جعفر بن أبي طالب ذو الجناجين

hussam سيرة أصحاب النبي

بسم الله الرحمن الرحيم

تجسد الإسلام في حياة الصحابة

أيها الأخوة الأكارم، حديثنا اليوم عن سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
قد أكدت لكم من قبل أن الإنسان من خصائصه أنه يتعلق بالأشخاص أكثر مما يتعلق بالأفكار، لذلك إذا درسنا حياة صحابي جليل ورأيناه وقد تمثلت به القيم الإسلامية فهذه حقيقة مع البرهان عليها، ولأن ترى القيم الإسلامية مجسدةً في شخص جليل أبلغ بكثير من أن تقرأها في كتاب، أو أن تطلع عليها في نشرة أو ما شاكل ذلك.

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)

[سورة الأحزاب الآية: 21]

كيف يكون هذا النبي وأصحابه الكرام أسوة لنا حسنة، إن لم نقف على سيرته، وعلى مواقفه من أصحابه، وإن لم نطّلع على سيرة الأبطال من أصحابه الذين كانوا بحق أبطالاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى؟.

جعفر بن أبي طالب اعتنق الإسلام في وقت مبكر :

فسيدنا جعفر بن أبي طالب، هو أخ لسيدنا علي بن أبي طالب، لكن هذا الصحابي الجليل له قصة وما أروعها من قصة، لقد انضم هذا الصحابي الجليل إلى ركب النور هو وزوجته أسماء بنت عميس منذ أول الطريق.
يعني هذا الذي يُسلم، أو يصطلح مع الله في وقت مبكر، في شبابه، هذا له شأن كبير،

من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة

الذي يشب على طاعة الله شيء، والذي يتعرف إلى الله في وقت متأخر شيء آخر، وكلاً وعد الله الحسنى.
إذا تعرفت إليه وأنت شاب، ما الذي يحصل؟ تُشكل حياتك تشكيلاً إسلامياً، ألصق شيءٍ بحياتك عملك وزوجتك، فإذا كنت مسلماً حقاً، مؤمناً حقاً، تختار الزوجة المؤمنة الصالحة التي تعينك على طاعة الله، وإن كنت مؤمناً مسلماً حقاً، تختار العمل المهني الذي يرضي الله، وإذا عرفت الله في وقت مبكر تنامت هذه المعرفة، وتراكم هذا العلم، وتعمقت تلك التجربة، وكلما ازددت يوماً في عمرك، ازددت قرباً من الله عز وجل.
لذلك لا تنسوا نصيحة رسول الله: اغتنم خمساً قبل خمس، اغتنم شبابك قبل أن تكون صحتك شغلك الشاغل، قبل أن تنتقل من طبيبٍ إلى طبيب، ومن مستشفى إلى مستشفى، ومن تحليل إلى تصوير، إلى خزعة، إلى تحليل، قبل أن تدخل هذه المتاهات، اغتنم صحتك قبل سقمك، اغتنم فراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.
فسيدنا جعفر انضم إلى ركب النور، انضم إلى جماعة المؤمنين، أشرق الهدى في نفسه، تعرّف إلى الله في سن مبكر، لقد أسلم على يدي سيدنا الصديق رضي الله عنه في وقت مبكرٍ جداً قبل أن يدخل النبي عليه الصلاة والسلام دار الأرقم بن الأرقم، وهي أول دارٍ ظهرت فيها الدعوة الإسلامية.

الأذى الذي لحق بجعفر وزوجه من قبل قريش :

أيها الأخوة، لقي الفتى الهاشمي جعفر بن أبي طالب، وزوجه الشابة، من أذى قريش ونكالها ما لقيه المسلمون الأولون، أليس الله قادراً على أن يخلق النبي وأصحابه في عصرٍ ليس فيه كافر واحد؟‍‍‍‍‍‍‍ هل هذا يعجز الله عز وجل؟ لو خلق النبي وأصحابه الكرام الكثر في بلدة وحدهم، فلما جاء بالدعوة آمنوا به جميعاً وأحبوه جميعاً، وانتهى الأمر، لا غزوات، ولا حروب، ولا مناقشات، ولا مؤامرات، ولا إخراج، ولا هجرة إلى المدينة، ولا إلى الحبشة، لا شيء من هذا كله، وأسسوا مجتمعاً إسلامياً، وسعدوا به، ثم انقضت حياتهم، نحن من بعدهم، فكيف نتأسّى بهم فيما لو وجدنا الصعوبات؟ لكن هكذا شاءت حكمة الله:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)

[سورة الأنعام الآية: 112]

وهذه آية ثانية:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً)

[سورة الفرقان الآية: 31]

ليظهر جهاده، ليظهر صدقه، ليظهر ثباته،

والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه

عرضوا عليه أجمل فتاة، عرضوا عليه أن يكون رئيسهم، عرضوا عليه أن يكون أغناهم وأكثرهم مالاً، آثر النبي عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى الله، كيف تتأسّى به؟ كيف تجعله نبراساً لك؟ كيف يكون قدوة لك؟ الجواب: أن تكون حياة النبي وسيرته كما عرفناها.
فاسمعوا هذه الكلمة أيها الأخوة، إن لم يجرِ على النبي ما يجري على البشر لا يكون سيد البشر، يجوع، ويخاف، ويتألم، ويؤلمه الهجاء، ويؤلمه التكذيب، تؤلمه السخرية، يؤلمه خذلان قومه له، إنه بشر كأي بشر، لكنه كان سيد البشر.
كان هذا الصحابي الجليل يعلم أن طريق الجنة مفروش بالأشواك لا بالزهور،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ

[أخرجه مسلم عن أنس بن مالك في الصحيح]

حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات،

ألا إن عمل الجنة حزن بربوة وإن عمل النار سهل بسهوه

من السهولة بمكان أن يسلك الإنسان طريق النار، يكفي أن يسترسل مع شهواته، ومع نزواته، ومع خطراته، ومع رغباته، ومع ميوله للدنيا، يكفي أن يعيش كما يحلو له، أن يأكل ما يشتهي، أن يلتقي بمن يشتهي، أن ينظر إلى ما يشتهي، وانتهى الأمر.
لذلك كان هذا الصحابي الجليل يعلم علم اليقين أن سلعة الله غالية حتى إن سيدنا علي كرم الله وجهه، قال:

طلب الجنة بغير عمل ذنب من الذنوب

وهو استهزاء بالله، أن تطلب الجنة بلا عمل، أن تطلب الجنة بالأماني فهذا استهزاء.
أيها الأخوة، حديث تعرفونه جميعاً، فلو وقفنا على دقائقه، وعلى أبعاده لأصبحت حياتنا حياة أخرى، النبي الكريم وهو الفطن، وهو أول خلق الله، يعرّف الذكاء، قال: الكيس من هو؟ العاقل، من هو؟ ذو العقل الراجح، من هو؟ ذو العقل الكبير، من هو؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

الْكَيـِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ

[أخرجه ابن ماجه في سننه]

الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ

معنى دان؛ يعني ضبط نفسه، ضبط سمعه، ضبط بصره، ضبط لسانه، ضبط ما يدخل في بطنه، ضبط حركة يده، ضبط حركاته وسكناته، ضبط قلبه مما سوى الله، ضبط فكره أن يعمل لغير الله، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
إذا: الجاهل

مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَوَاهَا

دائماً مع هوى نفسه، مع نزواتها، كلام الناس.

هجرته وزوجه إلى الحبشة :

أيها الأخوة، لكن الكفار ضيّقوا على أصحاب النبي، وشددوا عليهم، وأحكموا عليهم الخناق، وقاطعوهم، ونكلوا بهم وعذبوهم، إلى درجة أن حياة المؤمنين في مكة صارت لا تطاق.
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو الحريص على أصحابه، الحريص على سلامتهم، الحريص على راحتهم، أمرهم بالهجرة إلى بلد فيها ملك صالح، فاستأذن سيدنا جعفر بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر مع زوجته، ونفرٌ من الصحابة إلى أرض الحبشة، فأذن لهم وهو حزين.
أؤكد لكم كيف أن أصحاب النبي أحبوا النبي، وهو بادلهم حباً بحب، يعني كان يتمنى عليه الصلاة والسلام أن يبقوا إلى جانبه، لكنها مشيئة الله، نرجو الله أن نكون من هؤلاء، تجد أخاً يرغب في أن يسافر، والمصلحة أن يسافر، يأذن له أبوه أن يسافر، لكن قلبه يتفطر، يتمنى أن يبقى إلى جانبه، هذا الشيء طبيعي بين المؤمنين،

المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون، ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم

مضى ركب المهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة وعلى رأسهم جعفر، منذ أن أسلموا لم يذوقوا طعم الأمن، لكنهم حينما هاجروا إلى هذه الأرض ذاقوا حلاوة الأمن، واستمتعوا بحلاوة العبادة، فليس هناك كفار يستفزونهم، ولا مشركون يضيقون عليهم الخناق.
بالمناسبة وأقول هذا كثيراً: العبد المؤمن يمتحن بالرخاء، ففي الرجاء، يقول: الحمد لله، لأن الصحة طيبة، ومعك مال، لكن الله يمتحن بالصعوبات لا بالرخاء، فإن أخذنا مركبة،في المنحدرات هبوطاً رائعة، لكن صعوداً كيف حالها؟ والله حَميت، والله انقطعت، فالبطولة لا بالهبوط، بل بالصعود، بالرخاء الكل جيدون، لكن بالشدة يتساقط الكثيرون، قال تعالى:

(هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً)

[سورة الأحزاب الآية: 11]

لذلك أروع شيء بحياة المؤمن، حينما يأتيه قضاء يكرهه، فيقول: الحمد لله رب العالمين، النبي علمنا هذا الشيء،

اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني، إلى صديقٍ يتجهمني، أو إلى عدوٍ ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي

دفاع سيدنا جعفر عن الإسلام أمام ملك الحبشة:

الآن قريش حينما علمت أن بعض الصحابة الكرام هاجروا إلى الحبشة، ونجوا من تعذيبها ونكالها، الشيء الذي لا يصدق أن الكافر يحب إيقاع الأذى بالمؤمنين، ولو لم يستفد شيئاً، حباً للأذى، فكبر على قريش أن ينجو هؤلاء الشباب، فأرادت أن تكيد لهم، وأن ترجعهم مقهورين إلى مكة، ولنترك الكلام لأم سلمة رضي الله عنها، تروي لنا الخبر كما عاينته، لأنها كانت إحدى المهاجرات، فإلى رواية أم سلمة لخبر أصحاب رسول الله الذين هاجروا إلى الحبشة، وعلى رأسهم سيدنا جعفر بن أبي طالب.
قالت:

لما نزلنا أرض الحبشة، لقينا فيها خير الجوار، فأمِنّا على ديننا، وعبدنا الله ربنا من غير أن نؤذى، أو نسمع شيئاً نكرهه

يعني بالمناسبة، إذا كان هناك بلد، وبإمكان المسلم أن يصلي، ويصوم، ويحضر مجالس العلم، ويلتقي مع أخوانه، فهذه نعمة كبرى، لا يعرفها إلا من فقدها، هذه نعمة اشكروا الله عليها
وتتابع أم سلمة تقول:

أرسلت إلى النجاشي رجلين جلدين، وانتقت قريش أذكى رجلين، وأقوى رجلين، وأكثرهم دهاءً، هما عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، وبعثت معهما بهدايا كثيرة إلى النجاشي ولبطارقته مما كانوا يستظرفونه من أرض الحجاز، ثم أوصتهما بأن يدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن يكلما ملك الحبشة، حتى إذا أراد ملك الحبشة أن يحكم وأراد أن يستشير البطاركة، يكونون كلهم قد قبضوا الثمن آخذين الهدايا الثمينة

قالت:

فلما قدما الحبشة لقيا بطارقة النجاشي ودفعا إلى كل بطريق هديته، فلم يبقَ أحد منهم إلا أهديا إليه، وقالا له: إنه قد حل في أرض الملك غلمان من سفهائنا

قال تعالى:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)

[سورة البقرة الآية: 11 ـ 15]

إنه قد حل في أرض الملك غلمان من سفهائنا صبؤوا عن دين آبائهم وأجدادهم، وفرقوا كلمة قومهم، فإذا كلمنا الملك في أمرهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، من دون أن يسألهم عن دينهم، فإن أشراف قومهم أبصر بهم، واعلم بما يعتقدون

قالت أم سلمة:

ولم يكن هناك شيء أكره لعمرو وصاحبه من أن يستدعي النجاشي أحداً منا، ويسمع كلامه

يعني كان عمرو بن العاص يتمنى إن يلتقي بالملك، وأن يقنعه، وأن يسلمهم له، من دون أن يسألهم، من دون أن يتصل بهم.
يا أيها الأخوة الكرام، اسمعوا هذه الحقيقة:

الحق لا يخشى البحث، ولا يستحي به، ولا تحتاج أن تكذب له، ولا أن تكذب عليه، ولا أن تبالغ به، ولا أن تقلل من خصومه، الحق حق، والباطل باطل، لذلك إذا كنت على الحق فلا تخشَ أحداً

قال تعالى:

(فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ)

[سورة النمل الآية: 79]

إذا كنت على الحق فلا تخشَ لومة لائم
ثم أتيا النجاشي وقدما إليه الهدايا فاستظرفها،
شيء جميل،
ثم كلماه فقالا: أيها الملك،
والله سبحانه يقول:

(إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً)

[سورة الطارق الآية: 15-16]

(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)

[سورة آل عمران الآية: 54]

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)

[سورة الأنفال الآية: 36]

قالوا أيها الملك: إنه قد آوى إلى مملكتك طائفة من أشرار غلماننا،
انظروا لكلمتهما أشرار:

(قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ)

[سورة يوسف الآية: 77]

قد جاؤوا بدين لا نعرفه لا نحن ولا أنتم، ففارقوا ديننا، ولم يدخلوا في دينكم، وقد بعثَنا إليك أشراف قومهم، من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردهم إليهم، وهم أعلم الناس بما أحدثوا من فتنة عمن كان في مجلس النجاشي، البطاركة، هؤلاء المستشارون، نظر النجاشي إلى بطاركته، فقال البطارقة: صدقا أيها الملك،
لقد فعلت الهدايا فعلها،
فإن قومهم أبصر بهم، وأعلم بما صنعوا، فردهم إليهم ليروا رأيهم فيهم، فغضب النجاشي،
فلماذا غضب النجاشي؟ لأن البطارقة أشاروا عليه أن يطردهم من دون أن يستمع إليهم، الله عز وجل علمنا بالقرآن أن أخطر صفة لمن كان ملكاً، أو أميراً إن أراد العدل أن يتحقق بنفسه، قال تعالى:

(إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)

[سورة النمل الآية: 23 ـ 27]

هذه الصفة يجب أن يتحلى بها كل إنسان وليّ أمر الناس
قالت:

فغضب الملك غضباً شديداً، من كلام بطارقته، وقال: لا والله لا أسلمهم لأحد حتى أدعوهم، وأسألهم عما نسب إليهم، ثم أرسل النجاشي يدعونا إلى لقائه، فاجتمعنا قبل الذهاب إليه، وقال بعضنا لبعض: إن الملك سيسألكم عن دينكم فاصدعوا بما تؤمنون به، الملك نصراني، وليتكلم عنكم جعفر بن أبي طالب

هكذا النظام، رئيس الوفد يتكلم، ولا يتكلم أحد غيره
قالت أم سلمة:

ثم ذهبنا إلى النجاشي فوجدناه قد دعا بطاركته، فجلسوا عن يمينه وعن شماله، وقد لبسوا طيالستهم، واعتمروا قلانسهم، ونشروا كتبهم بين أيديهم، فلما استقر بنا المجلس، التفت إلينا النجاشي وقد توجه إلينا، وقال: ما هذا الدين الذي استحدثتموه لأنفسكم، وفارقتم بسببه دين قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أي من هذه الملل؟ تقدم منه جعفر بن أبي طالب، وقال أيها الملك:

كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف،
وبقينا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه،
فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان،
وقد أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، وحقن الدماء،
ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات،
وأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئاً، وأن نقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان،
فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فأحللنا ما أحل لنا، وحرمنا ما حرم علينا،
فما كان من قومنا أيها الملك، إلا أن عَدَوا علينا، فعذبونا أشد العذاب ليفتنونا عن ديننا، ويردونا إلى عبادة الأوثان،
فلما ظلمونا، وقهرونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا،خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك

ما هذه البلاغة؟ هذا توفيق الله عز وجل، إذا كان الله معك فمن عليك.
قالت أم سلمة:

فالتفت النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب، وقال له: هل معك شيءٌ مما جاء به نبيكم عن الله، قال: نعم، قال: فاقرأه عليّ، فقرأ، وقد انتقى له سورة مريم:

(كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً)

[سورة مريم الآية: 1 ـ 6]

حتى أتم صدراً من السورة.
قالت أم سلمة:

فبكى النجاشي، حتى اخضلت لحيته بالدموع، وبكى أساقفته حتى بللوا كتبهم، لِما سمعوا من كلام الله، وهنا قال لنا النجاشي: إن هذا الذي جاء به نبيكم، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، هذا هو الحق، ثم التفت إلى عمرو وصاحبه، وقال لهما: انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما

قالت أم سلمة:

فلما خرجنا من عند النجاشي، توعدنا عمرو بن العاص، وقال لصاحبه: والله لآتين الملك غداً، ولأذكرن له من أمرهم ما يملأ صدره غيظاً منهم، ويشحن فؤاده كرهاً لهم، ولأحملنّه على أن يستأصلهم من جذورهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل يا عمرو، فإنهم من ذوي قرابتنا، وإن كانوا قد خالفونا

فكان الثاني ألطف من صاحبه،
فقال له عمرو:

دع عنك هذا، والله لأخبرنه بما يزلزل أقدامهم، والله لأقولن له، يا أيها الملك، إنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد من عباد الله وليس ابن الله

هذه تقرب أجلهم، هكذا رأيه.
فلما كان الغد دخل عمرو على النجاشي، وقال له

أيها الملك إن هؤلاء الذين آويتهم وحميتهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً: فأرسل إليهم وسلهم عما يقولون فيه

قالت أم سلمة:

فلما عرفنا ذلك نزل بنا الهم والغم، ما لم نتعرض لمثله قط، وقال بعضنا لبعض: ماذا نقول في عيسى بن مريم، إذا سألكم عنه الملك؟ فقلنا؛ والله لا نقول فيه إلا كما قال الله عز وجل، ولا نخرج في أمره قيد أنملة، عما جاء به نبينا، وليكن بسبب ذلك ما يكون

هكذا المؤمن، يكون دائماً صادقاً مع الله سبحانه، ويتقيد بأمره، وقوله:

(قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى)

[سورة طه الآية: 71]

هذا ما قاله فرعون للسحرة، فاسمعوا الجواب:

(قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)

[سورة طه الآية: 72 ـ 73]

ثم اتفقنا على أن يتولى الكلام عنا جعفر بن أبي طالب أيضاً، فلما دعانا النجاشي دخلنا عليه فوجدنا عنده بطاركته على الهيئة التي رأيناهم عليها من قبل، ووجدنا عنده عمرو بن العاص وصاحبه، فلما صرنا بين يديه بادرنا بقوله: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب:

إنما نقول فيه ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم

قال النجاشي: ما الذي يقول فيه نبيكم؟
فأجاب جعفر، يقول عنه:

إنه عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول

فما إن سَمِع النجاشي قول جعفر حتى ضرب بيده الأرض، وقال: والله ما خرج عيسى بن مريم عما جاء به نبيكم مقدار شعرة، هذا هو الحق، عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فتناخرت البطاركة من حول النجاشي،
تناخرت معناها، أخرجوا أصوات من أنوفهم،
فقال النجاشي: وإن نخرتم، هذا الذي قالوا عنه هو الحق ثم التفت، وقال: اذهبوا فأنتم آمنون في أرضي، من سبكم غرم، ومن تعرض لكم عوقب، ثم نظر إلى عمرو وصاحبه، وقال: ردوا على هذين الرجلين هداياهم فلا حاجة لي بهما.
أرادوا أن يستأصلهم من جذورهم، لكن لم يستطيعوا، كن مع الله تَرَى الله معك، واترك الكل وحاذر طمعك، وإذا أعطاك من يمنعه، ثم من يعطي إذا ما منعك، إنما أنت له عبد
قالت أم سلمة:

فخرج عمرو وصاحبه مكسورين، مقهورين، يجران أذيال الخيبة، أما نحن فقد أقمنا عند النجاشي بخيرِ دارٍ مع أكرم جار

أيها الأخوة، كن مع الحق ولا تبالِ، قال له يا غلام:

لو أن الأمة اجتمعت على إن ينفعوك بشيء لم ينفوك بشيء إلا قد كتب الله لك، ولو أن الأمة اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتب الله عليك

الفرح الذي غمر فؤاد النبي حينما قدم جعفر من الحبشة :

وفي السنة السابعة للهجرة غادر سيدنا جعفر مع نفر من المسلمين بلاد الحبشة متجهين إلى يثرب فلما بلغوها كان عليه الصلاة والسلام عائداً من خيبر بعد أن فتحها الله له، ففرح بلقاء جعفر فرحاً شديداً، حتى قال:

والله ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر

هكذا علاقة المؤمنين، علاقة الحب، علاقة الشوق، علاقة الوفاء، علاقة المؤاثرة، والمسلمون فرحوا كما فرح النبي عليه الصلاة والسلام.
كان سيدنا جعفر شديد الحدب على الضعفاء والمساكين، كثير البر بهم، حتى إنه كان يلقب بأبي المساكين، أخبر عنه أبو هريرة، فقال:

كان خير الناس لنا معشر المساكين، فقد كان يمضي بنا إلى بيته فيطعمنا، حتى إذا نفد طعامه أخرج لنا العكة التي يوضع فيها السمن، وليس فيها شيء فنشقها، ونلعق ما علق بداخلها

قصة استشهاده:

في أول السنة الثامنة للهجرة جهز النبي صلوات الله عليه جيشاً لمنازلة الروم في بلاد الشام، وأمر على هذا الجيش زيد بن حارثة، وقال: إذا قتل زيد أو أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر أو أصيب فالأمير عبد الله بن رواحه، فإن قتل عبد الله بن رواحه أو أصيب فليختر المسلمون لأنفسهم أميراً.
فلما وصل المسلمون إلى مؤتة، وهي قرية واقعة على مشارف الشام في الأردن، وجدوا أن الروم قد أعدوا لهم مئة ألف تظاهرهم مئة ألف أخرى، من نصارى العرب، من قبائل لخم وجذام وقضاعة، أما جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف، وما إن التقى الجمعان ودارت رحى الحرب حتى خر زيد بن حارثة صريعاً مقبلاً غير مدبر، فما كان إلا أن أسرع جعفر بن أبي طالب وترجل عن ظهر فرسه، كانت له شقراء وثب عنها، وبدأ يقاتل الجيش مشياً على قدميه، وحمل الراية، وأوغل بها في صفوف الروم،
وظل يجول في صفوف الأعداء بسيفه، ويصول حتى أصابته ضربة قطعت يمينه، فأخذ الراية يمينه، فأمسك الراية بشماله، فما لبث أن قطعت شماله، فأخذ الراية بصدره وعضديه، فما لبث أن أصابته ثالثة، فأخذ الراية منه عبد الله بن رواحه فما زال يقاتل بها حتى لحق بصاحبيه.

كيف تلقى النبي نبأ استشهاد جعفر ومن معه وماذا صنع ؟

بلغ النبي عليه الصلاة والسلام مصرع القواد الثلاثة، فحزن عليهم أشد الحزن، وانطلق إلى بيت ابن عمه جعفر، من شدة حزن النبي أراد أن يبلغهم هو بنفسه هذا النبأ المحزن، ليكون وقعه عليهم خفيفاً، انطلق إلى بيت جعفر فألفى زوجته أسماء تتأهب لاستقبال زوجها الغائب، فهي قد عجنت عجينها، وغسّلت بنيها، ودهنتهم، وألبستهم.
قالت أسماء:

فلما أقبل علينا النبي عليه الصلاة والسلام، رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم، كثرتْ المخاوف في نفسي، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر، مخافة أن أسمع منه ما أكره، فحيا وقال: ائتني بأولاد جعفر، فدعوتهم له، فهبوا نحوه فرحين مزغردين وأخذوا يتزاحمون عليه كلٌ يريد أن يستأثر به فأكب عليهم

أيها الأخوة، من يحب شخصاً يحب أولاده، هذه قاعدة صحيحة، فمحبة الآباء تورث محبة الأبناء
أقبل نحوهم، وتشممهم، وعيناه تذرفان من الدمع، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء، قال: نعم، وألقى الكلمة الفاجعة، لقد استشهدوا هذا اليوم، عندئذ غاضت البسمة من وجوه الصغار، لما سمعوا أمهم تبكي، وجمدوا في أمكنتهم، وكأن على رؤوسهم الطير، أما النبي عليه الصلاة والسلام فمضى وهو يكفكف عبراته، ويقول:

اللهم اخلف جعفراً في ولده، اللهم اخلف جعفراً في أهله، ثم قال: لقد رأيت جعفراً في الجنة له جناحان مضرجان بالدماء، وهو مصبوغ القوادم إنها مرتبة عالية عند الله، إنها الشهادة

والله أهم ما في الدنيا طاعة الله، وما فيها شيء أفضل من القرب من الله عز وجل، ما لها وزن إلا أن تكون عند الله مرضياً، فإذا رضي الله عنك لا تسأل عن الدنيا،

ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – رجال حول الرسول – الدرس (16-50) : سيدنا جعفر بن أبي طالب
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-01-25 | المصدر