عامر بن شرحبيل الشعبي

hussam سيرة التابعين

بسم الله الرحمن الرحيم

الدين يتجسد في سيرة الصحابة والتابعين:

أيها الإخوة المؤمنون… مع سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، والتابعيُّ اليوم عامر بن شرحبيل الشَعبي.
كان واسع العلم، عظيم الحلم، وإنه من الإسلام بمكان.
أيها الإخوة… ننطلق في هذه السيَر من قول النبي عليه الصلاة والسلام:

خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ

[متفق عليه عن أبي هريرة]

كلام النبي لا ينطق عن الهوى، فأصحابه من القرن الأول، والتابعون، وتابعوا التابعين، هؤلاء خِيرةُ خلق الله عزَّ وجل، لذلك فالاقتداء بهديهم، وبسيرتهم، والوقوف عند بطولاتهم، وشمائلهم جزءٌ من الدين، أي إنك إذا رأيتَ ديناً نظرياً فعُدْ إلى الكتاب والسُنَّة، وإنْ أردتَ ديناً عملياً فتقدَّم بقراءة سير الصحابة والتابعين.

مولده:

فلستِّ سنواتٍ خَلَتْ مِن خلافة الفاروق رضوان الله عليه، وُلِد للمسلمين مولودٌ نحيل الجسم، ضئيل الجِرم.
من حكمة الله عزَّ وجل أن الأبطال متفاوتون في أجسامهم، ترى بطلاً ضخماً عملاقاً، وترى بطلاً نحيلاً رقيقاً، وترى بطلاً وسيم الطلعة، وترى بطلاً غير وسيم الطلعة، ترى رجلاً مربوعاً، وآخر قصيراً، ورجلاً أبيض، وآخر غير أبيض، فالبطولة لا علاقة لها بالشكل إطلاقاً، هذه حقيقة، أنت كرجل كل قيمتك تنبع من مبادئك، وعلمك، وأخلاقك.
لذلك يُروى عن بعض التابعين أنه كان قصير القامة، أسمر اللون، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، ليس شيءٌ من قبح المنظر إلا وهو آخذٌ منه بنصيب – هكذا يصفه الواصفون – وكان مع ذلك سيد قومه، إنْ غضِبَ غضِب لغضبته مائة ألف سيف، لا يسألونه فيما غضب.
فالإنسان يحقِّق أعلى درجات البطولة في أي شكلٍ كان،
لكن الإنسان إذا آتاه الله عزَّ وجل شكلاً مقبولاً فهذا من نعمه عزَّ وجل،
فالنبي علَّمنا إذا نظر في المرآة يقول:

اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي

[من مسند أحمد: عن ابن مسعود ]

لماذا كان هذا التابعي نحيل الجسم، ضئيل الجرم؟ قيل: لأن أخاه زاحمه على رحم أمه، فلم يَدَعْ له مجالاً للنمو، إذاً هو شقيق ـ أي توأم ـ لكنه لم يستطع بعد ذلك أن يزاحمه، لا هو ولا غيره في مجالات العلم، والحلم، والحفظ، والفهم، والعبقريَّة.
بصراحة أيها الإخوة أقلُّ شيء عندك شكلك، وأقلّ شيء تملكه العمُرُ الزمني، لأنّ العمر لا يقاس بمدَّته، بل يقاس بأعماله البطولية، والإنسان لا يقاس بشكله، بل يقاس بإيمانه وخُلُقه.
مرة أحد الصحابة يبدو أنه وقف في مَهَبِّ رياح شديد فرفعت ثوبَه، فبدت دقَّة ساقيه، فتبسَّم الصحابة الكرام، فقال عليه الصلاة والسلام:

مِمَّ تَضْحَكُونَ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ

[من مسند أحمد: عن أبي مسعود]

فالإنسان إذا كان نحيفَ البُنية، قصيرَ القامة، أسمرَ اللون، هذه أشياء لا تقدِّم ولا تؤخِّر، ولا يُعنى بها إلا النساء، لذلك فمجتمع الرجال مجتمعٌ الإيمان والعمل.
بالمناسبة: من هو حِبُّ رسول الله؟ إنّه سيدنا أسامة، كان أسود اللون، أفطسَ الأنف، عيَّنه قائد جيش، وهو في السابعة عشر من عمره، على جيشٍ فيه أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، أرأيت الإسلام؟ هذا الدين.
ذلكم هو عامر بن شرحبيل الحِمْيَرِيّ المعروف بالشعبي، نابغة المسلمين في عصره.
وُلد الشعبي في الكوفة، وفيها نشأ،

طلبه للعلم:

المدينة المنورة كانت مهوى فؤاده، ومطمح نفسه، كان يؤمُّها من حينٍ لآخر ليلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وليأخذ عنهم، كما كان الصحابة الكرام يؤمّون الكوفة ليتخذوها منطلقاً للجهاد في سبيل الله، أو داراً لإقامتهم، إذاً كان طلاب العلم يقدمون على المدينة ليلتقوا بأصحاب رسول الله رضوان الله عليهم، وأصحاب النبي رضوان الله عليهم ينطلقون إلى الكوفة، ليجعلوها قاعدةً لانطلاقهم لفتوح الهند والصين، إذاً هؤلاء تعلَّموا، فعليهم أن يجاهدوا، وأولئك عليهم أن يتعلَّموا.
أُتيح لهذا التابعي الجليل أن يلقى نحواً من خمسمائةٍ من الصحابة الكرام، وأن يروي عند عددٍ كبير من جلتهم.
الحقيقة ـ ولا أبالغ ـ ليس في الأرض متعةٌ أعظم من أن تجلس إلى عالم تُذاكره في العلم، لأن العلم حياة الإنسان، والعلم حياة القلب، وهو الذي يناسب شأن الإنسان، وغير العلم يناسب ما دون الإنسان.
يروي هذا التابعي عن عددٍ كبير من أصحاب النبي، من أمثال علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقَّاص، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت، وأُبيّ، وأبِي موسى الأشعري، وأبي سعيد الخدري، والنعمان بن البشير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبَّاس، وعدي بن حاتم، وأبي هريرة، وعائشة أم المؤمنين، وغيرهم، وغيرهم.
وقد كان الشعبي فتىً متوقِّد الذكاء، يقظَ الفؤاد، مرهفَ الذهن، دقيقَ الفهم، آيةً في قوة الحافظة والذاكرة، ولي هنا وقفة:
إنّ الله عزَّ وجل يعطي إنساناً هذه القدرات العقليَّة العالية، ويحرم منها آخرين، فقد يقول قائل: ما ذنب الذي حُرم هذه القدرات؟ هناك إجابات كثيرة، منها أنّ الإنسان يُعطَى من القدرات على قدر مطالبه، فكلَّما ارتفعت مطالبُه، واتسعت، وسمت، وكبُر حجمها قدَّر الله له من الملكات والقُدرات ما يوازي هذه المطالب العالية.
نحن في مجتمع البشر، إذا كلَّفتَ الإنسان بمهمة كبيرة، تعطيه صلاحيات كبيرة، وإذا كلَّفته بعقد صفقةٍ لإطعام بلد تعطيه اعتمادًا بمائة مليون، فكلَّما كلَّفته بعملٍ كبير أعطيتَه إمكانات كبيرة، فأحد الأجوبة أن هذه القدرات الفائقة التي يتمتع بها هؤلاء العلماء الأعلام، في رأيٍ من الآراء أنها نتيجة مطالبهم العالية التي علِم الله بها.
وعندنا شيءٌ آخر، وهو أن هذا الذكاء، وقوة الحافظة، وحدّة الذهن، والإدراك العميق، وقوّة التفكير هذا حظٌّ من حظوظ الدنيا، والإنسان يُمتَحَن به، فإمّا أن يرقى به، وإمّا أن يهوي، فالجهاز الذي يرفعك هو نفسه الذي يهوي بك، الآن الطائرة مِيزةٌ كبيرة، لأنها تنتقل بسرعة عالية، لكن لو أنها تعطَّلت في الجو لم يكن ثمّة حلٌ وسطٌ، ولا وقت للنزول، ولا لمخاطبة الركاب بالذهاب إلى بيوتهم، حتى يتسنّى إصلاح الطائرة، لا يوجد هذا، فميزة تحليقها في الجو، ونقل الركاب بوقـت قصيـر جداً، في مقابلها سيئة إذا أصابها عطب، ويُنشَر الخبر البسيط: لقد مات جميع ركَّابها، وبتعبير آخر: وقد لقي جميع الركاب حتفهم، أما السيارة فتتعطَّل، وسرعتها أبطأ، لكن لو تعطَّلت لوُجِد لها حلّ آخر.
أردت من هذا المثل أن الإنسان إذا أُوتي الذكاء، والقدرات الفائقة، هذه ترقى به ولا شك، لكن لو أنه استخدمها على خلاف ما أراد الله عزَّ وجل لَهَوَتْ به، فالقدرات العالية كما أنها ترقى فإنها تُهلك، فمثلاً: يكون الشخصُ يسير بسيارة، وأغلب الظن أنْ لا مشلكة، فلو سار بسرعة مائة وعشرين، ثمّ سها سهوة، ماذا يحدث؟ أحياناً الإنسان يعطس وهو يقود السيارة، هذه العطسة فيها تغميض العينين ثانية واحدة، فيشعر بالخطر، لأنه يسير بسرعة كبيرة، فكلَّما أسرعت يجب أن تكون أكثر يقظةً ونباهةً، وكلُّ شيء فيه ميزة في مقابلها مغرم، وكل مغنمٍ يقابله مغرم، فالذي أوتي حظاً من الذكاء هذا امتُحِن بالذكاء، لكن فيما لو لم يؤمن بالله عزَّ وجل، لكان هذا الذكاء وبالاً عليه.
إذن كان الشعبي متوقد الذكاء، يقظ الفؤاد، مرهف الذهن، دقيق الفهم، آيةً في قوة الحافظة والذاكرة، وقد روي عنه أنه قال:

ما كتبت سوداء في بيضاء قط

ماذا يعني هذا الكلام؟ أنه لشدة حافظته، لاتقاد ذهنه، لقوة ذاكرته ما احتاج أن يكتب كلمةً سوداء على ورقةٍ بيضاء.
قد يقول أحدكم: ما هذه الذاكرة؟ أنا أجيبكم: لو أنك تهتم بموضوعٍ ما، لوفِّقت إلى ذاكرةٍ كهذه الذاكرة، فأحياناً تدخل على بائع قطع تبديل، يكون عنده عشرة آلاف نوع، أي سؤال تطرحه عليه يقول لك: يوجد، أو بقي منها قطعة واحدة، اصعدْ يا بني على الرفِّ الثالث، على اليمين هناك واحدة فأحضِرْهَا. معنى هذا أنّ ذاكرته محلّ، لأنه مهتم، ولأن في ذلك ربح له.
فالذاكرة قانونُها الاهتمامُ، حينما تهتم بالشيء تحفظه، لذلك يشكو الإنسانُ ضعفَ ذاكرته في موضوعات لا يهتم لها، ويعتدّ بذاكرته التي لا تخطئ في الموضوعات التي يهتم بها، فأكاد أقول لكم: إن الاهتمام الشديد هو الذي يجعل الإنسان يحفظ.
فمن شدّة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلَّم بكتاب الله، كان إذا نزل عليه يحفظه لأول مرة، مرة واحدة.. وقد قال تعالى:

(سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)

[سورة الأعلى]

قال الشعبي:

ما كتبت سوداء في بيضاء قط، ولا حدثني رجلٌ بحديثٍ إلا حفظته، ولا سمعت من امرئٍ كلاماً ثم أحببت أن يعيده علي

إنها قوة ذاكرة عجيبة.
وقد كان الفتى مولعاً بالعلم مشغوفاً بالمعرفة، يبذل في سبيلهما النفس والنفيس، ويستسهل من أجلهما المصاعب، إذ كان يقول:

لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن، فحفظ كلمةً واحدةً تنفعه فيما يستقبل من عمره، لرأيت أن سفره لم يضع

كلمة واحدة تتعلَّمها، تنفعك في حياتك، هذا الجهد الكبير الذي بذلته من أجلها لم يضع سُدًى، وأشرف عملٍ تفعله أن تطلب العلم، لأنك بالعلم تصل إلى الله، وبالعلم تصل إلى طاعته، وبالعلم تصل إلى القرب منه، وبالعلم توفَّق في أمورك الدنيويَّة، وبالعلم تسعد في بيتك، وبالعلم تسعد في عملك،

فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم

تأكد أنه ما مِن عملٍ أشرف عند الله عزَّ وجل من أن تطلب العلم..

إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ

[من سنن الترمذي: عن قيس بن كثير]

مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ

[مسلم عن أبي هريرة]

إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمَّرها فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني، وحُقَّ على المزور أن يكرم الزائرِ

ومرَّة ثانية وثالثة أقول لكم: كما أنه ينبغي أن تؤدي زكاة مالك ينبغي أن تؤدي زكاة وقتك، وزكاة المال تعني أن تنفق جزءاً منه في سبيل الله، وزكاة الوقت تعني أن تنفق جزءاً منه في طلب العلم، وحينما تؤدي زكاة وقتك يحفظ لك اللهُ عزَّ وجل وقتك، كما حفظ لك مالك.
أحياناً يكون الإنسان يجمِّع محركًا، وينسى شيئًا يجب أن يضعه في أول الأمر، وقد قضى أربع ساعات، فيرجع ليفُكَّه من أول، فاللهُ عزَّ وجل قادر أن يتلف لك عشرين ساعة من دون مبرر، فأحياناً تتوهَّم شيئًا فتجري تحاليل، واختبارات، ويظهر لك في الأخير أن لا شيء معك، دفعت أموالاً، وبذلت جهدًا، وتعطَّلت، وانتظرت.
وأحياناً يتعطَّل شيء بآلة عندك، فتبعث لتحضره من بلد آخر فيأتيك ناقصًا، فلا تعمل، واعلَمْ أن الله عزَّ وجل قادر على أن يضيّع لك عشرات الساعات، بل مئات الساعات بلا طائل، في موضوعات سخيفة جداً، ولا حول لك ولا قوة، لذلك كما أنه ينبغي أن تؤدي زكاة مالك، ينبغـي أن تؤدي زكاة وقتك، كما أن زكاة المال تحفظ المال من الضياع والإتلاف، فإنّ زكاة الوقت تحفظ وقتك من الهدر.
إنّ الإنسان الموفَّق يقوم في وقت قصير بأعمال كبيرة جداً، يقول لك: لقد بارك الله له في وقته، فتجده موفَّقًا في كل أموره، وأعماله دائماً هادفة، ليس عنده محاولات فاشلة، ولا إحباط، ولا بعثرة، ولا ضياع في الوقت،
قال:

لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن، فحفظ كلمةً واحدة تنفعه فيما يستقبل من عمره، لرأيت أن سفره لم يضع

قالوا:

ما ضاعت عَبرةٌ كانت لصاحبها عِبرة

الحياة كلها دروس، والإنسان كما قال النبي الكريم:

أُمرت أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً

وقد بلغ من علمه أنه كان يقول:

أقل شيءٍ تعلَّمته الشعرُ، ولو شئت لأنشدتكم منه شهراً دون أن أعيد شيئاً مما أنشدته

ينشد الشعر شهرًا كاملاً دون أن يعيد شيئاً مما أنشده، وهذا أقل شيءٍ تعلَّمه!!.
وكانت تعقد للشعبي حلقةٌ في جامع الكوفة، فيلتفُّ الناسُ حوله زمراً زمرا، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحياءٌ، يروحون ويغدون بين أظهر الناس.
بل إن عبد الله بن عمر رضي الله عنه سمعه ذات مرةٍ يقصُّ على الناس أخبار المغازي، بخفاياها ودقائقها، وما أدراك ما عبد الله بن عمر!! صحابيٌ جليل عاش مع النبي عليه الصلاة والسلام، جلسَ مرةً إلى درس يلقيه هذا التابعي الجليل الشعبي عن مغازي رسول الله، فأصغى السمع، وأرهف سمعه،
وقال:

لقد شهدتُ بنفسي بعض ما يقصُّه بعيني، وسمعته بأذني، ومع ذلك فهو أروى منـي لما شهدت

وشواهد سعة علم الشعبي وحضور ذهنه غزيرةٌ وفيرة، والحقيقة هناك آية قرآنية تقول:

(يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)

[سورة فاطر: من آية 1]

أحياناً ربنا عزَّ وجل يُري من آياته الدالة على عظمته، فيعطي إنسانًا قوة ذاكرة تفوق حدَّ الخيال، ويعطي إنسانًا آخر أحياناً قوة عضليَّة، يَحمِل لك بها أربعمائة كيلو، وهناك بعض الإخوة يحمل صندوق حديد أربعمائة كيلو، ويصعد به الدرج، وإنسان آخر يقول لك: حملت كيلو تفاح فانتابني ألمُ الظهر..

(يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)

لكن بالمناسبة، إذا افتخر الإنسان بقدرات آتاه الله إيَّاها، وكانت هذه القدرات غير علمية، فأيّ حيوان يفوق بقدراته الإنسانَ، وإذا قال الإنسان: أنا عندي دقة بالبصر، فالصقر يرى ثمانية أضعاف الإنسان، وإذا قال: أنا شمي مرهف، فإنّ بعض الكلاب تشمّ مليون ضعف، فما في صفة ماديَّة في الإنسان – ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل – إلا وفي المخلوقات ما يفوقه في هذه الصفة، إلا أنّ الإنسان ميّزه الله عزَّ وجل بالعلم والعقل.

جليس أمير المؤمنين عبد الملك بن مرون:

ولمَّا آلت الخلافة إلى عبد الملك بن مرون كتب إلى الحجَّاج عامله على العراق:

أن ابعث إليَّ رجلاً يصلح للدين والدنيا، أتخذه نديماً أو جليساً

فبعث إليه بالشعبي فجعله من خاصَّته، وأخذ يفزع إلى علمه في المُعضلات.
والحقيقة أنّ الإنسان إذا وُفِّق أنْ يستشير أولي العلم، فهذه نعمة كبيرة، لكن السؤال مفتاح العلم، ومن استشار الرجال استعار عقولهم.
أنت يمكن أنْ تأخـذ خبرات خمسين سنة متراكمة بسؤال واحد، فعوِّد نفسك أن تستشير، فإنّ الله عزَّ وجل وصف المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وأمر النبي المعصوم الذي يوحى إليه أن يشاور أصحابه، فقال تعالى:

(وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)

[سورة آل عمران: من آية 159]

ولا يوجد إنسان موفَّق إلا يستشير، وأحياناً يكون على الإنسان ضغط، والضغط يعمي ويصم، ولو أنك استشرتَ إنسانًا ليس عليه هذا الضغط لأعطاك الرأي السديد، والرؤية الصحيحة، والفكر الثاقب، والسلوك الحكيم، فعوِّد نفسك أن تستشير، ولو أن الذي تستشيره – فيما يبدو لك – هو دونك، لكنه قد يتفوَّق في هذه النقطة،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار

الاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، والاستخارة لله عزَّ وجل، فعوِّد نفسك أن تستخير الله، وأن تستشير أولي الخبرة من المسلمين، والسؤال مفتاح العلم، وإنك بالاستشارة تستعير عقول الرجال.
فأخذ هذا الخليفة يفزع إلى علمه في المعضلات، ويعوِّل على رأيه في الملمَّات، ويبعثه سفيراً بينه وبيـن الملوك، فقد أرسله مرةً في مهمةٍ إلى جستنيان ملك الروم، فلما وفد عليه، واستمع إليه أُخذ بذكائه، ودهش من دهائه، وأُعجِب بسعة اطلاعه، وقوة بيانه، فاستبقاه عنده أياماً كثيرة على غير عادته مع السفراء، فلما ألحَّ عليه بأن يأذن له بالعودة إلى دمشق
سأله الملك الرومي: أمن أهل بيت الملك أنت؟
قال:

لا، إنما أنا رجلٌ من جملة المسلمين

فلما أذن له بالرحيل قال له: إذا رجعت إلى صاحبك ـ يعني عبد الملك بن مروان ـ وأبلغته جميع ما يريد معرفته، فادفع إليه هذه الرُقعة
أعطاه كتابًا مختومًا.
فلما عاد الشعبي إلى دمشق بادر إلى لقاء عبد الملك، وأفضى إليه بكل ما رآه وسمعه، وأجابه عن جميع ما سأل عنه، ولما نهض لينصرف
قال:

يا أمير المؤمنين إن ملك الروم حمَّلني لك هذه الرُقعة

ودفعها إليه وانصرف، فلما قرأها عبد الملك قال لغلمانه: ردوه عليَّ، فردوه،
فقال له:

أعلمت ما في هذه الرقعة؟

قال:

لا يا أمير المؤمنين

فقال عبد الملك:

لقد كتب إليَّ ملك الروم يقول: عجبت للعرب كيف ملَّكت عليها رجلاً غير هذا الفتى!!

فبادره الشعبي قائلاً:

إنما قال هذا لأنه لم يرك، ولو رآك يا أمير المؤمنين لما قاله

فخلَّص نفسَه بهذه الحيلة،
فقال عبد الملك:

أفتدري لمَ كتب إلي ملك الروم هذا؟

قال له:

لا

قال عبد الملك:

إنما كتب إليَّ بذلك لأنه حسدني عليك، فأراد أن يغريني بقتلك والتخلُّص منك

فبلغ ذلك ملك الروم فقال: ما أردت غير ذلك .
الحقيقة أنّ الإنسان إذا وفَّقه اللهُ فإنه يوفِّقه لاتخاذ أعوان مخلصين، أصحاب فطانة، أذكياء، يحسنون التصرُّف، فأحياناً تكون الآفة من الأعوان، والنبي دعا بالبطانة الصالحة التي تدلُّ على الخير، وتعين عليه، واستعاذ بالله من بطانة السوء التي تدلّ على الشر، وتعين عليه، والإنسان إذا اتّخذ صديقًا، أو اتخذ معينًا، إنْ كان مدير معمل، مدير دائرة، مدير مستشفى، مدير مدرسة، فيتخذ إنسانًا أخلاقه عالية، وذكيًا حصيفًا، وإلا فالمعين السيئ يدمِّره.
لقد بلغ الشعبي في العلم منزلةً جعلته رابع ثلاثةٍ في عصره،
فقد كان الزهري يقول:

العلماء أربعة ؛ سعيد بن المسيِّب في المدينة، وعامر الشعبي في الكوفة، والحسن البصري في البصرة، ومكحولٌ في الشام

تواضعه:

لكن الشعبي كان بتواضعه يخجل إذا ألبَسه أحد لقب العالِم، فقد خاطبه أحدهم قائلاً:

أجبني أيها الفقيه العالِم

قال:

ويحك لا تُطْرِنَا بما ليس فينا، الفقيهُ من تورَّع عن محارم الله، والعالِمُ من خشيَ الله، وأين نحن من ذلك

مرَّة سأله شخص عن مسألة فأجاب، فقال:

قال فيها عمر بن الخطاب كذا، وقال فيها علي بن أبي طالب كذا “، فقال له السائل: “وأنت ماذا تقول يا أبا عمرو؟

ما قولك أنت؟ ـ فابتسم في استحياء،
وقال:

وما تصنع بقولي بعد أن سمعت مقالة عمر وعلي؟!

حلمه:

ولقد جمع الشعبي إلى العلم الحلم، فقد روي أن رجلاً شتمه أقبح الشتم، وأسمعه أقذع الكلام، فلم يزِدْ عن أن قال له:

إن كنت صادقاً فيما تقول فغفر اللهُ لي، وإن كنت غير صادق فغفر اللهُ لك

انتهى الأمر.

الحكمة ضالته:

لم يكن الشعبي على جلالة قدره، وجذالة فضله يأنف أن يأخذ المعرفة، أو يتلقَّى الحكمة مِن أهونِ الناس شأناً، فلقد دَأَبَ أعرابيٌ على حضور مجالسه، غير أنه كان يلوذ بالصمت دائماً،
فقال له الشعبي مرةً:

ألا تتكلَّم؟

قال:

أسكت فأسلم، وأسمع فأعلم، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه، أما حظه من لسانه فيعود على غيره

فظل الشعبي يردِّد كلمة الأعرابي ما امتدَّت به الحياة، والمؤمن الصادق، لا يأنف أن يأخذ الحكمة مِن أي إنسان.

بلاغته:

أوتي الشعبي من بلاغة الكلام، وحسن التصرُّف ما لم يؤتَهُ إلا القلةُ النادرة من الفصحاء، فقد كلَّم مرةً أمير العراقَيْن عمرَ بن هبيرة الفزاري في جماعةٍ حبسهم، فقال:

أيها الأمير إن كنت حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم، وإن كنت حبستهم بالحق فالعفو يسعه

هناك آية قرآنيَّة تحل ألف مشكلة… قال تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)

[سورة النحل: من آية 90]

فإذا لم تتوافق القضيَّة على العدل فإنَّ الإحسان يسعها، وإذا كان معك الحق وأنت منصف، لكن الشخص يحتاج لإحسانك، فلا تبخل به عليه.

عذوبة روحه:

وعلى الرغم من مروءة الشعبي، وعلو منزلته في الدين والعلم، فقد كان عذب الروح، حلو المفاكهة، لا يفوِّت الطُرفة إذا لاحت له، والإنسان..

روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلَّت عميت

[من الجامع الصغير]

دخل عليه رجل وهو جالسٌ مع امرأته
فقال: أيكما الشعبي؟
فقال:

هذه

سأله مرة واحد: مَن تكون زوجة إبليس؟
قال له:

واللهِ هذا عرسٌ ما شهدته

بعض مبادئه:

مرة قال:

والله ما حللتُ حبوتي إلى شيءٍ مما ينظر إليه الناس،
ولا ضربتُ غلاماً لي قط،
وما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دينٌ إلا قضيته عنه.

إخواننا الكرام ؛ الشهيد يغفر له كل ذنب إلا الدين ؛ شهادته، أدى ماله، أدى نفسه، أثمن ما يملك إلا الدَّين،
لأن الله عزَّ وجل يغفر ما كان بينه وبين العبد، لكن ما كان بين العباد فلا بد من الأداء، لأنّ حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة، وحقوق الله مبنيةٌ على المسامحة.

وفاته:

عُمِّر الشعبي حتى نيَّف على الثمانين،
قَالَ

يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ
قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ
قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ
قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ

[من سنن الترمذي]

فلما لبَّى نداء ربه، ونُعِيَ إلى الحسن البصري قال:

يرحمه الله فقد كان واسعَ العلم، عظيمَ الحلم، وإنه من الإسلام بمكان

هذا كلام الحسن البصري عندما نعاه.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – سيرة التابعين الأجلاء – الدرس 11-20 : التابعي عامر بن شراحبيل المعروف بالشعبي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-07-25 | المصدر