الإسراء والمعراج

hussam سيرة النبي

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، وهو الإسراء والمعراج، ولقد بينت لكم فيما سبق أن كل محنة تصيب المؤمن وراءها منحة من الله عز وجل، وأن كل شِدّة تقع بالمؤمن وراءها شَدّة إلى الله عز وجل، فالشر المطلق في الكون لا وجود له، بل إن وجود الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، لكن هناك شر نسبي موظف للخير المطلق.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)

[سورة السجدة الآية: 21]

الإسراء والمعراج حادثة ليست وفق قوانين الأرض:

أيها الإخوة، ذهاب النبي إلى الطائف، وتكذيب أهل الطائف، وسخرية أهل الطائف، وإيذاء أهل الطائف كلها محنة جاء وراءها هذه المنحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد الخلق جميعاً، وسيد ولد آدم، وسيد الأنبياء والمرسلين، وجاءت هذه المنحة فضلاً عن أنها جاءت بعد الطائف جاءت بعد موت زوجته الحبيبة خديجة، وكانت هذه الزوجة هي الزوجة المثالية التي أثنى الله عليها في نصوص كثيرة، وكانت هذه الزوجة أكبر سند لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الداخل، وحينما فتح النبي مكة المكرمة قال:

انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة

ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر هي شريكته في النصر، وهذا يؤكد أن المرأة في الإسلام مكرمة أعظم التكريم، مشرفة أعظم التشريف، ومسؤولة أعظم المسؤولية.
الإسراء أيها الإخوة معجزة، والدليل:
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)

[سورة الإسراء الآية: 1]

فكلمة سُبْحَانَ في مطلع الآية تعني أن هذه الحادثة ليست وفق قوانين الأرض، في الأرض هناك مكان، وزمان، ومسافات، وسرعات، وإمكانات.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)

[سورة القمر]

لكن إذا قال الله عز وجل: ﴿ سُبْحَانَ ﴾، أي هذه الحادثة ليست وفق قوانين الأرض، بل هي وفق القدرة المطلقة لله عز وجل.

السبب و النتيجة وقانون الله:

أيها الإخوة، هذا ينقلنا إلى أن ربنا جل جلاله جعل لكل نتيجة سبباً، بل جعل الكون وفق نظام السببية، ونظام السببية يعني أن الأسباب تأتي قبل النتائج، وعقل الإنسان لا يفهم شيئاً من دون سبب، ولكن لئلا يتوهم الإنسان أن السبب خالق النتيجة فأحياناً تعطَّل الأسباب، وأحياناً تُلغى.
سيدنا آدم جاء من دون أب ولا أم، ألغي سبب الولادة، وأحياناً يعطل السبب، فيلغى، فيأتي آدم عليه السلام من دون أب ولا أم، وأحياناً يلغى، تجد شاباً وشابة متزوجين ولا ينجبان، حينما تخرق هذه القواعد، وتلك القوانين لكي يعلم الإنسان أن السبب لا يخلق النتيجة، ولكن السبب يأتي قبل النتيجة، لكن الذي يخلق النتيجة هو الله جل جلاله، وهذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
لذلك أيها الإخوة، بعض الناس ألّه السبب، وعبده من دون الله، فوقع في الشرك ، والبعض الآخر لم يأخذ بالأسباب، فعصى، وكلاهما على خطأ، والصواب أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، هذه بطولة، الحالات المتطرفة سهلة، أن تكون قاسياً سهل جداً، وأن تكون ليناً أسهل، لكن البطولة أن تجمع بين القسوة واللين، فهذا الذي أمامك يحار، يحبك ويخاف منك، المواقف المتوازنة صعب جداً.
لذلك أن تأخذ بالأسباب، وتعتمد عليها اعتماداً كلياً شيء سهل، وهذا تفوق فيه البعض، وألا تأخذ بالأسباب هذا أيضاً شيء سهل، وهذا تواكل، لكن أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، وأن تتكل على الله، وكأنها ليست بشيء، هذا الموقف الكامل للمؤمن، يدرس ويفتقر في دعائه إلى الله، يراجع مركبته قبل أن يسافر، ويقول: يا رب، أنت الحافظ، يأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ويتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء.

المعجزات:

أيها الإخوة، الآن هناك سؤال: لماذا كانت المعجزات ؟ لأن الله سبحانه وتعالى كل هذا الكون يشهد بكماله، وحكمته، ورحمته، وقدرته، وعلمه، ورأفته، وكمال الخلق يدل على كمال التصرف، لا بد من أن يرسل أنبياء ورسلاً لخلقه، والأنبياء معهم منهج الله، هناك أشياء مسموح أن تفعلها، وهناك أشياء ممنوع أن تفعلها، لذلك مع النبي منهج، وهذا المنهج يحد من حرية الإنسان، فردُّ الفعل الطبيعي التكذيب:
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً)

[سورة الرعد الآية: 43]

فلابد من أن يشهد الله بأنبيائه ورسله أن هؤلاء هم رسل الله عز وجل، من هنا كانت المعجزة، فالإسراء والمعراج أمرٌ غير مألوف عادة، ولكنه مقبول عقلاً، لأن:
قال تعالى:

(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

[سورة الحشر]

وقال أيضاً:

(إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)

[سورة النحل]

لكن بحسب قوانين الأرض هو غير مألوف، غير مألوف أن ينطلق النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ثم يعرج إلى السماء، ويعود، ولا يزال فراشه ساخناً، هذا غير مألوف،
لذلك قال تعالى:

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)

[سورة الإسراء]

لذلك إذا اعتمد الإنسان على عقله فقط، ولم يعتمد على وحي السماء فقد لا يصدق المعجزات، لكن يجب أن نعلم جميعاً أن هذا العقل الذي أودعه الله في الإنسان هو كهذه العين تماماً، لا قيمة لها من دون ضوء يتوسط بينها وبين المرئي، وكذلك العقل لا قيمة له من دون وحي يستنير به، فحاجة العين إلى الضوء كحاجة العقل إلى الوحي، أو حاجة العقل إلى الوحي كحاجة العين إلى الضوء.
إذاً المعجزات مهمتها أن تعتقد أن النتيجة لا يخلقها السبب، ولكن السبب يرافق النتيجة، والذي يخلق النتائج هو الله، لذلك
قال علماء العقيدة:

عندها لا بها

يعني عند إرادة الله أن يفعل هذا الدواء فعله، لا أن الدواء وحده يفعل فعله.

لماذا حادثة الإسراء والمعراج؟

شيء آخر، لماذا عانى النبي صلى الله عليه وسلم ما عان قبل الإسراء والمعراج ؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قدوة لنا، قدوة في السراء وفي الضراء، قدوة في تصديق الناس، وفي تكذيبهم، هم كذبوه، ثم صدقوه، كان فقيراً، وكان غنياً، أصابه المرض، مات بعض أبنائه، لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر.
أيها الإخوة، وقعت حادثة الإسراء والمعراج بعد هذه الغمر من المآسي والأحزان، والحزن خلاّق، والحزن يصنع الرجال، وهؤلاء الذين ربوا في النعيم، وألفوا النعيم، هؤلاء لا يملكون مقاومة للشدائد إطلاقاً، وإن ملكوا مقاومة فمقاومتهم هشة، لا تصمد لا أمام ضغوط الحياة، ولا أمام إغراءاتها، لكن الله سبحانه وتعالى يربي عباده المؤمنين، فالسراء ضروري، والضراء ضروري، والله عز وجل يذيقنا من رحمته، ويمتحننا أحياناً، فلذلك بعد هذه الغمرة من المآسي والأحزان والشدائد المتلاحقة كان ذلك تسلية لنفس النبي صلى الله عليه وسلم، ومواساة له، وتكريماً، وتشريفاً، تماماً أيها الإخوة كيف أن الإنسان يمشي في الصحراء، والصحراء حارة، والسير فيها شاق، لكن بعد حين يصل إلى واحة، والواحة ظل نخلة، وغدير ماء، فيستريح، ومن سياسة الله جل جلاله مع عباده المؤمنين أنه تأتيهم بعد الشدائد واحات يستريحون فيها.
أحيانا يتجلى الله عز وجل عليك بالسرور، يكون فيك تعب سابق، وهموم، وضغوط، وامتحانات، وابتلاءات، لأن الله رب العالمين، وهو الحكيم، وهو الذي يحب عباده، فيريحهم أحياناً، هذه واحات في طريق الصحراء.

ماهو الإسراء وماهو المعراج؟

أيها الإخوة، إن الإسراء والمعراج حادثتان متلازمتان ومترادفتان، وهما ثابتان في نص القرآن الكريم، الإسراء والمعراج، الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، والمعراج من بيت المقدس إلى سدرة المنتهى، وقد وردت هاتان الحادثتان فضلاً عن أنها وردت في بعض آيات القرآن الكريم، وردت أيضاً في السنة النبوية، فلقد نص الكتاب العزيز على أن معجزة الإسراء قد تمت ليلاً حين تم انتقال النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في القدس الشريف بأرض فلسطين، والآية التي تلوتها عليكم مرات عديدة:

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)

[سورة الإسراء]

أما المعراج فهو انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلا، وتجواله في ملكوت الله تعالى.

(لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)

[سورة النجم]

أكبر كلمة تدل على الله آياتُه، وآيات الله عز وجل قد تكون كونية، وهي خَلقه، وقد تكون قرآنية، وهي كلامه، وقد تكون تكوينية، وهي أفعاله

إذاً المعراج انتقال النبي صلى الله عليه وسلم وتجواله في السماوات وفي ملكوت الله تعالى في رحلة تجاوز حدود التصور المادي، وتصل إلى حدود الإعجاز الإلهي.

ما الفرق بين المعجزة والإعجاز العلمي؟

سألني أخ كريم: هل هناك فرق بين الإعجاز العلمي وبين المعجزة ؟ الفرق كبير جداً.
المعجزة أيها الإخوة خرق لنواميس الكون، أنت إنسان، وانتقالك من مكان إلى يكون مكان بحسب سرعتك، والسرعة القصوى التي صنعها الإنسان الطائرة، ألف كيلومتر في الساعة، والمركبة الأرضية مئة كيلومتر في الساعة، مركبات الفضاء 60 ألف كيلومتر في الساعة، هذه السرعة القصوى.
ضربت مثلا: أقرب نجم ملتهب إلى الأرض بُعْده عنا أربع سنوات ضوئية، كم يبعد بالكيلومتر ؟ الضوء يقطع في الثانية 300 ألف كم، في الدقيقة ضرب 60 = ” 18.000.000 “، في الساعة ضرب 60 = ” 1.080.000.000 “، في اليوم ضرب 24 = “25.920.000.000”، في السنة ضرب 365 = ” 9.460.800.000.000″، في الأربع سنوات ضرب أربعة = ” 37.843.200.000.000 كم”، هذا هو الرقم، وهذه المسافة التي يبعد عنا فيها نجم يعدّ أقرب نجم إلى الأرض، لو أردنا أن نقطعها بمركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام، لقطع مسافة تعدّ أقصر مسافة على الإطلاق بين الأرض وأقرب نجم ملتهب، عدا الشمس طبعاً، لكن هناك الآن نجوم تبعد عنا 20 مليار سنة ضوئية،
لذلك قال تعالى:

(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)

[سورة الواقعة]

إذاً: تصل إلى حدود الإعجاز الإلهي،
المعجزة خرق لنواميس الكون، العصا تصبح ثعباناً مبيناً، الميت يحيه سيدنا عيسى، الجبل ينشق عن ناقة، سيدنا إبراهيم يوضع في نار مشتعلة فلا يحترق، فالمعجزة خرق لنواميس الكون، أو تعطيل لنواميس الكون، أو إلغاء لنواميس الكون، والإسراء معجزة، وأنت لا تستطيع أن تصل إلى أمريكة بالطائرة إلا بعد 17 ساعة، أما أن تنتقل في ثانية واحدة فهذا خرق لقوانين الكون.
أما الإعجاز العلمي فموضوع آخر،إذا كان هناك إشارة في القرآن إلى قضية علمية لم تكن معروفة وقت نزول الوحي، إشارة إلى ظاهرة علمية، نحن في الأرض في مكان فيه ضوء، وفي مكان فيه أشعة شمس، ذلك أن أشعة الشمس حينما تنعكس على ذرات الهواء، تعكسها ذرات الهواء على ذرات أخرى، الذرات الأخرى التي انعكست عليها أشعة الشمس تضيء، وعندنا في الأرض مكان فيه ضوء، ومكان فيه أشعة الشمس ، هذا واضح، هذه الظاهرة سماها العلماء انتشار الضوء، لكن لو انطلقنا إلى الفضاء الخارجي بعد أن تنتهي طبقة الهواء، وطبقة الهواء تزيد سماكتها عن 65 ألف كيلومتر، وهناك مركبات الفضاء إذا صعدنا إلى الفضاء الخارجي بعد أن نجتاز طبقة الهواء نجد ظلاماً دامساً، لا نرى شيئاً في سماء.
انطلق رائد فضائي بمركبته من الأرض، وصعد في أجواء الفضاء، بعد وقت من الزمن صاح عبر اللاسلكي أنني أصبحت أعمى لا أرى شيئاً، قال بالحرف الواحد: لقد أصبحنا عمياً، وكان بمركز المركبة الفضائية، وهو المكان التي انطلقت منه المركبة الفضائية عالم من علماء الفلك الكبار عربي مصري مسلم، سمع هذا العالم بأذنه رائد الفضاء يقول: لقد أصبحنا عمياً، إذاً بعد طبقة الهواء هناك ظلام دامس، افتح القرآن اقرأ قوله تعالى:

(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)

[سورة الحجر]

هذه آية في الإعجاز العلمي، وهي إشارة لشيء لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن معروفة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد 1400 عام تقريباً اتفق أن الفضاء الخارجي الأصل فيه الظلمة القاتلة، هذا هو الإعجاز.
لذلك الإسراء والمعراج معجزة، لكن هناك آيات تسمّى في علم العقيدة آيات الإعجاز العلمي، هذا واضح،
وأما المعراج فهو انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، وتجواله في ملكوت الله تعالى في رحلة تتجاوز حدود التصور المادي، وتصل إلى حدود الإعجاز الإلهي لتصل به إلى سدرة المنتهى، وليطلع بحواسه ودون شك على آيات الله الكبرى، وأعلى مكان وصل إليه إنسان هو سدرة المنتهى، هذا المكان بلوغه تكريم، وأيّ تكريم، واحتفاء بالنبي عليه أتم الصلاة والتسليم، وأيّ احتفاء، هذا المكان يبين للنبي أنه سيد الأنبياء والمرسلين، وأنه سيد ولد آدم ولا فخر، وأن الله سبحانه وتعالى وعده بمقام محمود ، وهذا المقام المحمود لا يتاح إلا لواحد من خلقه، ويرجو النبي عليه الصلاة والسلام كما يقول في بعض الأحاديث:

وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا

[رواه مسلم وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص]

أيها الإخوة، لكن الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى قال عن المعراج:

(وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)

[سورة النجم]

لذلك سيدنا الصديق رضي الله عنه كان يمشي في الطريق، فرأى أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واسمه حنظلة، رآه يبكي، قال: يا حنظلة، ما لك تبكي ؟ قال: نافق حنظلة، قال: ولمَ يا أخي ؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، وهذه شكوى يشكو منها معظم المؤمنين، يقول لك: أنا في البدايات كان لي أحوال لا توصف، بعد حين ضعفت هذه الأحوال، سيدنا الصديق في أعلى درجات الأدب والتواضع قال له: أنا كذلك يا أخي، انطلق بنا إلى رسول الله، فانطلاقا إليه، وحدثاه بالمشكلة،
فقال عليه الصلاة والسلام:

وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ، وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

[رواه أحمد في مسنده والترمذي عن حنظلة الأسيدي]

وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم:

إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا

[رواه ابن سعد عن عطاء مرسلا]

إذاً النبي عليه الصلاة والسلام بلغ سدرة المنتهى، معنى ذلك أن مقام النبي صلى الله عليه وسلم هذا يدل على أن صاحبه لا ينقطع عن الله إطلاقاً، فهو في صلة دائمة بالله.

معنى شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم:

أيها الإخوة، ورد أيضاً أنه في هذه الرحلة العجيبة أنه تمّ شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية، ولكن لعلّي وقفت في سابقاً عند شق صدر النبي عليه الصلاة والسلام، وأحب أن أؤكد لكم أننا إذا فهمنا شق الصدر على أن الله سبحانه وتعالى شق صدره، وأخرج منه علقة سوداء هي حظ الشيطان منه، وأنه بهذا صار سيد الأنبياء والمرسلين، هذا كلام ليس مقبولاً إطلاقاً، لأن هذه الحادثة تشير إلى إرهاص للنبوة في وقت مبكر، أيْ إشارة إلى النبوة في وقت مبكر، ولا تعني كما يتوهم بعضهم أن هذا حظ الشيطان نزع من صدر سيد الأنام، وبقي في صدر الخلائق، فلو أن هذا الحظ من الشيطان نزع من كل منا لكنا أنبياء ومرسلين، هذا كلام مرفوض، بل هو إرهاص من إرهاصات النبوة، وإشارة مبكرة، لأن الشر ليس شيئاً مادياً، ولو أن نزع هذه العلقة يلغي الشر في الأرض لكان هذا لكل الناس، لأن الله يحب كل عباده، فلا تقف كل هذه الاستنباطات التي ما أرادها الله عز وجل على قدميها، هذا إذا أردت أن ترمز للشر بعلقة سوداء، وأن ترمز للخير بشيء آخر.
وبعد الانتهاء من شق الصدر، وغسله أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وهو راكب ظهر البراق،
قال النبي صلى الله عليه وسلم:

أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ، وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ

[مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

أيها الإخوة، هذه معجزة، أنْ تركب كائناً ليس مألوفاً عند البشر في وقت معلوم، تصل به إلى بيت المقدس، وفي بيت المقدس صلى النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الأنبياء، ووصف هيأتهم، ثم عرج به إلى السماء السابعة ماراً بما قبلها من السماوات، حيث التقى بالأنبياء آدم ويوسف وإدريس وعيسى ويحيى وهارون وموسى وإبراهيم عليهم السلام، طبعاً نبينا سيد الأنبياء والمرسلين قاطبة، لذلك هيأه الله للمقام المحمود،وصلاته بالأنبياء تعني أنه إمامهم، وتعني أن كل الأنبياء والمرسلين يقتبسون من نوره صلى الله عليه وسلم، لذلك هو رحمة للعالمين.

قضايا الدين والدوائر التي تقع فيها:

بالمناسبة أيها الإخوة، نحن إيماننا باليوم الآخر إيمان تصديقي، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا في القرآن الكريم نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، نحن أمام نصوص في القرآن الكريم تشف عن حقيقة الدار الآخرة، وتصف نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، فنحن إيماننا بنعيم أهل الجنة، وبعذاب أهل النار إيمان تصديقي، أي صدقنا الخبر عن الله عز وجل.
وكما تعلمون أيها الإخوة، قضايا الدين يمكن أن توضع في دوائر ثلاث:

أولاً: الدائرة الحسية:

أول دائرة: الدائرة الحسية، أنا حينما أرى أشياء كثيرة ليست طاهرة في هذا الماء، لا أشربه، لأنني رأيت هذه الأشياء غير طاهرة في عيني، هذه قضية حسية، ، أسمع الصوت بأذني، وأرى الشيء بعيني، وألمس الثوب بيدي عند شراءه، هذه الدائرة الحسية أداة اليقين بها الحواس الخمس.

ثانياً:الدائرة العقلية:

ولكن هناك دائرة عقلية أداة اليقين بها العقل، أنا حينما أرى آثار أقدام أقول: هذه الأقدام تدل على المسير، وحينما أرى جدول ماء أقول: هذا الماء يدل على الغدير، هذه الدائرة الثانية، الدائرة العقلية، وهي شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، أداة اليقين فيها العقل ، والإنسان بعقله يمكن أن يصل إلى الله، لا أن يحيط به، يؤمن بالله واحداً، وموجوداً وكاملاً، بعقله، ويؤمن أن القرآن الكريم كلام الله، لأن فيه آيات الإعجاز، وبعقله يدرك أن الذي جاء بكتاب الله عز وجل هو رسول الله.

ثالثاً: دائرة الإخباريات:

لكن عندنا دائرة ثالثة، هنا الشاهد، هذه دائرة الإخباريات، ليس فيها شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، ولا فيها شيء ظهرت عينه وآثاره.
الدائرة الثالثة تتحدث عن شيء غابت عينه، وغابت آثاره، ليس له أيّ دليل، لكن الله أخبر به، فالدليل الوحيد الخبر الصادق، هو الدليل الوحيد على قضايا الدين الكثيرة، فموضوع اليوم الآخر إخباري، وموضوع الجن إخباري، وموضوع الملائكة إخباري، وموضوع الحوض يوم القيامة إخباري، وموضوع الجنة إخباري، وموضوع النار إخباري وموضوع قصة خلق العالم من آدم وحواء إخباري، هناك الكثير من الموضوعات الإخبارية ليس لها أي دليل مادي إطلاقاً.
إذاً كل قضايا اليوم الآخر إخباريات، أليس كذلك ؟ إلا عند النبي صلى الله عليه وسلم وحده من بين الخلائق، رآها في المعراج، رأى أهل الجنة يتنعمون، ورأى أهل النار يتصايحون، رأى كل شيء،
قال تعالى:

(لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا)

[سورة الإسراء]

وقال تعالى أيضاً:

(ِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)

[سورة النجم]

لقد رأى خلال هذه الرحلة السماوية الفريدة الجنة ونعيمها، ووصف أنهارها، وبخاصة الكوثر، كما رأى النار ومن يعذب فيها، وسمع صرير أقلام الملائكة الكاتبين، ورأى البيت المعمور في السماء السابعة، وما يدخله من الملائكة، كما وصف سدرة المنتهى، كما وصف جبريل عليه السلام،

المعراج والصلاة :

وفرضت على أمته في المعراج اليوم والليلة خمس صلوات، ففريضة الصلاة هي الفريضة التي لا تسقط بحال، بل هي الفريضة التي تتكرر فرضت في المعراج،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة:

الصلاة عماد الدين، مَن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين

[الجامع الصغير عن ابن عمر]

ولا خير في دين لا صلاة فيه، والصلاة طهور، تطهر النفس من الأدران، والصلاة حبور، أي سرور، والصلاة معراج المؤمن، فهي طهور، وحبور، وسرور، ومعراج، والصلاة عقل.
قال عليه الصلاة والسلام:

ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل منها

[ورد في الأثر]

والصلاة ذكر، والصلاة قرب.

(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)

[سورة طه]

(وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)

[سورة العلق]

والصلاة ذكر لله عز وجل.

(إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)

[سورة العنكبوت الآية: 45]

قالوا: ذكر الله أكبر ما فيها، وقال بعض العلماء:

ذكر الله لك في الصلاة أكبر مِن ذكْرك له

لأنك تذكره تعبّداً، لكنه يذكرك تفضلاً، لذلك الفريضة الأولى أداة اتصال المخلوق الضعيف الطارئ الجاهل مع أصل الوجود، وخالق الوجود هي الصلاة، لذلك أيها الإخوة إن صحت الصلاة صح الدين، وإن لم تصح لم يصح الدين، وأول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة صلاته، فإن صحت فاز وربح، وإن لم تصح خاب وخسر.
ورد في الحديث القدسي:

ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها، ولا يتغير حالها

[رواه الديلمي عن حارثة بن وهب]

يبدو أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أن أخطر فريضة في هذا الدين هي الصلاة، لذلك فرضت والنبي صلى الله عليه وسلم في سدرة المنتهى، فرضت مباشرة من قبل الذات الإلهية.
أيها الإخوة الكرام، الحديث عن الصلاة حديث يطول:

(إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19))

[سورة المعارج]

في أصل خَلقه.

(إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ)

[سورة المعارج]

نحن الآن في هذه المحن التي تحيط بنا في أمسّ الحاجة إلى إحكام الاتصال بالله عز وجل، كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة:

أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلاَلُ

[أخرجه أبو داود]

الصلاة طهور، الصلاة نور، ترى بها الحق حقاً والباطل باطلاً، الصلاة حبور، وسعادة كبيرة، الصلاة عقل، الصلاة عروج، الصلاة ذكر، الصلاة قرب، الصلاة بعد عن الفحشاء والمنكر.
إخواننا الكرام، مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تتصل برب الكائنات، وأن تكون في الظلمات، بل الآية الدقيقة جداً:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ)

[سورة آل عمران الآية: 159]

أيْ من خلال اتصالك بنا طهُر هذا القلب، وصار رحيماً، الصلاة تطهر، وتزكي، تخلّي وتحلّي، تزيل وتوجب:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)

[سورة آل عمران الآية: 159]

معنى ذلك أنك إما أن تتصل بالله فيغدو القلب رحيماً، وتنعكس الرحمة ليناً، فيلتف الناس حولك، أما المنقطع عن الله عز وجل فيمتلئ قلبه قسوة وغلظة، فينفض الناس من حوله.

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)

[سورة آل عمران الآية: 159]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (22-57) : الإسراء والمعراج – المعجزة خرق لنواميس الكون
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-11-28 | المصدر