؛ بخبرة، باختصاص، بحرفة، بمال، بقوة، بسلطان، بعلم، وأنفقه في سبيل الله

نعْمَ المال الصالح للعبد الصالح

هذا هو سيدنا عثمان، اشترى البئر، ووسَّع المسجد النبوي، ووسَّع الحرم المكي، وجهَّز جيشًا بكامله، والله إنّ المال لنعمةٌ، وقد ورد : “نعْمَ المال الصالح للعبد الصالح”، وقال أحد الصحابة : ” حبَّذا المال أصون به عرضي، وأتقرَّب به إلى ربّي ” .
واللهِ أيها الإخوة، لا أعجب إلا من غنيٍ يضنُّ بماله في سبيل الله، فهذا المال لمن تتركه ؟ لأولادٍ طائشين ينفقونه على المعاصي والآثام، وعلى شرب الخمور، وارتياد الملاهي، ونوادي الليل، تعيش فقيراً لتموت غنياً !! أين عقلك ؟ فالغني عنده إمكانية ليسبق الناس كلُّهم بإنفاق ماله، وبإمكانه أن يمسح الدموع من آلاف العيون، وأن يدخل السرور لقلوب آلاف البيوت، وذات يومٍ دخلت بيتا، وكان الأخ صاحب البيت مصابًا بمرض عُضال، ويحتاج لإجراء عملية تكلِّف ربع مليون ليرة، وهو موظَّف فقير، وقد دخل أولاده أمامي، وعليهم كآبةً واضحة تغشى وجوههم، وقد علم بحاله إنسان محسن، فاتصل بالطبيب الأول، وقال له : اتصل بفلان، وحَدِّدْ له موعداً لإجراء العملية، فقال لي : يا أستاذ، والله، وأنا قاعد في البيت جاءني اتصال هاتفي، وعرَّفني صاحبُه باسمه، وأنه الدكتور فلان، فقال له : أنا مكلَّف بإجراء عملية لك مجاناً، فهناك جهة لم تعلن عن اسمها، قد تكفَّلت بإجراء العملية، والعملية باهظة، ومن فضل الله عزَّ وجل قام هذا الطبيب بإجراء هذه العملية بنجاحٍ باهر، وتماثل المريضُ للشفاء، وسبحان الله، ومن غرائب الصدف أنْ زرتُه في البيت بعد العملية، وواللهِ رأيت الفرحة على وجوه أبنائه بعد تلك الكآبة الساحقة، كما وجدتُه في غاية الانتعاش والسرور .
فهذا الذي يقيم عرسًا في فندق، ويدفع فيه ثلاثين أو عشرين مليوناً من الليرات، وأقل شيء خمسة ملايين، يمكنه بهذه الملايين الخمسة أن يمسح الدموع عن خمسين شخصًا، عرس أقيم في دمشق كلَّف عشرين مليونًا، يمكن أن تزوِّج بالعشرين مليونًا مائتي شابٍ وشابة بالضبط، إذا أدّى لكل شاب ثلاثمائة ألف، أو مائتين وخمسين ألفًا، وأنا أعجب من غني معه المال الوفير كيف لا يرقى به إلى أعلى عليين ؟!

كان يتّسم بالحياء الشديد، وكان يتّسم بالسخاء الشديد

هذه بعض أعماله رضي الله عنه، أولاً كان يتّسم بالحياء الشديد، وكان يتّسم بالسخاء الشديد، حياءٌ ما بعده حياء، وسخاءٌ ما بعده سخاء، ودعوةٌ من النبي ما دعاها لأحدٍ قبله ولا بعده :

ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم “، وقد قال :” غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة

وما عليك إلا أن تنطلق

أيها الإخوة … هذا الصحابي الجليل كان من السابقين إلى الإسلام، ولقد كان سيدنا عثمان غنيًّا، لكن العجيب أن هناك صحابيًّا غنيًّا وآخر فقيرًا، وفيهم صحابي متقدِّم في السن، وآخر شاب، وصحابي صبي، وصحابي طفل، وهناك صحابي ألمعي، وآخر بسيط، ولكن كلُّهم على العين والرأس، فتنوُّع الصحابة يعطيك تنوُّع النماذج البشرية .
فكل واحد منكم أيها الإخوة بوضعه، بإمكاناته، بثقافته، بانتماءاته، بحرفته يمكن أن يحقق أعلى درجات البطولة، هذه البطولة أبوابها مفتَّحةٌ لكلِّ مؤمن، فلا تقل : إنّ البطولة كانت في عصر الصحابة، والآن أُغلقت أبوابها، الله عزَّ وجل هو هو، وشرعه هو هو، والقرآن هو هو، فبإمكانك أنْ تبذل من مالك، ومن وقتك ومن خبرتك، وبإمكانك أن تصلي، وتقرأ القرآن، وتحفظه، وتفهمه، وتشرحه، وبإمكانك أن تعتني بأهلك، بأولادك وزوجتك ووالدتك ووالدك، وتكون صادقاً، فالذي استطاعه أصحاب رسول الله تستطيعه أنت، وما عليك إلا أن تنطلق .
يعني شمِّروا فإنَّ الأمر جِدٌّ، تأهَّبوا فإنّ السفرَ قريبٌ، القضية تحتاج إلى تشمير عن ساعِدَ الجِدِّ.
فأنت لا تيأس، وقل كلمة الحق، هذا الذي أسلم، وهو فرنسي، وكان زعيماً لحزب علماني إلحادي بفرنسا، لماذا أسلم ؟ قال : لقد كان هناك جندي مغربي مسلمٌ، وذلك قبل ثلاثين سنة، وقد أُمِرَ هذا الجندي بقتله بعد أسرِه، وهذا الجندي بدافعٍ من إيمانه وإسلامه رفض أن يقتله، وقام بتهريبه، فأنقذ حياته بدافع من دينه، فتساءل : ما هذا الدين ؟
هذا الكلام المقصود منه أنك من الممكن أن تكون داعيةً كبيراً، وأنت ساكت، ومِنَ الممكن أن تجذب الناس بأخلاقك، بإنفاقك، بكرمك، بتواضعك.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – سيرة الخلفاء الرشدين – سيدنا عثمان بن عفان – الدرس (1-3) : من فضائله سخائه في الإنفاق لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-12-20 | المصدر