بحث

عمير بن سعد الرجولة من الطفولة

عمير بن سعد الرجولة من الطفولة

بسم الله الرحمن الرحيم

     الغلام الصغير عمير بن سعد الأنصاري تجرّع كأس اليُتْم والفاقة منذ نعومة أظفاره، فقد مضى أبوه إلى ربه، ولم يترك له مالاً ولا معيلاً، لكن أمه ما لبثت أن تزوجت رجلاً ثريًّا من أثرياء الأوس في المدينة يدعى الجلاَّس بن سويد، فكفل ابنها عميراً، ولقي عمير مِن برِّ الجلاس وحسنِ رعايته وجميل عطفه ما جعله ينسى أنه يتيم . أحب عمير الجلاس حبَّ الابن لأبيه كما أولع الجلاس بعمير ولع الوالد بولده، كأن عمير ابن الجلاس، وكأن الجلاس والد عمير، وكان كلما نما عمير وشب يزداد الجلاس له حباً وبه إعجاباً كما كان يرى به أمارات الفطنة والنجابة التي تبدو في كل عمل من أعماله . أسلم الفتى عمير، وبايع النبيَّ عليه الصلاة والسلام وهو صغير لم يجاوز العاشرة من عمره. الابن المؤمن ثروة دائمة دنيا وأخرى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ )). كانت أمُّه كلما رأته ذاهباً إلى المسجد أو آيباً منه تغمرها الفرحة، ويملأ قلبها السرور.  

     سارت حياة الغلام عمير بن سعد على هذا النحو هانئة وادعة، لا يعكِّر صفوها معكر، حتى شاء الله أن يُعرِّض الغلام اليافع لتجربة من أشدّ التجارب عنفاً، وأعظمِها قساوةً ، قلّما مرّ بمثله فتىً في سنه, في السنة التاسعة للهجرة أعلن النبي صلى الله عليه وسلم عزمه على غزو الروم في تبوك، وأَمَر المسلمِين بأن يستعدّوا، ويتجهزوا لذلك، هذه من أصعب الغزوات لبعد المسافة، والوقت كان في أشد أشهر الصيف حرارةً، غير أن طائفة من المنافقين أخذوا يثبِّطون العزائم، ويوهنون الهمم، وفي يوم من هذه الأيام التي سبقتْ رحيلَ الجيش عاد الغلامُ عمير بن سعد إلى بيته بعد أداء الصلاة في المسجد، وقد امتلأت نفسُه بطائفة مشرقة من صور بذل المؤمنين وتضحيتهم، فالكبير والصغير، والرجل والمرأة، والغني والفقير، كل هؤلاء الصحابة الكرام بذلوا لهذه المعركة الحاسمة الشاقة والطويلة. هذا الطفل الصغير عمير بن سعد استعاد هذه الصورة الفذة الرائعة، لكنه عجب أشَدّ العجب لتباطؤ الجلاس زوج أمه عن الاستعداد للرحيل ولتأخره عن البذل على الرغم من قدرته ويساره، وحينما عرض عمير بن سعد على عمه زوج أمه هذه الصور الفذّة، وهذا البذل السخي، أراد أن يستثير حماسة عمّه، لكن الجلاس الذي أحبّه حبًّا جمًّا ما كاد يسمع من عمير ما سمع حتى انطلقت من فمه كلمة أطارت صواب الفتى المؤمن، قال الجلاس: ((إن كان محمّدٌ صادقاً فيما يدّعيه من النبوة فنحن شرٌّ من الحمير، فدهش عمير مما سمع، ولم يكن يظن أن رجلاً له عقل عمّه وسنّه تندُّ من فمه مثل هذه الكلمة، التي تُخرِج صاحبَها من الإيمان دفعة واحدة، وتدخله في الكفر من أوسع أبوابه)). هنا المشكلة، غلام في سن العاشرة حُمِّل ما لا يطيق فإنْ سكت على عمّه، وتستر عليه فقد خان الله ورسوله، لأن النبي يحسبه مؤمناً، بينما هو منافق وليس مؤمناً، وإنْ أذاع هذا الكلام كان عقوقاً لعمّه، إنه موقف عسير، وكان على الفتى أنْ يختار بين أمرين، أحلاهما مُرٌ. التفت عمير بن سعد إلى الجلاس، وقال: (( واللهِ يا عمّ ما كان على ظهر الأرض أحدٌ بعد محمد بن عبد الله أحبّ إليّ منك، وقد كنتَ آثرَ الناس عندي، وأجلَّهم يداً عليّ، ولقد قلتَ مقالةً: إنْ ذكرتُها فضحتْكَ، وإنْ أخفيتُها خنتُ أمانتي، وأهلكت نفسي وديني، وقد عزمتُ على أن أمضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قلت، فكن على بيِّنة من أمرك , فمضى الفتى عمير بن سعد إلى المسجد، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما سمع من عمه الجلاس بن سويد، فاستبقاه النبي عليه الصلاة والسلام عنده، وأرسل أحدَ أصحابه ليدعو له الجلاس، وما هو إلا وقت قليل حتى جاء الجلاس فحيّا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس بين يدي النبي، وقال عليه الصلاة والسلام: يا جلاس، مقالةٌ سمعها منك عمير بن سعد، وذكر له ما قاله، فقال: يا رسول الله, كذب عليَّ وافترى، فما تفوهت بشيء من ذلك، فكيف صار وضع هذا الطفل الصغير؟ التفت النبي عليه الصلاة والسلام إلى عمير فرأى وجهه محتقنًا بالدم، والدموع تنحدر من عينيه، وتتساقط على خديه وصدره، وهو يقول: اللهم أنزل على نبيك بيانَ ما تكلمتُ فيه . هذا الطفل الصغير يدعو الله عز وجل أن ينزل وحياً يصدِّق مقالته، نزل الوحي مباشرةً، فلزموا أماكنهم، وسكنت جوارحهم، ولاذوا بالصمت، وتعلقت أبصارهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهنا ظهر الخوف والوجل على الجلاس، وبدا التلهُّفُ والتشوُّفُ على عمير، وظل الجميع كذلك حتى سُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا قوله جل جلاله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، فارتعد الجلاس مِن هولِ ما سمع، ثم التفت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: بل أتوب يا رسول الله، بل أتوب، صدق عمير يا رسول الله، وكنت أنا من الكاذبين ، اسأل اللهَ أنْ يقبلَ توبتي، جعلت فداك يا رسول الله، وهنا توجّه النبيُّ عليه الصلاة والسلام إلى الفتى عمير بن سعد، فإذا دموعُ الفرح تبلِّل وجهه المشرق بالإيمان، فمدَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام يدَه الشريفة إلى أذنه، وأمسكها برفق، وقال: وفّتْ أذنُك يا غلام ما سمعت، وصدَّقك ربك ، وعاد الجلاس على إثر هذه الحادثة إلى الإسلام، وكان الجلاس يقول كلما ذكر عميرًا: جزاه الله عني خيراً، فقد أنقذني من الكفر، وأعتق رقبتي من النار)). 

     حينما كبر هذا الغلام وصار في سن الرشد أراد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يعيِّن والياً على حمص، رأى في هذا الصحابي الجليل أفضل إنسان يتولى أمر حمص، وصل عمير إلى حمص، ودعا الناس للصلاة في المسجد، ولما قُضِيَت الصلاة خطبَ الناسَ، وحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (( أيها الناس, إن الإسلام حصن منيع، وباب وثيق، وحصنُ الإسلام العدلُ، وبابُه الحقُّ، فإذا دُكَّ الحصنُ، وحُطِّم البابُ استُبِيحَ حِمَى هذا الدين، وإنّ الإسلام ما يزال منيعاً ما اشتد السلطانُ، وليست شدة السلطان ضرباً بالسوط، ولا قتلاً بالسيف، ولكن قضاءً بالعدل، وأخذاً بالحق )). 

     قضى عمير بن سعد حولاً كاملاً بحمص، لم يكتب خلاله لأمير المؤمنين كتاباً، ولم يبعث إلى بيت مال المسلمين من الفيء درهماً و لا ديناراً, فأخذت الشكوك تساورُ عمرَ بن الخطاب، إذ كان شديد الخشية على ولاته من فتنة الإمارة فلا معصوم عنده غير النبي عليه الصلاة والسلام, قال لكاتبه:  ((اكتب إلى عمير بن سعد، وقل له: إذا جاءك كتاب أمير المؤمنين فدع حمص، وأقبل عليه، واحمل معك ما جَبَيْتَ من فيء المسلمين , تَلَقَّى عميرٌ الكتاب، فأخذ جراب زاده، وحمل على عاتقه قصعته ووعاء وضوئه، وأمسك بيده حربته، وخلّف حمص وإمارتها وراءه، وانطلق يحثّ الخطى مشياً على قدميه إلى المدينة، فما كاد يبلغ عمير المدينة حتى كان قد شحب لونه، وهزل جسمه، وطال شعره، ظهرت عليه وعثاءُ السفر، دخل عميرٌ على عمر رضي الله عنه فدهش الفاروق من حالته، و قال: ما بك يا عمير؟ قال: ما بي من شيء، فأنا صحيح معافى بحمد الله، أحمل معي الدنيا كلها، وأَجُرُّها من قرنيها، قال: ما معك من الدنيا؟ قال: معي جرابي وضعت فيه زادي، ومعي قصعتي آكل فيها، وأغسل عليها رأسي وثيابي، ومعي قربة لوضوئي وشرابي، ثم إن الدنيا كلها يا أمير المؤمنين تَبَعٌ لمتاعي، وفضلة لا حاجة لي، ولا لأحد غيري بها. فقال عمر: وجئت ماشياً؟ قال: نعم، قال: أما أُعطِيتَ من الإمارة ولا دابة تركبها، هم لم يعطوني، وأنا لم أطلب منهم، وأين ما أتيت به لبيت المال؟ قال: لمْ آتِ بشيء، ولِمَ؟ قال: لمّا وصلتُ حمص جمعتُ صلحائها، وولّيتُهم جمعَ فيئهم، فكانوا كلما جمعوا شيئاً استشرتُهم في أمره ، فوضعته في مواضعه، وأنفقته على المستحقين منهم، فقال عمر لكاتبه: جدِّد عهداً لعمير على ولاية حمص، فقال عمير: هيهات فإن ذلك شيء لا أريده، ولن أعمل لك، ولا لأحد من بعدك يا أمير المؤمنين، ثم استأذنه بالذهاب إلى قرية من ضواحي المدينة يقيم فيها مع أهله، فَأذِنَ له، أراد عمرُ أن يختبر صاحبه، وأن يستوثق من أمره، فقال لأحد ثقاته يُدعى الحارث: انطلق يا حارث إلى عمير بن سعد، وانزل به كأنك ضيف، فإن رأيتَ عليه آثارَ نعمة فَعُدْ كما أتيت، وإنْ وجدتَ حالاً شديداً فأعطِه هذه الدنانير، وناوله صُرّة فيها مئة دينار، فانطلق الحارث حتى بلغ قرية عمير، أقام الحارث في ضيافة عمير ثلاث ليال، قال للحارث رجلٌ من القوم: لقد أجهدتَ عميرًا وأهله، فليس لهم إلا هذا الرغيف، وقد أضرّ بهم الجوع والجهد، فإن رأيتَ أن تتحّول فتحوّلْ إليَّ، عند ذلك أخرج الحارث الدنانير، ودفعها إلى عمير، قال: دفع بها إليك أمير المؤمنين، قال: رُدَّها إليه، واقرأ عليه السلام، وقل له: لا حاجة لعمير بها، فصاحت امرأته خذها يا عمير، فإن احتجتَ إليها أنفقتها، وإلا وضعتها في مواضعها،فأخذها عمير، وجعلها في صرر صغيرة، ولم يبت ليلته تلك إلا بعد أن وزّعها بين ذوي الحاجات، وعاد الحارثُ إلى المدينة،  وأخبر عمر بما رأى . فكتب الفاروق إلى عمير, يقول له: إ ذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل عليّ ، وتوجَّهَ عمير إلى المدينة، ودخل على عمر رضي الله عليه، فرحّب به، وأدنى مجلسه، ثم قال له: ما صنعتَ بالدنانير يا عمير؟ قال: وما عليك منها بعد أن خرجتَ لي عنها؟ قال: عزمتُ عليك أن تخبرني بما صنعت بها؟ فقال: ادَّخرتها لنفسي لأنتفع بها في يومٍ لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فدمعت عينا عمر، وقال: أشهد أنك من الذين يؤثرون على أنفسهم، ولو كانت بهم خصاصة، فالآية انطبقت عليه، ثم أمر له بوسق من طعام وثوبين، فقال: أما الطعام فلا حاجة لنا به يا أمير المؤمنين، فقد تركت عند أهلي صاعين من شعير، وإلى أن نأكلهما يكون الله عز وجل قد جاء بالرزق، وأما الثوبان فآخذهما لأم فلان،  -يعني زوجته- فقد بلي ثوبها )).

     أرأيتم مثَل هذا الزهد؟ أرأيتم مثل هذه العفة؟ أرأيتم مثل هذا الورع؟ هذا عمير بن سعد يوم كان صغيراً، وهذا عمير بن سعد يوم صار كبيراً ووالياً، وتعفّف عن كل شيء يناله من هذه الإمارة. 

     جاءته المنية رضي الله عنه وبلغ الفاروقَ نعيُه، ووشح الحزنُ وجهَه، واعتصر الأسى فؤاده، وقال: ((وددتُ أن لي رجالاً كثيرًا مثل عمير بن سعد، استعين بهم في أعمال المسلمين )). 



المصدر: الصحابة الكرام : 28 - سيدنا عمير بن سعد الأنصاري