تأثير القدوة الفاسدة في صناعة العداوة: رحلة عكرمة بن أبي جهل من الشرك إلى الإسلام
هذا الصحابي عكرمة بن أبي جهل كان في أواخر العقد الثالث من عمره، يوم صدع نبي الرحمة بدعوى الهدى والحق، وكان من أكرم الناس حسباً، وأكثرهم مالاً، وأعزهم نسباً، ومن الفرسان، وكان جديراً أن يسلم كما أسلم نظراؤُه، لولا عنادُ أبيه، فمَن هو أبوه؟ إنه أبو جهل، زعيم الضلال، وزعيم المناوأة والشرك، فوجد نفسه مدفوعاً بحكم زعامة أبيه إلى مناوأة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أكبر خطأ، أنْ يتحرك الإنسانُ بلا وعي، وينطلق بلا هدف مع الناس، إن أحسنَ الناس أحسنتَ، وإن أساؤوا أسأت، هذا هو التيار الجارف، إنها بلوى عامة، هذا هو الجهل بعينه.
عكرمة بن أبي جهل بحكم بيئته، وانسجاماً مع عداوة أبيه، وانطلاقاً ممن حوله ناصب النبيَّ صلى الله عليه وسلم أشدّ العداوة، وآذى أصحابه أفدحَ الإيذاء، وصب على الإسلام والمسلمين من النكال ما قرّتْ به عينُ أبيه. ولما قاد أبوه معركة الشرك يوم بدر، وأقسم باللات والعزى ألاّ يعود إلى مكة إلا بعد القضاء على الإسلام بهزيمة محمد صلى الله عليه وسلم، ونزل ببدر، وأقام بها ثلاث ليالٍ ينحر الجُزُر، ويشرب الخمور ، وتعزف له القيان بالمعازف، لكن اللات والعزى لم يلبِّيان نداء أبي جهل، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير ٍ﴾ ، فلم ينصراه في معركته لأنهما عاجزان، ولم يسمعاه لأنهما أصمّان، فالويل لمَن يعتمد على أصمّ وعاجز، لكن الله سبحانه وتعالى أينما توجهتَ إليه يسمعك، وحيثما أقبلتَ عليه يستجبْ لك، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، في معركة بدر خرَّ أبو جهل الطاغية الكبير صريعًا، ورأى ابنُه عكرمةُ بعينه وسمعه بأذنيه وهو يطلق آخر صرخة انفرجت عنها شفتاه .
عاد عكرمة إلى مكة بعد أن خلف جثّةَ سيد كفار قريش في بدر، فقد أعجزته الهزيمة أنْ يظفرَ بجثة أبيه ليدفنها في مكة, و بعد مقتل أبيه أخذ عكرمة موقفًا آخر، كان في بادئ الأمر يعادي النبي صلى الله عليه وسلم حَميَّةً لأبيه، فأصبح يعاديه اليوم ثأراً لأبيه، ومن هنا انبرى عكرمة ونفر ممَّن قُتِل آباؤُهم في بدر يؤجِّجون نار العداوة في صدور المشركين على محمد صلى الله عليه وسلم, حتى كانت موقعة أحد، فخرج عكرمة بن أبي جهل إلى أحد وأخرج معه زوجته أمُّ حكيم، لتقف مع النسوة في بدر وراء الصفوف، وتضرب معهنّ على الدفوف، تحريضاً لقريش على القتال، لعل هذا النصر يكون ثأراً لموقعة بدر. جعلت قريش على ميمنة الجيش خالد بن الوليد، وعلى ميسرته عكرمة بن أبي جهل، وكان قائداً لامعاً جداً، وأبلى الفارسان المشركان في ذلك اليوم بلاءً رجّح كفة قريش على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين عصوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وتحقق للمشركين النصر الكبير، وفي يوم الخندق حاصر المشركون المدينة أياماً طويلة، فنفذ صبر عكرمة بن أبي جهل، وضاق ذرعاً من الحصار، ونظر إلى مكان ضيق من الخندق، وأقحم جواده فاجتازه، ثم اجتازه وراءه بضعةُ نفر في أجرأ مغامرة، ذهب ضحيتها عمرُو بن عبد وُدٍّ العامري أمَّا هو فلم ينجُ إلا بالفرار .
في يوم يوم فتح مكة رأت قريش ألاّ قَبَلَ لها بمحمد صلى الله علي وسلم وأصحابه، فأجمعت على أن تُخلِيَ له السبيل إلى مكة، وقد أعانها على اتخاذ قرارها هذا ما عرفته من أن النبي عليه الصلاة والسلام أمَر قواده ألاّ يقاتلوا إلا مَن قاتلهم من أهل مكة، لكن عكرمة بن أبي جهل ونفرٌ ممّن معه خرجوا على إجماع قريش، وتصدَّوا للجيش الكبير، فهزمهم خالد بن الوليد، والذي أسلم قبل فتح مكة بعام، هزمهم في معركة صغيرة، قُتِل فيها من قُتِل، ولاذ بالفرار من لاذ، وكان في جملة الفارِّين عكرمة بي أبي جهل .
خرج عكرمة مِن مكة موطنه الذي نبت به، وبعد أن خضعت للمسلمين، والنبي عليه الصلاة والسلام عفا عما سلف من قريش تجاهه، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام استثنى منهم نفراً سمّاهم بأسمائهم واحداً واحد، وأمر بقتلهم، وإنْ وُجِدوا تحت أستار الكعبة، منهم عكرمة، لذلك تسلَّل متخفياً من مكة، ويَمَّمَ وجهه شطر اليمن، إذ لم يكن له ملاذٌ إلا هناك, هرب من الجزيرة العربية إلى اليمن في جنوبها.
أم حكيم زوجتُه، مضت مع هند بنت عتبة إلى منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم, زوجة أعدى أعداء النبي عليه الصلاة والسلام التي مضغت كبد سيدنا حمزة ذهبت إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام, ومعها عشرة نسوة، ليبايعن النبي عليه الصلاة والسلام، فدخلن عليه، وعنده اثنتان من أزواجه، وابنته فاطمة، ونساء من بني عبد المطلب, تنقبت هندٌ، أيْ سترت وجهها بالنقاب, وقالت: يا رسول الله! الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، وإني لأسألك أن تَمُسَّنِي رحمتُك بخير، فإني امرأة مؤمنة مصدقة, ثم قالت له: أنا هند بنت عتبة يا رسول الله! فقال عليه الصلاة و السلام: مرحباً بك, -امرأة من ألدِّ أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، حرّضت القرشيين كانت في معركة أحد خلف الرجال، ولها أبيات من الشعر لا يليق أن أذكرها في تحريض الرجال على قتل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- قالت: يا رسول الله! واللهِ ما كان على وجه الأرض بيتٌ أحبَّ إليَّ أن يذلّ من بيتك, ولقد أصبحتُ وما على وجه الأرض بيتٌ أحبَّ إليّ أن يعزّ من بيتك ، وقامت أم حكيم زوج عكرمة بن أبي جهل فأسلمت، وقالت: يا رسول الله! قد هرب عكرمة إلى اليمن فأَمِّنْه أَمَّنك الله ، فقال عليه الصلاة والسلام: هو آمن ، -فالنبيّ كريم اللهم صلِّ عليه، والكريم هذا شأنه، سريع الرضى، فخرجت من ساعتها في طلبه، حتى أدركت عكرمة عند ساحل البحر في منطقة تهامة، وهو يفاوض الملاَّح صاحب السفينة، هذا النوتي مسلم، والنوتي يقول له: أخلص حتى أنقلك ، فقال عكرمة: وكيف أخلص حتى تنقلني؟ قال: تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فقال عكرمة: ما هربت إلا منها، وفيما هو كذلك أقبلت أم حكيم على عكرمة، وقالت: يا بن عمي, جئتك من عند أفضل الناس، جئتك من عند خير الناس، جئتك من عند أبرِّ الناس، مِن عند محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، ولقد استأمنتُ لك منه، وأمّنك فلا تهلك نفسك ، قال: أنت كلمتِه؟! قالت: نعم ، أنا كلمته، وأمّنك ، وما زالت به تؤَمِّنه، وتطمئنه حتى عاد معها، وفيما هما في منزل نزلا به في الطريق أراد عكرمة أن يخلوَ بزوجته فأَبَت ذلك أشدّ الإباء، وقالت: إني مسلمة، وأنت مشرك، فتملكه العجب , قال: إن أمراً يحول دونك ودون الخلوة بي لأمر عظيم. فلما دنا عكرمة من مكة, قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: سيأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا فلا تسبُّوا أباه، فإن سبَّ الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت ، وما هو إلا قليل حتى وصل عكرمة وزوجه إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وثب إليه مِن غير رداء فرحًا به، والرداء مثل العباءة، -لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام أرحمُ الخلق بالخلق-، ولما جلس عليه الصلاة والسلام وقف عكرمة بين يديه، وقال: يا محمد عليه الصلاة والسلام، إنّ أم حكيم أخبرتني أنك أمّنتي، فقال عليه الصلاة والسلام: صَدَقَتْ ، فأنت آمن ، قال عكرمة: إلامَ تدعُ يا محمد؟ قال: أدعوك إلى أن تشهد أنه لا إله إلا الله، وأني عبد الله ورسوله، وأن تقيم الصلاة، وأن تؤتي الزكاة، حتى عدَّ أركان الإسلام كلَّها، فقال عكرمة: والله يا رسول الله ما دعوتَ إلا إلى حق، وما أمرتَ إلا بخير ، ثم أردف يقول: يا رسول الله، قد كنتَ فينا واللهِ قبلَ أن تدعوَ إلى ما دعوتَ إليه، وأنتَ أصدقُنا حديثاً، وأبَرُّنا براً، ثم بسط يده، وقال: إني أشهد أنه لا إله إلا الله، وأشهد أنك عبده ورسوله، ثم قال: يا رسول الله, علِّمني خير شيء أقوله ، فقال عليه الصلاة والسلام: قل أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله ، فقال عكرمة: ثم ماذ ا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: تقول أُشْهِد الله، وأُشْهِد مَن حضر أني مسلم مجاهد مهاجر فقال عكرمة ذلك، عند هذا قال عليه الصلاة والسلام: اليوم لا تسألني شيئاً أعطيه أحداً إلا أعطيك إياه ، قال: يا رسول الله، إني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتك، أو كل مقام لقيتُك فيه، وكل كلام قلتُه في وجهك، أو في غيبتك، فاستغفر لي الله عز وجل ، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسيرٍ سار به إلى موضع يريد به إطفاء نورك، واغفر له ما نال من عرضي في وجهي، أو أنا غائب عنه ، فتهلّل وجه عكرمة بِشْراً، وقال: أمَا واللِه يا رسول الله, لا أدع نفقًة كنتُ أنفقتها في الصَّدِّ عن سبيل الله إلا أنفقتُ ضعفَها في سبيل الله، ولا قتالاً قاتلتُهُ صداً عن سبيل الله إلا قاتلتُ ضعفه في سبيل الله . ومنذ ذلك اليوم انضمَّ عكرمةُ إلى موكب الدعوة فارسًا باسلاً في ساحات القتال، وعابدًا قوّامًا قرّاءً لكتاب الله في المساجد، فقد كان يضع المصحف على وجهه, ويقول: كتاب ربي، كلام ربي ، وهو يبكي من خشية ربه.
الآن جاء وقتُ البَّرِّ بقَسَمِه, في معركة اليرموك ولما اشتد القتالُ على المسلمين في أحد المواقف الصعبة نزل عن جواده، وكسر غمد سيفه، وأوغل في صفوف الروم، فبادر إليه سيدنا خالد، وقال: يا عكرمة لا تفعل، فإنَّ قتْلَك سيكون شديداً على المسلمين ، فبماذا أجابه؟ قال له: إ ليك عني يا خالد، لقد كان لك مع رسول الله سابقة، أمّا أنا وأبي فقد كنا من أشد الناس على النبي صلى الله عليه وسلم عداوةً، فدعني أكَفِّر عمَّا سلف مني . ثم نادى في المسلمين: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمُّه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمئة من المسلمين، فقاتلوا أشد القتال، ولما انجلت معركةُ اليرموك عن ذلك النصر المؤزر للمسلمين، كان يتمدّد على أرض المعركة ثلاثةُ مجاهدين أثخنتهم الجراح، هم الحارث بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، الحارث دعا بماء ليشربه، فلما قُدِّم له نظر إليه عكرمة، وهو جريح ينازع سكرات الموت، فقال: ادفعوه إليه، فلما قرّبوه إليه نظر إليه عياش، فقال: ادفعوه إليه، فلما دنا من عياش وجدوه قد قضى نحبه، فلما عادوا إلى صاحبيه وجدوهما قد قضيا نحبهما، لقد آثروا بعضهم، وهم على أرض المعركة في النزع الأخير.
