علي بن أبي طالب رجولته وبطولته.

hussam سيرة أصحاب النبي

بسم الله الرحمن الرحيم

سيدنا علي رجل مبدأ:

تحدثنا عن سيدنا علي بن أبي طالب سابقاً من زاوية علمه ونشأته، واليوم نتحدث عنه من زاوية رجولته وبطولته، ولا تنسوا أن كلمة رجل في القرآن الكريم في أكثر الآيات لا تعني أنه ذكر بل تعني أنه بطل، قال تعالى:

(رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)

[سورة النور الآية: 37]

أي إنهم أبطال، وسيدنا سعد يقول:

ثلاثةٌ أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ، وقد اشتقت من كلمة رجل الرجولة، والرجولة هي البطولة

فهذا الصحابي الجليل لمّا نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قرآن كريم بآية جديدة، و هي قوله تعالى:

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)

[سورة آل عمران الآية: 144]

فهذه الآية أحدثت في نفس الصحابة الكرام ردَّ فعل قوي، وظن بعضهم أنها تنعي النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك صاح عليُ بن أبي طالب:

والله لا ننقلب على أعقابنا بعد أن هدانا الله، ولئن مات أو قتل لأُقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت

ماذا نستنبط من هذا الكلام؟ نستنبط من هذا الكلام أن النبي عليه الصلاة والسلام بث في أصحابه مبدأً ثابتاً، وكان تركيز النبي على المبدأ لا على شخصه، قال تعالى:

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)

[سورة آل عمران الآية: 144]

هنا سؤال يَطرح نفسَه: لِمَ لمْ يقل هذا الإمام الكبير؟ واللهِ لئن مات أو قتل لأسيرن على منهجه، واللهِ لئن مات أو لأستمسكنّ بسنته؟ بل قال:

والله لئن مات أو قتل لأُقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت

الحقيقة أن بذل النفس أقصى غاية الجود، أي أن أعلى درجة من درجات التمسك بالدين، وأعلى درجة من درجات الإيمان، وأعلى درجة من درجات الإخلاص أن تقدم نفسك التي بين جنبيك لتحقيق مبدئك وهدفك.
فماذا نستنبط من هذا الموقف؟ نستنبط أنه ينبغي أن تتعلق بالله عزّ وجل، وأن تتعلق برسوله المعصوم، وأن تتعلق بصحابته الذين رضي الله عنهم، وأن تخلص في تعلقك هذا، وأن تنتمي إلى مجموع المؤمنين، وأن تكون رجل مبدأ لا رجل أشخاص، لأن الأشخاص يأتون ويذهبون، ويرتفعون ويسقطون، وينضبطون وقد لا ينضبطون.
فأنت أيها المؤمن حينما تعرفت إلى الله، وعاهدته على الطاعة، وأخلصت له، سلوكك واستقامتك مع وجود من يعلِّمك، أو مِن دون وجوده، مع وجود أخوانك المؤمنين أو في غيبتهم، مع وجودك في بلدك، أو كنت مسافرًا فأنت أنت، فإذا كنت رجل مبدأ لا يتغير سلوكك، هذا هو الإخلاص في عدم التغيّر، وفي التثبُّت على المبدأ.

أخلاق علي مع خصمه في ساحة الوغى:

في غزوة أُحد يخرج من صفوف المشركين أحد مبارزيهم الأشداء، هو أبو سعد بن أبي طلحة، وينادي علياً ليبارزه، فيخرج عليٌ إليه، ويلتقيان في مبارزةٍ ضاريةٍ حامية، ويتمكن سيف عليٍ رضي الله عنه بضربةٍ تطرحه أرضاً، وهو يتلوى من الألم، وبينما يتهيأ عليٌ كرم الله وجهه ليجهز عليه بضربةٍ قاضية ينحسر جلباب الرجل فتنكشف عورته، فيغمض عليٌ عينيه، ويغضُّ بصره، ويثني إليه سيفه، ويعود إلى مكانه من الصف.
أنتم دائماً، تقولون: الإمام علي كرم الله وجهه، يؤثر عن هذا الإمام العظيم أنه ما رأى عورةً قط،
فهذه العين لها عبادة، ومن عبادتها أن تنظر في آيات الله، وأن تغض البصر عن عورات المسلمين، ومن علامة المؤمن أنْ يغضُّ بصره عن النساء، لا يمشي وراء امرأة، ولا يصعد الدرج وراء امرأة، فهو دائماً عفيفٌ في بصره،
فكان سيدنا علي كرم الله وجهه عفيفًا، حتى أن التاريخ يروي أن أحد المقاتلين، وهو يبارز سيدنا عليًّا شعر أنه ميتٌ لا محالة، فكشف عن عورته، فانصرف عنه سيدنا علي، فقال أحد الشعراء:

لا خير في ردّ الردى بمذلّةٍ***كما ردّها يوماً بسوأته عمرو

أي أنه رد الموت عنه حينما كشف عن عورته، يقول أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صافح النبيَّ بيده اليمنى: واللهِ هذه اليد بعد أن صافحت يد النبي ما مسَّت عورتي إطلاقاً
ما هذا الحب؟ ما هذا التعظيم؟ ما هذا الولاء؟ صافحت يده يدَ النبي، إذًا: هذه اليد يجب أن تكون مقدسة طوال حياته، والحقيقة أنّ القتال مشروع، ولكنْ له آداب، وله مكارم أخلاق، فسيدنا علي ما كان يقبل أن ينتصر في مبارزة إلا إذا توافر مع المبارزة صفات البطولة والمروءة والشهامة والعفة.
إنّ براعة سيدنا عليّ في القتال كانت تزلزل خصومه خوفاً وفرقاً وهلعاً، لكن خصلةَ شرف المقاتل في سيدنا علي كانت تملأ نفوس خصمه طمأنينةً وأمناً، لأنه لا يغدر أبداً، ولا يقسو، ولا يمثِّل، فقتاله قتال شريف.
وفي أثناءِ قتاله مع بعض خصومه يومًا قام أحد من رجاله فشتم خصمه، فنهاه سيدنا علي نهياً شديداً،
وقال: يا أمير المؤمنين ألسنا على حق وهم على باطل؟
فقال الإمام علي:

بلى ورب الكعبة

قال: فلمَ تمنعنا من شتمهم ولعنهم؟
قال الإمام علي:

كرهتُ لكم أنم تكونوا شتَّامين لعاَّنين، ولكن قولوا: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرِفَ الحقَّ من جهله، ويرعوي عن الغي من لجَّ به والقرآن الكريم هكذا يقول:

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)

[سورة فصلت الآية: 34]

أحياناً بعض الناس قد يقرأ القرآن من غير تدقيق، يقول الله عزّ وجل:

(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

[سورة فصلت الآية: 34]

معنى (أحسن) أي في تعاملك مع خصمك ألف سلوك حسن، فيجب أن تختار الأحسن، قال تعالى:

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)

[سورة فصلت الآية: 34- 35]

سيدنا علي يفدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه:

حينما أقر النبي عليه الصلاة والسلام أن يهاجر، كان كفَّار قريش يتربصون به، ويتحلّقون حول بيته، وكان ينبغي له أن يغادر، كان سيدنا عليّ الفتى الفدائي، وقد ورد في السيرة أن النبي ألقى كَفًّا من تراب،
وقال:

شاهت الوجوه

فلم يره أحدٌ حينما خرج،
لكن النبي عليه الصلاة والسلام أمر سيدنا علياً أن يستلقي على سريره، وأن يتغطى ببردته، فكلما نظروا إلى بيت النبي يطمئنون أنه في سريره وفي بيته، لكن النبي كان قد خرج من مكة، وصار في أطراف مكة، وقريش قد عُرفت ببأسها وجبروتها وقسوتها وحقدها وكرهها،
وحينما دخلت إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام فوجِئَت أن النبي قد خرج، وأن سيدنا عليٌّ في الفراش، أليس هناك احتمالٌ كبير أن يُقتَل هذا الإمام العظيم؟ فالاحتمال كبير جداً، فالإنسان حينما يمتلئ حقداً وغيظًا، وحينما يُسقط في يده، وحينما يحبط عمله، وحينما يخيب أمله، قد يفعل فعلاً ارتجاليًّا عشوائيًّا، فهذا موقف من مواقف سيدنا علي، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال له مطمئناً:

لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم

النبي يعطيه الراية لفتح خيبر:

هناك موقف لسيدنا علي، وهو الحقيقة شهادة كبيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي الجليل، فسيدنا علي حينما كان يوم خيبر أمام حصنها المنيع، ارتدت أول يومٍ كتيبةٌ قوية يقودها أبو بكر، ثم ارتدت في اليوم الثاني كتيبةٌ أُخرى يقودها عمر بن الخطاب، فلم يجزع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ألقى على الصفوف الحافلة بأصحابه وبجيشه نظرةً متفائلة،
وقال:

لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا كُلُّهُمْ يَرْجُوهُ
فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيٌّ ؟
فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ
فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ
فَقَالَ: أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا ؟
فَقَالَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ

[أخرجه البخاري في الصحيح]

حمل هذه الراية سيدنا علي، وتقدَّم الكتيبة يهرول هرولةً، وأمام باب الحصن نادى:
أنا علي بن أبي طالب، وقال: والله، والذي نفسي بيده لأذوقن ما ذاق حمزة أو ليفتحن الله علي ،
أي إما النصر وإما الشهادة، وأجرى الله جلَّ جلاله على يد هذا الإمام النصر، وفتح باب الحصن، واقتحمه المسلمون، وتمت نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وهتف المؤمنون: الله أكبر خربتْ خيبر.
صدقوني ما رأيت في الدنيا شيئاً أثمن من هذا المقام أن يحبك رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا أحبك رسول الله أحبَّك الله، لذلك النبي الكريم يقول:

ابتغوا الرفعة عند الله

[ورد في الأثر]

قد يكون حجمك في المجتمع حجمًا صغيرًا جداً، يعني إنسانًا بسيطًا، موظف صغير، معلم في مدرسة، تاجر صغير، ولك حجم اجتماعي متواضع جداً، فلست من أصحاب الحول والطول، ولا من أصحاب الأوسمة والرتب، ولا من أصحاب الأموال الطائلة، ولا ممن ينظر إليهم ويشار إليهم بالبنان، إنسان عادي جداً، ولكن إذا كان الله ورسوله يحبك، وأنت على منهج الله، فأنت ورب الكعبة في مقام الملوك يوم القيامة، ودائماً يغيب عن أذهاننا المقياس الرباني الذي يقيس به عباده في القرآن الكريم، قال:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)

[سورة الحجرات الآية: 13]

سيدنا سعد بن معاذ، له قول شهير:

يا رسول الله امض لما أردت، خذ من أموالنا ما شئت ودَعْ منها ما شئت، صل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، سالم من شئت وعادِ من شئت، فو الله إنّ الذي تأخذه منا أحب إلينا من الذي تدعُه لنا المال الذي تأخذه منا أحب إلينا من الذي تدعه لنا، هكذا كان أصحاب النبي

أما اليهود:

(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)

[سورة المائدة الآية: 24]

فالإنسان حجمه عند الله بحجم عمله، وإياكم أن تتوهموا أنه لا يمكن في هذا الزمان أن تكون بطولات، فكل زمان له بطولاته، كل زمان له خصائصه، فمِنَ الممكن أن تصل إلى أعلى أهدافك في أي زمن، والبطولة مبذولة، وأسبابها متوافرة، والتقرب من الله عزَّ وجل ممكن، ورب الصحابة هو ربنا، فالمشكلة مشكلة همم، مشكلة عزائم.
هناك أمر هام، إن عند المؤمن قوة، هذه القوة ما أسبابها؟ قد ترى إنسانًا خائر القوة، متهالكًا ضعيفًا خائفًا جبانًا خوَّارًا يائسًا، ليس عنده إمكانية أن يتحرك، فلماذا تجد المؤمن في أعلى درجات القوة؟ فالحقيقة أنّ هناك أسبابًا:
1. أن المؤمن آمن بالله وتوكَّل عليه، وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، قال تعالى:

(فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

[سورة هود الآية: 55-56]

2. أنّ المؤمن يعلم أنه على حق، فهو في خدمة هدفٍ قامتْ من أجله السموات والأرضُ، لا يسعى لشهوةٍ ولا لنزوةٍ، ولا لمالٍ ولا لدنيا، ولا لمجدٍ زائفٍ ولا لقوةٍ طارئة، بل يسعى لتحقيق هدفه، اسمعوا الآية الكريمة:

(فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ)

[سورة النمل الآية: 79]

3. أنه يؤمن بالخلود، فليست الدنيا أكبر همه، ولا مبلغ علمه، ولا منتهى أمله، ولا محط رجائه، أما لو آمن الإنسان في الدنيا فقط فيكون حينئذٍ جباناً، لكنْ إذا آمن بالآخرة يرى أنّ الدنيا عرضٌ حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعدٌ صادق يحكم فيه ملكٌ عادل.
4. أنه يؤمن بالقضاء والقدر، قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،:

لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ

[أخرجه أحمد في مسنده]

5. حينما تشعر أنك مؤمن، وأنك لكل المؤمنين، وأن المؤمنين لك بإمكاناتهم، بخبراتهم، بقدراتهم، فأنت للكل، والكل لك، إذًا: لست وحدك في الحياة، تجد إنسانًا في العالم الغربي يموت، ولا يسأل أحد عنه، قال: أغزر طريق في فرنسا بين باريس وليون، هذا الطريق يقيسونه بعدد السيارات التي تقطعه في الدقيقة، أجروا تجربة، فجاؤوا بسيارة واقعة في حادث، وجاء إنسان فاضطجع أمامها، ووضعوا حبرًا أحمر تمثيلاً منهم محكمًا تماماً، وكأنه في حادث مروِّع، هناك إنسان جريح، انتظروا بعد عددٍ من السيارات تقف إحدى هذه السيارات لتسعف هذا المصاب فلم يقف أحد، فالمجتمعات الغربية مجتمعات كثيفة جداً، لكن الوحشة فيها كثيرة جداً.
فالمؤمن يشعر أنه للجميع، والجميع له، فهذا شعور يبث فيه الأنس والطمأنينة هذه هي أسباب قوة المؤمن.

هذا هو الرجل المغوار:

وقف عليٌ رضي الله عنه يوم الخندق أمام أحد الفرسان الأعداء، وهو عمرو بن عبد وُدٍّ، فتسلل هذا المشرك الفارس إلى صف المسلمين، ووقف أمام علىٍ كرم الله وجهه وجهاً لوجه،
وقال:

يا عمرو إنك كنت عاهدت الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه

فأجابه عمرو: أجل،
قال عليٌ:

فإني أدعوك إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الإسلام

فقال عمرو: لا حاجة لي إلى ذلك،
قال علي:

أنا أدعوك إلى النزال

قال عمرو: لمَ يا ابن أخي، فو اللات ما أحب أن أقتلك؟
قال عليٌ:

لكنني والله أحب أن أقتلك

فغضب عمرو، وأخذته حمية الجاهلية، واقتحم عن فرسه وعقره، ثم هجم على علِيٍّ كرم الله وجهه الذي تلقاه بعنفوانٍ أشد، وخاض معه نزالاً رهيباً، لم تطل لحظاته حتى رفع عليٌ سيفه المنتصر، بينما كان خصمه عمرو بن عبد ود مجندلاً علـى الأرض صريعاً ، ولقد وقف هذا الصحابي مواقف بطولية رائعة جداً.
الحقيقة يجب أن توقن أن انتهاء الحياة لا يمكن أن يكون إلا إذا انتهى الأجل، لأن الشجاعة لا تقرب أجلاً، واقتحام المخاطر في سبيل الله لا ينهي حياةً، فسيدنا على كرَّم الله وجهه اقتحم أخطارًا كثيرة، وعرَّض نفسه لمواقف صعبة جداً، كان في كل موقفٍ أقلّ ما فيه أنه يكاد يخسر حياته، فلذلك عندما يقف المسلم هذه المواقف البطولية، يشعر أن الله سبحانه وتعالى راضٍ عنه.

ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بسيدنا علي كرَّم الله وجهه:

في فتح مكة، كان الزعيم الأنصاري سعد بن عبادة، يحمل الراية على رأس كتيبةٍ كبيرةٍ من المسلمين، ولم يكد يرى أطراف مكة حتى استفزته ذكرياتٌ قديمة وذكريات عداء قريشٍ للمسلمين، فصاح قائلاً وسط النشوة التي تستخف الأحلام: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، وسمعه بعض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام فروعهم هذا النداء،
وسارع عمر بن الخطاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ونقل إليه كلمات سعد، وقال معقباً عليها: يا رسول الله ما نأمن أن يكون لسعدٍ في قريشٍ صولة، فكأنهم خافوا أن يفتح سعدٌ مع قريشٍ قتالاً،
فما كان مِن النبي عليه الصلاة والسلام إلا أنْ نادى علياً كرم الله وجهه على الفور، وقال:

أدركْ سعداً، وخذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها

[ورد في الأثر]

فسيدنا علي نفَّذ هذه المهمة، وأخذ الراية، ودخل مكة دون أن يهرق دماً مراعاةً لتوجيهات النبي عليه الصلاة والسلام.
هناك مشهد آخر دقيق، سيدنا خالد كان على رأس إحدى السرايا، أمره النبي أن يسير بأسفل تهامة داعياً لا مقاتلاً، وعند قبيلة بني خزيمة بن عامر تصرَّف أحد رجالها تصرفاً فتسرع تجاهه سيدنا خالد فأعمل فيهم السيف، ووصل الخبر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فغضب وحزن وبَرئ إلى الله مما صنع خالد، ثم رأى عليه الصلاة والسلام أن يبادر بإرسال رسول سلامٍ، وكان ابن أبي طالب ذاك الرجل دعاه النبي، وقال له:

يا علي أخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك

[ورد في الأثر]

المنازعات، العصبية الجاهلية، العنجهية، الخصومات، هذه سماها النبي جاهلية، وهكذا فعل الإمام علي حتى إن هذا الإمام الجليل دفع دية القتلى الذين قتلوا في أثناء فتح مكة.
أبو سفيان الذي حارب النبي عشرين عاماً في أثناء هذه الفترة الطويلة، بعد صلح الحديبية ونقض قريشٍ لهذا الصلح، وتهيؤ النبي لقتال قريش، خاف القرشيّون أن يغزوهم النبي عليه الصلاة والسلام،
فذهب أبو سفيان بنفسه إلى المدينة المنورة ليطيِّب قلب النبي وليعيد العمل بوثيقة صلح الحديبية، وليجدده، فدخل على ابنته أم حبيبة، وكانت إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فأبت ابنتُه أن تُجلسه على فراش رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان مبسوطاً في فناء حجرتها ساعة دخوله، فطوته عنه، ولما عاتبها في صنيعها، بقوله:
أضننتِ به عليّ، أم ضننتِ عليه بي؟
قالت:

إنك مشرك، وفراش رسول الله عله الصلاة والسلام لا يطأه مشرك

فهذا الانتماء العظيم، وعاد إلى مكة خائب المسعى، جلس يحدث قريشاً عن محاولته، فقال فيما قال:
جئت ابن أبي قحافة فلم أجد منه عوناً، وجئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو، لقد قال لي:

أأنا أشفع لكم عند رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به

وجئت علياً فوجدته ألين القول،
فكل صحابي له موقف، وهذا الموقف مبرر، وهذا الموقف له وجهة نظر.

مكانته:

وللنبي عليه الصلاة والسلام قولٌ شهير خاطب به هذا الإمام الجليل،
عَنْ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ:

أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى

[أخرجهما البخاري ومسلم]

أي كان يده اليمنى، وكان وزير النبي، وحسبكم قول النبي عليه الصلاة والسلام:

أنا مدينة العلم وعليٌ بابها

[ورد في الأثر]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – سيرة الخلفاء الرشدين – سيدنا علي بن أبي طالب – الدرس (3-8) : رجولته وبطولة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-11-08 | المصدر