علي بن أبي طالب نشأته ومواعظه

hussam سيرة أصحاب النبي

بسم الله الرحمن الرحيم

إسلام علي بن أبي طالب:

أيها الأخوة الكرام، مع سيرة هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، هذا الصحابي الجليل انضمَّ إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في السادسة من عمره، وحينما جاءت النبي صلى الله عليه وسلم رسالة الهدى، كان سن هذا الصحابي لا تزيد عن عشر سنين، إذن هو أصغر مَن أسلم، أول من أسلم السيدة خديجة رضي الله عنها زوجة النبي، وأسلم خادمه زيد بن حارثة أيضاً، هؤلاء الثلاثة أول من دخل في الإسلام، سيدنا علي أتى عليه وقتٌ كان ثُلُث الإسلام وحده.
رأى النبي عليه الصلاة والسلام يصلي، فقال:

ماذا أراك تصنع؟

فقال عليه الصلاة والسلام:

إني أصلـي لـرب العالمين

سأل عليٌ رضي الله عنــه:

ومن يكون رب العالمين؟

فقال عليه الصلاة والسلام:

يا علي إنه إلهٌ واحد لا شريك له، له الخلق وبيده الأمر، يحيي ويميت، وهو على كل شيءٍ قدير

[ورد في الأثر]

أرأيتم إلى هذا التعريف؟ إنـه إلهٌ واحد لا شريك له، له الخلق وبيده الأمر، يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير.
الأمس وقع تحت يدي كتابٌ في مكتبتي اسمه تاريخ الأديان، فوقعت عيني على صفحة تذكر بعض الديانات التي كانت سائدة على عهد فرعون، شيء لا يصدق؛ فيه الخرافة، والأسطورة، والفكر غير المقبول، ثم فوجئتُ أن أحد الفراعنة كان مرهف الحس، وكان لبيباً فاستنبط أن لهذا الكون إلهاً واحداً، وأنه بيده الأمر، وهو إله الخير، يحب الخير لعباده، قرأت صفحات، قلت: سبحان الله، كيف توافقت تطابق الفطرة مع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام؟ هذا الملك لم يأته وحيٌ ولم يستمع إلى نبيٍ، ولم يقرأ كتاباً دينياً إلا أن فطرته وعقله هداه إلى التوحيد، وشيء ثابت في التاريخ أنّ أحد الفراعنة وَحَّدَ الله عزَّ وجل، ودعا إلى جوهر ما جاءت به الرسالات السماوية، إذًا: يجب أن يطابق النقلُ العقلَ، ويجب أن يطابق الفطرة، ويجب أن يطابق الواقع.

نشأة علي بن أبي طالب:

هذا الصحابي الجليل، وهو ابن عم النبي الذي انضم إلى بيت النبي، وهو في السادسة من عمره، وحينما جاءت رسالة السماء كان أولَ مَن أسلم مِن الفتيان، وقد تأدَّب بأدب النبي،
لذلك شتان بين مَن يسلم وهو في سنٍ متقدم، وبين من يصطلح مع الله عزَّ وجل وهو في سنٍ متأخر، أخطر شيء في الإنسان أن يشبّ على شيءٍ لا يرضِي الله، في الحياة حالة اسمها التكلّس العقلي أو التصلب، والإنسان أحياناً بعد سن معينة لا يمكن أن يقبل شيئاً جديداً، ولا يستطيع أن يغيِّر من عادته التي ألِفها في شبابه، فالبطولة إذن أن تكون وأنت شاب على الحق، فإذا أصاب هذا الإنسانَ ما يصيب الناس عادةً من تصلبٍ ومن تحجُّر، فإذَا كان التصلب على الحق فهذا شيء رائع جداً،
وما أغبطُ إنساناً كما أغبط شاباً نشأ على طاعة الله، لأن هذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله، سوف يحسن اختيار زوجته، واختيار عمله، وجميعَ أساليب حياته، وطرائق إملاء وقت فراغه، ونمط علاقاته الاجتماعية، وهذا الذي عرف الله في سنٍّ مبكرة سوف ينشأ على مفاهيم ومدارك مطابقةٍ للإسلام الصحيح.
السيدة عائشة لما سألها ابْنٌ عَبَّاسٍ قَالَ، قُلْتُ:

يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَتْ أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ

[أخرجه أبو داود في سننه]

وبعضهم يقول: إذا كان الكون قرآناً صامتاً، وإذا كان القرآن كوناً ناطقاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي .
فهذا الصحابي الجليل إن صح التعبير هو ربيب القرآن، القرآن الكريم رباه منذ نشأته وحتى نهاية حياته، حينما انضم إلى النبي ونزلت أول آيةٍ كان في بيت النبوة، لذلك سمي عند علماء السيرة بحقٍ ربيب القرآن، مرةً قال:

سلوني وسلوني وسلوني عن كتاب الله ما شئتم، فو الله ما من آيةٍ من آياته إلا وأنا أعلم متى أنزلت في ليلٍ أو في نهار، وفيما نزلت، ولم نزلت؟ أي ما أسباب نزولها؟ وما ملابسات نزولها؟ ومن تعني؟ وما تعني؟

الإمام الحسن البصري رضي الله عنه وصف الإمام علي كرم الله وجهه، قال:

أعطى القرآن عزائمه وعلمه وعمله

أي إن عزيمته قرآنية، وعلمه قرآني، وعمله قرآني، وهو الكتاب الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الكتاب الوحيد الذي لا فقر بعده، ولا غنى دونه، من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقَّر ما عظَّمه الله، ولكم بشارةٌ يا من تقرؤون القرآن، ويا مَن تحفظون القرآن من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت

[ورد في الأثر]

مِن مراحل الإنسان مرحلة أرذل العمر، هذه الصفة التي لا تحتمل، ضعفٌ في التفكير، ذاكرة تكاد أن تمحى، نفسيةٌ حشرية، كل من حول الإنسان يكرهونه، هذه المرحلة التي سماها القرآن أرذل العمر:

(وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)

[سورة الحج الآية: 5]

هذه المرحلة التي لا يتمناها الإنسان لعدوه، النبي عليه الصلاة والسلام بشَّر المؤمنين الذين يتلون كتاب الله عزَّ وجل ويتدارسونه ويحفظونه، بأنهم لن يردوا إلى أرذل العمر.

شدة تأثر علي بالقرآن:

مرة ذكرت لكم، إن سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لما واجه أخوته، ماذا قال لهم:

(وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ)

[سورة يوسف الآية: 100]

ولم يقل: إذ أخرجني من الجُبِّ، أليس هذا أدباً رفيعاً؟ لأنه لو قال: إذ أخرجني من الجُبِّ، لذكَّرهم بجريمتهم.
مرةً كان هذا الصحابي الجليل يقرأ القرآن، فلما وصل إلى قوله تعالى:

(تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ)

[سورة الجاثية الآية: 6 ]

صار يقول:

فبأي حديث، فبأي حديث، لا بحديثٍ غير حديثك نؤمن يا رب كل شيء

المؤمن الصادق إذا تلا كتاب الله يتفاعل معه، تسمو نفسه، كان عليه الصلاة والسلام يمضي الليل كله في آيةٍ واحدة، فيطرب إليها أشدَّ الطرب، فكل إنسان لا يتفاعل مع كلام الله عزَّ وجل فهذا الإنسان مشكوك في قوة إيمانه، لا أقول: مشكوك في إيمانه، بل بقوة إيمانه، لأن الله عزَّ وجل، يقول:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)

[سورة الأنفال الآية: 2]

سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يتأخى مع سيدنا علي:

لهذا الصحابي الجليل مزيةٌ انفرد بها، لكن قبل أن تسبق أفكاركم إلى الموازنة بين سيدنا علي كرم الله وجهه وبين سيدنا الصديق، نذكِّر أن العلماء، قالوا: المزية لا تعني الأفضلية .
النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن تمت هجرته إلى المدينة، آخى بين المهاجرين والأنصار، وكلكم يعلم أن الأنصار عرضوا على المهاجرين نصف أموالهم، ونصف بساتينهم، ونصف بيوتهم، لكن الشيء الذي لا يصدق أن التاريخ الإسلامي، بل تاريخ صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يسجِّل أن صحابياً مهاجراً أخذ من أنصاريٍ شيئاً، رغم أن العرض صادق، شيء يأخذ بالألباب الأنصار في أعلى درجات التضحية والبذل والسخاء، قال تعالى:

(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)

[سورة الحشر الآية: 9]

والمهاجرون في أدنى درجات الفقر، لكنهم في أعلى درجات التعفف، وثَمّة موقف سجله التاريخ لسيدنا سعد بن الربيع، فقد عرض على سيدنا عبد الرحمن بن عوف نصف بستانه، ونصف أملاكه، فقال هذا الصحابي الجليل: بارك الله لك في مالك، ولكن دُلني على السوق، ما فتح أحداً على نفسه باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقرٍ، قال الشاعر:

ملك الملوك إذا وهب***قم فاسألن عن السبب
الله يعطي من يشـاء***فقف على حدِّ الأدب

قال العلماء: لما تمَّت هجرة النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين المهاجرين والأنصار، وجعل لكل أنصاريٍ أخاً من المهاجرين، حتى إذا فرغ عليه الصلاة والسلام مِن دمجهم في هذا الإخاء العظيم رنا بصره تلقاء شابٍ عالي الجبهة، ريَّان النفس، مشرق الدين، وأشار النبي لهذا الشاب أن أقبل، فأقبل عليه، أجلس النبي علياً إلى جواره وربت على كتفه وضمَّه إليه، وهو يقول:

وهذا أخي

[ورد في الأثر]

هذه مزيةٌ، لكن لا يذهبن بكم الظن إلى أن هذه المزية تقتضي الأفضلية، فأصحاب النبي كالنجوم، كل واحد له مزية، وكل واحد له شيء تميَّز به عن سواه.

لا ازدواجية في هذه الشخصية الفريدة:

حينما كنا في الجامعة علمونا أن أفصح كلامٍ بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق هو كلام الإمام علي، والحقيقة كتاب نهج البلاغة، فهو أعلى درجة من درجات الفصاحة والبلاغة مع المضمون الذي يُعَد، كما قال عليه الصلاة والسلام:

أنا مدينة العلم وعليٌ بابها

[ورد في الأثر]

نهج البلاغة مدروس دراسة وافية، وله فهارس كثيرة جداً، وفيه أقوال لسيدنا علي وخطب، ورسائل بعث بها إلى ولاته، وأجمل ما في هذا الكتاب أقواله المأثورة، فهي حِكمٌ من أعلى الدرجات، فمن أقواله المشهورة:

يا دنيا إليك عني، طلقتك بالثلاث، غُرِّي غيري

فإذا ضحكت الدنيا على آلاف الآلاف من عباقرة الدنيا فإنَّ هذا الإمام العظيم ضحك على الدنيا، ولم تضحك عليه الدنيا،

يا دنيا غري غيري طلقتك بالثلاث، أمدك قصير وشأنك حقير، آهٍ من قلَّة الزاد، وبُعْدِ الطريق

يقول علماء السيرة عن هذا الإمام الجليل:
لم يكن بين ما يقول وبين ما يفعل بُعدٌ ولا مسافةٌ ولا فراغ،
وهذا يعني أن أعظم ما في شخصية الإنسان التطابقُ التامُّ، من البساطة والسهولة أن تتحدث بالكلام اللطيف الطيب، قضية سهلة لا تكلف شيئاً، أي أن ينطلق لسانك بكلامٍ موزونٍ منمَّقٍ عميقٍ، هذا الشيء لا يكلف إلا أن تقرأ وأن تتابع، لكن بطولتك أن لا تكون إلا بهذا التطابق الدقيق بين ما تقول وبين ما تفعل.
لذلك أيها الأخوة، المؤمنون يتفاضلون بشيءٍ واحد، هو مدى التطابق بين أقوالهم وأفعالهم، أمّا الأقوال فهي طيبة، فكل إنسان إذا قرأ وحفظ، وكان قويَّ البيان والحجة يتكلم، لكن مَن الذي يستحق أن يكون داعيةً إلى الله عزَّ وجل؟ هو الذي لا تجد مسافةً بين سلوكه وبين أقواله
فهذه هي الميزة الأساسية في هذا الصحابي الجليل.
وقد صلى الفجر يوماً بأصحابه في الكوفة، وهو أمير المؤمنين، فلما فرغ من صلاته جلس ساهماً حزيناً، ولبث في مكانه ومجلسه، والناس من حوله يحترمون صمته، فلم يتحركوا حتى طلّعت الشمس، واستقر شعاعها العريض على حائط المسجد فنهض الإمام عليٌ رضي الله عنه، وصلى ركعتين، ثم هزّ رأسه في أسىً، وقال بعدَ أنْ قلّب يديه في أسًى وحزن:

والله لقد رأيت أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون وبين أعينهم آثار ليلٍ باتوا فيه سجداً لله، يتلون كتابه، ويتراوحون بين جباههم وأقدامهم، وإذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم

هذا وصف أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام،

مواعظ الإمام علي بن أبي طالب:

أيها الأخوة، دققوا في أقوال هذا الصحابي، يقول هذا الإمام الجليل:

تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا تكونوا مِن أهله

هل لاحظتم الفرق الدقيق؟ إن عملتم بما علمتم فأنتم من أهل العلم، أما إن تعلمتم وتكلمتم فالأمر وبالٌ،

ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرةً، وإن الآخرة قد أتت مقبلةً، ولكل واحدةٍ منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا

هناك أشخاص يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، أما أمور الآخرة فلا يعلم عنها شيئاً، قال الإمام علي:

كونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وإن الزاهدين في الدنيا قد اتخذوا الأرض بساطا، والتراب فراشا، والماء طيِّبا، ألا وإن من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومَن طلب الجنة سارع إلى الطاعات، ومَن زهد في الدنيا هانت عليه مصائبها، ألا وإن لله عُبَّاداً شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، حوائجهم خفيفة، صبروا أياماً قليلة لعقبى راحةٍ طويلة، إذا رأيتهم في الليل رأيتهم صافِّين أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاكِ رقابهم، وأما نهارهم فظماء حلماء، بررة، أتقياء، كأنهم القِداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى، وما بهم من مرضٍ، ولكن الأمر عظيم

هذه من أقوال سيدنا علي البليغة، وذات مرةٍ رأوه يرتدي ثوباً مرقَّعاً، فقال:

هذا الثوب يصرف عني الزهوة، ويساعدني على الخشوع في صلاتي، وهو قدوةٌ صالحةٌ للناس، كي لا يسرفوا ويتبذخوا، ثم تلا قوله تعالى:

(تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)

[سورة القصص الآية: 83]

هناك تعليق على هذه القصة، ففي العهود الغابرة كان مقبولاً مِن المرءِ أن يكون في ثوبه رقعة، أمّا إذا أردنا أن نطبِّق هذا الكلام على أيامنا هذه فبعض الناس أحياناً يرتدي ثيابًا غاليةً، ثيابًا ثمنها فوق دخل معظم الناس، فإذا ارتداها وزها بها، واختال بها على الناس فقد جانبَ سواء السبيل، أمّا إذا ارتدى الثياب المعقولة، فلا شيء عليك.

من مواعظه أيضاً لأهل الدنيا:

يقول هذا الإمام الجليل:

إن المضمار اليوم وغداً السباق

الآن استعداد، كأيام الامتحانات، والامتحان هو الامتحان، وبعد الامتحان يُكرم المرء أو يهان،
لذلك قال سيدنا علي:

الغنى والفقر بعد العرض على الله

ما قيمة الحياة الدنيا كلها إذا قيست بالأبد؟ صفر، ما قيمة الستين عامًا نعيشها في الدنيا؟ ما قيمة ثمانين عامًا؟ ما قيمة مئتي عام؟ لا شيء أمام الأبد، فعندما يضحِّي الإنسان بالأبد أمام حياة قصيرة، يكون في عقله خلل، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حباً

[ورد في الأثر]

قال:

إن المضمار اليوم وغداً السباق، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل

كنت في سفري الأخير إلى تونس، وكنا ننتظر إقلاع الطائرة، فالبضاعة تنزل من الطائرة، ثم نزل صندوق مكتوب المرحوم فلان، أُنزِل مع البضاعة، فهذا الإنسان كان شخصًا فأصبح بضاعة، أين وضعوه؟ مع الشحن في الطابق السفلي، وليس مع الركاب، والإنسان يا ترى حينما يتوقف قلبُه ما مصيره؟ يصير خبرًا،

واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا

كنت في مدينة اسمها فاس، هذه عاصمة إسلامية في بلاد المغرب، أزقتها ضيِّقةٌ جداً، أعجبتني لوحة كتب فيها صلِّ قبل أن يُصَلَّى عليك، أي على المسلم العاقل أنْ يدخل المسجد ليصلي، فإن لم يدخله ليصليِّ، سوف يدخله مرةً ليصلَّى عليه،
ثم قال:

فمن قصَّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله، من قصَّر في أيام أمله…

يعني قصَّر في معرفة الله في الدنيا، قصَّر في طاعته، قصَّر في العمل الصالح

…قبل حضور أجله فقد خاب عمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة

معظم الناس عند الشدة يتضرعون، وفي الرخاء لا مشكلة في صحته أبداً، ولا في بيته، ولا في أولاده، ولا في دخله، ولا في عمله، فتجده كسولاً، لكن في الشدَّة: يا رب، يا رب، الأكمل والأجدى، أن تقول: يا رب، وأنت صحيح، أن تقول: يا رب، وأنت غني، أن تقول: يا رب، وأنت معافى،

ألا وإني لم أرَ كالجنة نام طالبُها، ولم أرَ كالنار نام هاربُها، ألا وإنّ مَن لم ينفعه الحقُّ ضرَّه الباطل

ليس مِن إنسان حيادي تماماً، إذِ الجنة هنا، والنار هناك، والإنسانُ بينهما، فإذا ابتعد عن الجنة اقترب حُكماً من النار، والإنسان إذا لم يلتفت إلى الله عزَّ وجل سيلتفت إلى الدنيا،

وإن لم يكن عبداً لله سيكون عبداً لعبدٍ لئيم، وإن لم يمتلئ قلبه بحب الحق امتلأ بحب الخلق، نفسك إنْ لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر

هذا كلام سيدنا علي.

علي طرد الدنيا من قلبه ولم ينسحب منها:

لكن قد تتوهمون أن هذا الإمام الجليل انسحب من الدنيا، وتركها لأهلها، ولم يعتنِ بها، وكأنه عاش على هامش الحياة، لا، فالدنيا خطيرةٌ جداً، وهي مزرعة الآخرة،
وعن المستور رضي الله عنه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فتذاكروا الدنيا والآخرة، فقال بعضهم:

إنما الدنيا بلاغ للآخرة، فيها العمل، وفيها الصلاة، وفيها الزكاة

[أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه]

استمعوا بعنايةٍ فائقة إلى وصف هذا الإمام الجليل للدنيا، قال:

الدنيا دار صدقٍ لمن صدقها، ودار نجاةٍ لمن فهم عنها، ودار غنىً وزادٍ لمن تزوَّد منها، مهبط وحي الله، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه ربحوا فيها الرحمة واكتسبوا فيها الجنة

فاستمعْ إلى الآية الكريمة تبيَّنْ معناها، فحينما يدخل أهل الإيمان الجنة، يقولون:

(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)

[سورة الزمر الآية: 74]

لولا أننا كنا في الدنيا، وعرفنا الله في الدنيا، واستقمنا على أمره في الدنيا، وتقربنا إليه في الدنيا، وأقبلنا عليه في الدنيا، لما كنا الآن في الجنة، فإذا كان الطبيب لامعًا، ودخله كبيرًا، وكان أيام الدراسة في الجامعة يمقتها، فلولا هذه الأيام لما كان في هذا المقام، ولولا ذلك الشقاء في نظر الكُسالى لما كان في هذه البحبوحة، قال تعالى:

(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)

[سورة الزمر الآية: 74]

ومما ورد في بعض الأحاديث الشريفة، يقول عليه الصلاة والسلام:

ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته

[ورد في الأثر]

لا بد أن تكون على شيء، قيمة المرء ما يحسنه، لك اختصاص، لك مهنة، لك حرفة، متفوق في شيء، فهذا الشيء توظفه في سبيل الله، إن كان مالاً تنفقه في سبيل الله، وإنْ كان علمًا تنفقه في سبيل الله، ربنا عزَّ وجل قال:

(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)

[سورة البقرة الآية: 3]

وصف النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي:

وقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام هذا الصحابي الجليل بأنه مخشوشن في سبيل الله،
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:

اشْتَكَى عَلِيًّا النَّاسُ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا خَطِيبًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَشْكُوا عَلِيًّا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأُخَيْشِنٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

[أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري في مسنده]

هناك أناسٌ كثيرون مخشوشنون، ولكن ليس في سبيل الله، يقول لك: لا ليس عندي إمكانية، فهذا مخشوشن مقهور في سبيل الدنيا، لكن الصحابي الجليل سيدنا عليّ كان مخشوشناً في سبيل الله، فالإنسان قد يصبر، لكن ليس في سبيل الله، بل يكون مقهورًا ضعيفًا، قهرتْه الدنيا، وانحنى ظهرُه، لكن اللهَ تعالى يقول:

(وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)

[سورة المدثر الآية: 7]

تجد شخصًا بإمكانه أن يحطِّم خصمه لكنه يصبر لله عزَّ وجل، ويكظم غيظه، فهذا صبرٌ في سبيل الله.
مرة سيدنا علي قَدِمَ مكة من اليمن ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحجُّ بها حجَّة الوداع، تعجل هو إلى لقاء النبي تاركاً جنوده الذين عادوا معه على مشارف مكة بعد أن أمَّر عليهم أحدهم، بدا لهذا الأمير المستخلف أن يلبس الجند حللاً زاهيةً من تلك التي عادوا بها من اليمن، كي يدخلوا مكة وهم في زينتهم، يسرُّ منظرَهم الأعينُ، وأمرَهم فأخرَجوا من أوعيتهم حللاً جديدة ارتدَوْها، ثم استأنفوا سيرهم إلى مكة، وعاد الإمام الجليل بعد لقاء النبي ليصحب جنده القادمين، وعلى أبواب مكة رآهم في هذه الحلل، وأسرع نحوهم،
وسأل أميرهم:

ويلك ما هذا؟

قال:

لقد كسوتَ الجند ليتجمَّلوا إذا قدموا على أخوانهم في مكة

وصاح به الإمام علي، ويلك انزعْ قبل أن تنتهي بهم إلى النبي،
فخلعوا حللهم جميعاً وكظموا في أنفسهم مرارةً من عليّ الورع الزاهد الأوَّاب، ولما دخلوا مكة والتقوا بالنبي عليه الصلاة والسلام شكوه إليه،
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:

اشْتَكَى عَلِيًّا النَّاسُ، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا خَطِيبًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَشْكُوا عَلِيًّا فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَأُخَيْشِنٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّه

[أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري في مسنده]

أي أنه قدَّر فيه هذه الخشونة، وقدَّر فيه حفاظه على هذه الغنائم التي غنموها.

وصيته بتقوى الله:

ذات مرة نصحه أحدهم،
وقال: يا إمام خاِدعْهم فإن الحرب خدعة،
فقال:

لا والله لا أبيع ديني بدنياهم أبداً

وكان يقول في بعض أقواله:

بئس النصر الذي يكون فيه المنتصر شراً من المنهزم

ومن أقواله الرائعة، يقول:

عباد الله أُوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباده

وسورة العصر تقرؤونها جميعاً، وفي الآية الثالثة منها:

(وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ)

[سورة العصر الآية: 3]

ماذا تستفيدون من صيغة تواصوا؟ المشاركة أي أن التواصي بالحق له معنيان:
• أن توصي أخاك بالحق،
• ويا أيها الذي نصحك أخوك أن اقبلْ نصيحته،
فإسداء النصيحة، وقبولها أمران ضروريان متلازمان،
فالتواصي جاء في هذه الكلمة بصيغة المفاعلة، لتدل على أن فضيلة هذه الآية ينالها رجلان، ينالها مَن أوصى بالحق، وينالها من قبِل هذه الوصية، فاستجاب لها، قال: إنها خير ما تواصى به عباده وأقرب الأعمال لرضوانه والدليل قال تعالى:

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

[سورة الحجرات الآية: 13]

واللهُ عزّ وجل ينبئنا في آية أخرى، أن المقياس الوحيد الذي يقيس به عباده هي طاعته، قال تعالى:

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

[سورة الحجرات الآية: 13]

أين النسب؟ أين الوسامة؟ أين الذكاء؟ أين الغنى؟ أين الصحة؟ أين الزوجة؟ أين الأولاد؟ كلُّ هذه القيم التي يعتمدها الناس في التفاضل بين الناس لا أصل لها في القرآن الكريم، قال تعالى:

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

[سورة الحجرات الآية: 13]

أيْ أنت مخلوق، وعلة وجودك في الدنيا أن تكون محسناً، كي يكون هذا الإحسان ثمناً للجنة، في الأصل أنت خُلِقْتَ للجنة، والجنة لها ثمن، وثمنها الإحسان، فهل عندكم دليل؟ نعم في القرآن يؤكد هذا المعنى، قال تعالى:

(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)

[سورة المؤمنون الآية: 99-100]

على ماذا يندم الذي يأتيه ملك الموت؟ على الشيء الأساسي في الدنيا، هل سمعتَ عن رجلٍ جاءه ملك الموت، وهو تاجر، ويقول: يا رب اتركني قليلاً حتى أفرغ من عملي؟ بل يقول:

(لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ)

[سورة المؤمنون الآية: 100]

إذًا: الدنيا كلها من أجل العمل الصالح، والعلماء فسروا العمل الصالح، ما تصلح به الدنيا والآخرة، قال تعالى:

(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)

[سورة المائدة الآية: 2]

البر صلاح الدنيا، والتقوى صلاح الآخرة، يصلح به الفرد والمجتمع، فربنا عزّ وجل قرن العملَ الصالح في القرآن الكريم مع الإيمان في سبعين آية.

الترغيب والترهيب اللذان اعتمد هذا الصحابي الجليل عليهما في هذه النصيحة:

قال الإمام علي:

فاحذروا من الله ما حذَّركم من نفسه، فإنه حذَّر فبأسه شديد، واعملوا من غير رياءٍ ولا سمعة، فإن مَن عمل لغير الله وكَّله الله إلى ما عمل، ومَن عمل مخلصاً له تولاَّه الله، أعطاه فضل نيته، أشفقوا من عذاب الله فإنه لن يخلقكم عبثاً، ولم يترك شيئاً من أمركم سدى، وقد سمَّى آثاركم، وعلم أسراركم، وأحصى أعمالكم، وكتب آجالكم، فلا تغرنكم الدنيا، فإنها غرارةٌ لأهلها، والمغرور مَن اغتر بها

فإنسان أنشأ دورَ اللهو، فيها كل الموبقات، وما إن افتُتِحتْ حتى جاء أجله بعد أسبوعين، وانقضت حياته، وأصبح رهن عمله السيء، وكل ما يجري في هذه الدور من موبقات إلى يوم القيامة في صحيفة أعماله السيئة، لذلك أخطر عملٍ هو العمل الذي تتجدد آثامه بعد موت صاحبه، واعظم عملٍ هو العمل الذي تتجدد خيراته بعد موت صاحبه، يقول هذا الإمام الكريم:

ألا إنكم ملاقو القوم غداً فأطيلوا الليل، وأكثروا تلاوة القرآن، وسَلُوا الله الصبر والعفو والعافية

والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمرٌ بادر إلى الصلاة، وكل واحد منا إذا أقدم على عمل خطير، على عمل مصيري، فلْيكثِرْ من ذكر الله والصلاة، وعليه أن يسارع إلى الصلاة كي يتولاه الله عزّ وجل.

سيدنا علي الرجل الورع:

قال بعض كتاب السيرة: لو شاء هذا الإمام الجليل لكان داهيةً لا يشقُّ له غبار فالإنسان قد يؤتيه الله عقلاً راجحًا، والعقل الراجح المتألق يعينه على أن يكون داهيةً، وقال أحد محللي سيرة عن سيدنا علي: لو شاء هذا الإمام الجليل لكان داهيةً لا يشقُّ له غبار، فحدة ذكائه واتقاد بصيرته يعطيانه من الدهاء ما يريد، ولكن تخلَّى عن كل مواهب الرجل الداهية، وأحل مكانها مواهب الرجل الورع .
ألا تجد مؤمن ذكيًا جداً يقدر أن يخرب بلد، لكن ما الذي يمنعه؟ إيمانه، الإيمان قيد، فالإيمان قيَّدَ الإنسان عن كثيرٍ من هوى نفسه، وقد ترى إنسانًا من أهل الفساد والضلال والدنيا وصل إلى مكان عالي جداً عن طريق اتِّقاد ذكائه، واحتياله، ودهائه، ودخوله، وخروجه، وأساليبه، ومجاملاته، والمؤمن قد يكون أذكى منه، ولو سلك سبيله، أو تقمص سريرته، لكان أعلى منه، لكن المؤمن إذا كان موقعُه أقلَّ من أهل الدنيا فليس لأنه أقل ذكاءً منهم، لا، بل أكثر ورعاً.
أحياناً الإنسان يسترضي شخصًا عظيمًا بزوجته في سهرة، لكن المؤمن يقف عند مليون قيد وقيد، فلا تسمح له قيمُه ولا مبادئه ولا أهدافه النبيلة أن يفرِّط قِيدَ أنملة بمقدساته،
مرة أحد أخواننا المحامين حدثني بحديث ترك في نفسي أثراً بالغًا، قال لي: جاءني رجل يريد أنْ يوكِّل محاميًا، وله قضية وصدر قانون عفوي، فقلتُ له مخَلِّصاً: يا أخي قضيتك لا تحتاج إلى محامي، اذهب إلى القاضي وقدِّم استدعاءً، وينالك العفو من دون أي شيء، فذهب هذا الرجل نفسُه إلى محامٍ آخر، وقال له: هذا الأول لا يفهم شيئاً، أوهمه أنه أمامَ مشكلة كبيرة خطيرة، فدفع له أول دفعة عشرين ألف، فقلت له: واللهِ هذا وسامُ شرفٍ لك، فالثاني ذكيٌّ، أوهم هذا الموكل أن الأمر خطير، وقد يتعرَّض إلى سجن وغرر به، لكن الأول هل كان أقلَّ ذكاءً منه؟ لا والله، فما الذي قيده؟ دينه.
فأحياناً يا أخوان، إذا فاتك مكسب في الدنيا كبير لأنك ورع، فَفَوْتُ هذا الشيء وسامُ شرفٍ لك، وأهل الدنيا وإن تفوقوا في دنياهم بطرقٍ ملتويةٍ وبأساليب لا ترضي الله عزَّ وجل، فتفوُّقهم في دنياهم وصمةُ عارٍ لهم، أرجو أن أكون قد وفّيت هذه النقطة حقها.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – سيرة الخلفاء الرشدين – سيدنا علي بن أبي طالب – الدرس (2-8) : نشأته وعلمه
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-11-01 | المصدر