سيدنا ثابت بن قيس الأنصاري الناطق الرسمي.

hussam سيرة أصحاب النبي

بسم الله الرحمن الرحيم

سيدنا ثابت بن قيس الأنصاري الناطق رسمي للنبي:

أيها الأخوة المؤمنون، مع سير صحابة رسول الله، وصحابي اليوم سيدنا ثابت بن قيس الأنصاري.
لحكمةٍ بالغة اختار اللهُ سبحانه وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، هم قِمَمٌ في البطولة، لكن البطولات منوَّعة، وهذا الصحابي الجليل كان الناطق الرسمي باسم النبي عليه الصلاة والسلام، كان خطيبه، أي آتاه الله قدرةً بيانية،فكلما كانت تأتيه الوفود، ويتبارون أمامه بشِعرهم وخطاباتهم، يدعو النبيُّ الكريمُ سيدَنا ثابت بن قيس ليقف خطيباً ينطق باسم النبي عليه الصلاة والسلام.
ولا أزال أعيد وأكرر، إنّ كل الحظوظ التي يمكن أن يؤتيك الله إياها، ابتداءً من وسامتك، ومن طول قامتك، ومن نصاعة لونك، ومن رجاحة عقلك، ومن طلاقة لسانك، ومن كثرة مالك، ومن أي حظٍ يؤتيك الله إياه، هذه الحظوظ، إما أنها درجاتٌ ترقى بها إلى أعلى علِّيِّين، وإما أنها دركاتٌ تهوي بها إلى أسفل سافلين.

إسلام سيدنا ثابت بن قيس الأنصاري:

أيها الأخوة، ثابت بن قيس الأنصاري، سيدٌ من سادات الخزرج المرموقين، ووجهٌ من وجوه يثرب المعدودين، وكان إلى ذلك ذكيَّ الفؤاد، حاضر البديهة، رائع البيان، جهير الصوت، إذا نطق بزَّ القائلين.
بالمناسبة، على كل مؤمن أنْ يعلم أنه سفير هذا الدين، فعلى مستوى سفراء يعمل، فهل لاحظت ذات مرة أن سفيراً اشترى ثوبًا من سوق الألبسة المستعمَلة؟ في اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات، تجد أناقة كاملة مئة بالمئة، لماذا؟ هل يمثِّل شخصه؟ لا، فهو يمثِّل دولته، السفير في الأساس سيارته التي يركبها عليها علم، ما معنى ذلك؟ أن في داخلها السفير، ولماذا ذكرت هذه الكلمة؟ لأنّ كل مؤمنٍ في الحقيقة سفير هذا الدين، فمظهرك الخارجي مهم جداً، وأنت كمسلم هل تليق الفوضى بدكانك، يعلوها غبار واضطراب وقذارة؟ هذا لا يجوز، أنت تمثِّل هذا الدين، مكتبك، دكانك، سبُّورتك، خطَّك، أُضيف إلى ذلك: أن تحسين الخط من الدين، بعض الأطباء لا تفهم من خطه شيئًا، قال عليه الصلاة والسلام:

أنت على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يؤتَيَنَّ من قِبلك

فهذا سيدنا ثابت، أحد السابقين إلى الإسلام في يثرب، إذ ما كاد يستمع إلى آيات القرآن يرتِّلُها الداعية المكِّي الشاب مصعب بن عمير، بصوته الشجي، وجرْسه الندي، حتى أَسَرَ القرآنُ سمعَه بحلاوة وقعه.
فإذا أكرمكم الله، وتعلَّمتم التجويد، يمكنك أنْ تقرأ وترتل، فهو أجمل على قلبك، فالإنسان أحياناً يطرب لنفسه، فأجمل ساعات حياته يمضيها وهو يرتِّل القرآن ترتيلا، فقد كان بعض أصحاب النبي إذا تلا كتاب الله بكى،
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أقرأ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ، قَالَ: نَعَـمْ، فَقـَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ

(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيـدًا)

قـَالَ: حَسْبُكَ الْآنَ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ

[متفق عليه، أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسعود]

فأحد أكبر مصدر للسعادة أن تتقن قراءة القرآن.
كان هذا سبب إسلامه أنه استمع إلى صوت سيدنا مصعب بن عمير يتلو القرآن الكريم بصوتٍ شجيّ، القرآن له سحر، القرآن له أسْرٌ، قال تعالى:

(وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)

[سورة الأنفال الآية: 2]

هذا كلام الله عزَّ وجل، فأنا أكاد أقول: ما من ساعةٍ أمتع في حياة المؤمن، من ساعةٍ يقرأ فيها كتاب الله، أو يستمع إلى كتاب الله من صوتٍ شجيِّ، فيتفاعل، طبعاً إذا كان مستقيمًا، ومصطلحًا مع الله، وتائبًا، ومنيبًا، فالقرآن يحرِّك أعمق مشاعره.

استقباله النبي عند الهجرة:

أيها الأخوة، لمَّا قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة مهاجراً استقبله ثابت بن قيس في كوكبةٍ كبيرة من فرسان قومه أكرمَ استقبال، ورحَّب به وبصاحبه الصديق أجملَ ترحيب
ألا تلاحظون هذا الأدب الرفيع الذي يتخلَّق به أصحاب رسول الله؟.
سيدنا زيد الخير، ما مضى على إسلامه إلا دقائق، حتى دفع النبيُّ له وسادةً ليتَّكئ عليها، فقال زيد:

والله يا رسول الله! ما كان لي أن أتكئ في حضرتك

خطب زيد بن ثابت بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام خطبةً بليغةً، افتتحها بحمـد الله عزَّ وجـل، والثناء عليـه، والصلاة والسلام على نبيِّه، واختتمها بقوله:

وإنا نُعاهدك يا رسول الله، على أن نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، وأولادنا، ونساءنا، فما لنا لقاء ذلك؟

فقال عليه الصلاة والسلام:

الجنَّة

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)

[سورة التوبة الآية: 111]

فما كادت كلمة الجنَّة تصافح آذان القوم، حتَّى أشرقت وجوههُم بالفرحة، وزَهتْ قسماتهم بالبهجة،
وقالوا:

رضينا يا رسول الله، رضينا يا رسول الله

منذ ذلك اليوم، جعل النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بن قيس خطيبه، كما كان حسَّان بن ثابت شاعره.
كان له شاعر، وكان له خطيب، فقد كان في الجاهلية قبل الإسلام أعلى منصب رئيس القبيلة، ويليه الشاعر، كمنصب رفيع جداً، فالشاعر وقتها كان وزير إعلام، ينطق باسم القبيلة، يثني عليها، ويردُّ على خصومها، ويهاجم أعداءها، هكذا كان الشعر.
فصار إذا جاءت النبي وفود العرب لتفاخره، أو تناظره بألسنةٍ فصيحةٍ، ندب النبي لهم ثابت بن قيس، لمصاولة الخطباء، وحسَّان بن ثابت، لمفاخرة الشعراء، وأشرف عمل أن تكون في خدمة الحق، وأعظم عمل أن توظِّف اختصاصك في الحق، وتقول: أنا أختصّ في هذا العمل، فهل لكم حاجة بعملي؟.
اليوم التقيتُ مع طبيب، قلت له: جزاك الله خيراً، وهذا الطبيب منذ خمس أو ست سنوات اتصل بي، وقال: أي أخ يحب أن يجري عملية، أنا أجريها له مجَّاناً، جزاه الله خيرا، فبعثنا له أول شخص، والعملية تمَّت بنجاح، فلمَّا رأيته واللهِ أكبرته، فقد سخَّر علمه واختصاصه في خدمة الحق، فهو جرَّاح ماهر، وإذا كان الإنسان المؤمن وكل مَن له اختصاص، هذا بالطب، وهذا بالمحاماة، وهذا بالقضاء، فإذا كان الشخصُ محاميًا، وأعطى استشارة قانونية لإنسان فقير، وكتب له عقدًا، فهل يكون خاسرًا بهذا العمل؟ هذا العقد وحده الرابح، والباقي كلُّه خسارة، إذا كنتَ طبيبًا، أو موظَّفًا فساعِدْ ولو مواطنًا من دون أجر، وإذا كنتِ بائعًا فأعطِ شيء من إمكاناتك، ومن بضاعتك للفقراء المحتاجين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، سيدنا ثابت وظَّف اختصاصه، وطلاقة لسانه، وخطابته في سبيل الحق.

بشارته من رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وقد كان ثابت بن قيس، مؤمناً عميق الإيمان، تقياً صادقّ التقوى، شديد الخشية من ربه، عظيم الحذر من كلِّ ما يغضب الله عزَّ وجل، لقد رآه النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ذات يومٍ هلعاً، جزعاً، ترتعدُّ فرائصه، خوفاً وخشيةً،
فقال:

ما بِك يا أبا محمد؟

قال:

أخشى أن أكون قد هلكتُّ يا رسول الله

قال:

ولمَ؟

قال:

لقد نهانا الله جلَّ وعز عن محبَّةِ أن نُحْمَدَ لِمَا لم نفعله، وأجدني أحبُّ الحمد، ونهانا عن الخُيلاء، وأجدني أحبُّ الزهو

فما زال النّبي عليه الصلاة والسلام يهدئ من روعه، حتى قال:

يا ثابت، ألا ترضى أن تعيش حميداً، وأن تقتل شهيداً، وأن تدخل الجنة؟

فأشرق وجه سيدنا ثابت بهذه البشرى، وقال:

بلى يا رسول الله، بلى يا رسول الله

فقال عليه الصلاة والسلام:

إنَّ لكَّ ذلك

لمّا نزل قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)

[سورة الحجرات الآية: 2]

تجنَّب ثابت بن قيس، مجالس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، على الرغم من شدَّة حبّه له، وفرط تعلّقه به، ولزم بيته، حتى لا يكاد يبرحه إلا لأداء المكتوبة، فافتقده النبي صلّى الله عليه وسلّم،
وهذا من السنة، فعلى المسلم أنْ يتفقد أخوانه، ويسأل عنهم.
فافتقده النبي صلوات الله عليه، وقال:

من يأتيني بخبره؟

فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، وذهب إليه، فوجده في منزله محزوناً منكساً،
قال: ما شأنك يا أبا محمد؟
قال: شرّ،
قال: وما ذاك؟
قال: إنّك تعرف أني رجل جهير الصوت، وأنَّ صوتي كثيراً ما كان يعلو صوت النبي، وقد نزل من القرآن ما تعلم، وما أحسبني إلا أنني قد حبط عملي، وأنني من أهل النّار.
الآن تجد الشخص يرتكب الكبائر، وهو مطمئن، لكن ثابت بن قيس لأنّ صوته أعلى من صوت النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يعُد قادرًا على النوم، خاف، ما هذه القصة؟ الصحابة كأنهم ليسوا من بني البشر، وكأنهم فوق البشر، أقول لكم: بعضُ الناس يرتكب الكبائر، ويقول: لا تدقق، أهذه معصية؟ أهذا حرام؟ أهذا ربا؟ أهذا زنا؟ أهذا فسق؟ فهو في غفلة، بل في ضياع، فعلامة المنافق أنّ الذنب عنده كالذبابة، وعلامة المؤمن أنّ الذنب عنده كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدره، يكاد يقع عليه، فكلَّما عَظُمَ عندك الذنب، كنت أرقى عند الله، وكلّما صَغُرَ لديك الذنب، كنت أقلَّ عند الله-.
فرجع هذا الرجل إلى النّبي عليه الصلاة والسلام، وأخبره بما رأى، وبما سمع،
فقال:

اذهبْ إليه، وقل له: لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة

فكانت هذه بشارةً عظمى لثابتٍ، وظلَّ يرجو خيرها طوال حياته، لقد كان صوته جهوريًّا، فكان إذا خطب يعلو صوتُه صوتَ رسول الله، بسببِ الخطابة، فالخطيب يحتاج الخطابة إلى صوت جهير، ونبرات حادَّة، وتلوين بالصوت.

قصة استشهاده :

شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المشاهد كلَّها، سوى بدر، وأقحم نفسه في غِمار المعارك، طلباً للشهادة، التي بشَّره النبي بها، فكان يُخْطِئها في كلِّ مرة، وهي قاب قوسين منه أو أدنى، إلى أن وقعت حروب الردة بين المسلمين ومسيلمة الكذَّاب، على عهد الصديق رضي الله عنه.
لقد كان ثابت بن قيس أميراً لجند الأنصار، وسالمٌ مولى أبي حذيفة، أميراً لجند المهاجرين، وخالد بن الوليد قائداً للجيش كلِّه، أنصاره ومهاجريه، ومن فيه من أبناء البوادي، ولقد كانت الغلبَةُ في جُلِّ الجولاتِ لمسيلمة الكذاب، ولرجاله على جيش المسلمين، حتى بلغ بهم الأمر أنْ اقتحموا فسطاط خالد بن الوليد، وهمُّوا بقتل زوجته، وقطعوا حبال الفسطاط، ومزَّقوه شرَّ ممزَّق، والفسطاط الخيمة، فرأى ثابت بن قيس يوم ذاك، مِن تضعضعِ المسلمين، ما شحن قلبه أسىً وكمداً، وسمع من تنابذهم، ما ملأ صدره هماً وغماً، فأبناء المدن، يرمون أهلَّ البوادي، وأهل البوادي يصفون أبناء المدن، بأنهم لا يحسنون القتال، ولا يدرون ما الحرب؟.
عند ذلك تحنط ثابتٌ وتكفن، ووقف على رؤوس الأشهاد، وقال:

يا معشر المسلمين، ما هكذا كنّا نقاتل مع رسول الله صلّى الله عله وسلّم، بئس ما عوَّدتم أعداءكم من الجراءة عليكم، وبئس ما عوَّدتم أنفسكم من الانخذال لهم، ثمَّ رفع طرفه إلى السماء، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك، -أي مسيلمة وقومه- وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء، – أي المسلمين- ثمَّ هبَّ هبة الأسد الضاري، كتفاً لكتف، مع الغُر الميامين، وهم البراء بن مالك الأنصاري، وزيد بن الخطاب، أخ سيدنا عمر بن الخطاب، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وغيرهم، وغيرهم من المؤمنين السابقين، وأبلى بلاءً عظيماً، ملأ قلوب المسلمين حميةً وعزماً، وشحن أفئدة المشركين وهناً ورعباً، وما زال يجالد في كلِّ اتجاهٍ، ويضارب بكلِّ سلاحٍ، حتى أثخنته الجراح، فخرَّ صريعاً على أرض المعركة، قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشَّره به حبيبُه النّبي عليه الصلاة والسلام، مثلوج الصدر، بما حقق الله على يديه للمسلمين من النصر

وهناك بعض الأحاديث تصف حال الشهيد: لا يحسُّ بألـم الجراح إطلاقاً، وأنَّ الله يطلعه على مقامه في الجنة، في أثناء استشهاده، وأنه تفوحُّ من دمائه رائحة المسك، هذا شيء ثابت، وأعظم مقامٍ يناله الإنسان، أن يموت واللهُ راضٍ عنه.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – رجال حول الرسول – الدرس (41-50) : سيدنا ثابت بن قيس الأنصاري
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-08-02 | المصدر