Search

حقُّ الفقيرِ على الغني في الإسلام: حيث يلتقي التكافلُ بالسكينة

حقُّ الفقيرِ على الغني في الإسلام: حيث يلتقي التكافلُ بالسكينة

بسم الله الرحمن الرحيم

حقُّ الفقيرِ على الغني في الإسلام: حيث يلتقي التكافلُ بالسكينة

اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون في الدنيا أقوياء وضعفاء، وأغنياء وفقراء، ومن جميع الأصناف والأنواع، هذا التفاوت بين هوية الإنسان له حكمة بالغة جداً، فالغني مادة امتحانه مع الله غناه، والفقير مادة امتحانه مع الله فقره، فالغني ممتحن بالغنى، هل كان محسناً؟ هل كان متواضعاً؟ هل أعطى من ماله من حوله من الفقراء أم اعتز بغناه واستعلى على من حوله؟ الإنسان ممتحن بالغنى، وممتحن بالفقر، وقد ينجح الفقير بامتحان الفقر فيستحق الجنة إلى أبد الآبدين، وقد يرسب الغني في امتحان الغنى فيأوي إلى النار، إذاً نحن في دار ابتلاء لا دار جزاء، ومنزل ترح لا منزل فرح، نحن في دار ابتلاء بمعنى أن علة وجودنا في الدنيا الابتلاء، والابتلاء هو الامتحان، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾، فالبطولة لا أن ننجو من الابتلاء بل أن ننجح فيه، لأن الابتلاء قدرنا وعلة وجودنا ولا بد من أن نبتلى، الابتلاء أنواع، ابتلاء إيجابي فيما أعطاك، وابتلاء سلبي فيما زوي عنك، ومن أدق الأدعية النبوية: ((اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ)). وكأنك تربح مرتين، مرة تربح بامتحان الضعف، ومرة تربح بامتحان القوة والغنى، فأنت مبتلى في الأحوال كلها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم))فالقوي حينما يعطي الضعيف، حينما يتواضع للضعيف، حينما يأخذ بيد الضعيف، حينما يرحم الضعيف، يبلغ بهذا الامتحان إذا نجح فيه أعلى عليين، أنا حينما يكون عندي ضعيف وأنا قوي، وأنا أكرم هذا الضعيف، أعطيه حقه، أعطيه كرامته، مكافأة الله لي من جنس عملي، ينصرني على من هو أقوى مني، فنحن إذا انتبهنا إلى من هو أضعف منا، وأكرمنا من هو أضعف منا، هيئنا للضعفاء فرص عمل، أعطيناهم كرامتهم بإعطائهم ما يستحقون، هذا العمل البطولي الأخلاقي الديني، هذا العمل مكافأته عند الله من جنس العمل، ينصرني على من هو أقوى مني. هذا المجتمع إذا كان فيه ضعفاء وأقوياء ولا يوجد فيه تعاون بينهما يتفتت، يتصدع، أما حينما نعتني بالضعفاء، حينما يعتني الغني بالفقير، والقوي بالضعيف، والعالم بغير المتعلم، هم ثلاث قيم كبيرة؛ قيمة العلم المال والغذاء، فحينما يعتني الأقوياء بالضعفاء يتماسك المجتمع، وإذا تماسك يستحيل أن يخرق، الأمة تبنى من خلال بناء الفرد. الغني إذا أدى زكاة ماله، وتعهد بزكاة ماله من حوله، التفوا حوله، ناصروه، حرسوا ماله، النتائج التي تترتب على طاعة الله لا تعد ولا تحصى، لذلك: ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا )).

هذا الضعيف يحاسب على دائرة يملكها، ماذا يملك؟ دائرة نفسه، وبيته، وعمله، نقول له: أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك، هناك أقوياء و طغاة، فإذا أقام أمر الله إقامة جيدة فيما يملك أي في نفسه وبيته وعمله كفاه الله من لا يملك، فذلك القضية قضية توحيد، قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ يخاطب النبي الكريم، قال العلماء: لكل مؤمن من خصوصيات النبي الكريم نصيب بقدر إيمانه وإخلاصه، فالإنسان إن كان ضعيفاً إذا رأى أن الله معه دائماً فهو أقوى قوة، لا يوجد عند المؤمن حالة يأس، وليس عنده حالة تراجع، أو انهزام، ثقته بالله كبيرة، لذلك قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ هذه معية عامة، لكن إذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَهذه معية خاصة معهم ينصرهم، معهم يؤيدهم، معهم يرحمهم، معهم يعتني بهم، معية الله شيء مذهل، إلا أن المعية العامة الله مع كل إنسان حتى الكافر، المعية الخاصة لها ثمن، قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ....﴾.

قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، الإنسان يحب الأقوياء، يحب الأغنياء، أما إذا عاكس رغبته الفطرية، وجلس مع الضعفاء والفقراء، واعتنى بهم يرقى عند الله، وكأن الضعف والقوة بابان من خلالهما يصل الإنسان إلى الله عز وجل، فأنت حينما تعتني بالفقير، تؤنسه، تحترمه، تكرمه، ترفع قدره، يثق بهذا المجتمع الإسلامي، يرى أنه ليس منسياً في هذا المجتمع، شيء دقيق جداً. الحقيقة الفقير فضلاً عن أنك تعطيه لا بد من تكريمه، لا بد من رفع قدره، لا بد من أن يشعر أن هذا الغني أخوه في الإيمان.

النبي صلى الله عليه وسلم: ((كانت امرأة سوداء تقم المسجد. فتوفيت ليلا. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبر بموتها. فقال: ألا آذنتموني بها؟ فخرج بأصحابه فوقف على قبرها فكبر عليها والناس من خلفه، ودعا لها)) حينما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمقامه الكبير، بمكانته عند الله، بنبوته إلى امرأة تقم المسجد ويصلي عليها صلاة الغائب استثناء فهذا شيء لا يصدق لذلك النبي صلى الله عليه وسلم رعى الفقراء، الضعفاء، الشباب، شاب يقود جيشاً فيه أبو بكر وعمر، لا تزيد سنه عن سبعة عشر عاماً، هذا شيء لا يصدق، هذا كله منهج لنا، لذلك الله عز وجل قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

وبعد النبي تابع الصحابة هذا المنهج، والخلفاء الراشدون، هذا الطفيل بن عمرو في معركة اليمامة قطعت يده اليمنى فجلس إلى طعام فاستحيا فانصرف، يقول له عمر رضي الله عنه: والله لا آكل من الطعام حتى تخلطه بيدك، والله ما من أحد بعضه في الجنة إلا أنت. التكريم ينسيه عاهته، الفقير الذي يصاب بعاهة معينة؛ فقد أحد أعضائه، هذا له مقام عند الله كبير، فإذا واجه المجتمع هذا الضعيف إما بفقد عضو من أعضائه، أو بعاهة ابتلي بها، هذا يرفع الناس مقامه، إذاً يثق بهذا المجتمع، أنا أريد بالنهاية أن يتماسك هذا المجتمع، ومستحيل أن يخترق بهذا التماسك، أما حينما يعتز الغني بغناه وينسى الفقير فينشأ شرخ في المجتمع، هذا الشرخ بداية انهيار المجتمع. 

سيدنا الصديق كان يحلب شياه جارته، فلما أصبح أمير المؤمنين أعلى منصب في العالم الإسلامي، رئيس دولة، ملك، جارته حزنت، لأنه هذه الخدمة سوف تتوقف، في صبيحة تسلمه منصب الخلافة طُرق باب هذه الجارة، صاحبة البيت قالت لابنتها: يا بنيتي افتحي الباب، فلما فتحت الباب قالت: من الطارق؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه، أي جاء سيدنا الصديق ليحلب الشياه، وهو خليفة المسلمين، الإنسان الأول بعد رسول الله، منصب الخلافة ما منعه أن يتابع خدمته لهذه الجارة، هذا منهج، لذلك أرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة، والصحابة قدوة، وكل صحابي في موقعه هو قدوة لنا. هذا الصديق، وسيدنا عمر يروي طلحة أنه تبعه يوماً يدخل إلى دار ويخرج منها كل يوم، فدخل بعد أن خرج وجد امرأة مقعدة قال: ما بال هذا الرجل الذي يأتي؟ قالت: جزاه الله عني خيراً يأتيني كل يوم بما يصلحني ويذهب عني الأذى، فقال: ثكلتك أمك يا طلحة تتتبع عورات عمر؟ 

الإنسان حينما يخدم عباد الله، هذا العمل يرتفع إلى الله، نقول له: ثواب، ثواب من ثاب أي رجع، يرجع من الله على هذا العبد المحسن سكينة يسعد بها ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء، وأنا لا أصدق أن إنساناً حرص على خدمة الناس - الخلق كلهم عيال الله، و أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله - إلا ويشعر بسعادة لا توصف، وأنا أراها سكينة تتنزل على قلبه مكافأة له على هذا العمل، لذلك العمل الصالح غير أن له مستقبلاً رائعاً، جزاء في الآخرة وفي الدنيا، له جزاء آني، معنى آني أي تنزل عليه من الله سكينة يسعد بها، لذلك من خلال خبرتي مع أخواني المحسنين تجده يألف الإحسان، أصبح جزءاً من كيانه، لا يرتاح إلا بالإحسان، والإحسان إذا طرق بابه هو أسعد الناس، مرة سئل من أسعد الناس؟ قال: الذي يسعد الناس. 



source