عدي بن حاتم الطائي، والده حاتم الطائي كان مضرب المثل بالكرم، ورث عدي الرئاسة عن أبيه، فكان ملكاً في الجزيرة، كان يرأس قبيلة طيىء، وفرضت له الربع في غنائمها، وأسلمت له القيادة، ولما صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة الهدى والحق، ودانت له الجزيرة العربية حيًّا بعد حي، رأى عدي في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم زعامة واسعة النفوذ، يوشك أن تقضي على زعامته، وستفضي إلى إزالة رياسته، فعادى النبيَّ، ولماذا عاداه؟ حفاظاً على مصالحه، وما أكثرَ الأشخاص في كل زمان وفي كل مكان، حفاظاً على مصالحهم، وعلى مكتسباتهم، وعلى تبجيل الناس لهم ، يعادون الحق. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾.
ظل عدي بن حاتم على عداوته للإسلام قريباً من عشرين عاماً، لكن الله حليم، فالإنسان يضيق ذرعاً بالكفار، يا رب لماذا هؤلاء يعيشون، وحياتهم بيدك, ورزقهم بيدك؟ وحينما خلق الله عز وجل الإنسانَ سمح له أن ينكر وجوده ورزقه، أليس كذلك؟ لا إكراه في الدين، ترى إنسانًا ملحدًا، وله قلب، ودسامات, وشرايين، ورئتان، وكليتان، وأمعاء، وأعصاب، وكذا ألف عضو يعمل في جسمه بانتظام، وعنده فكر وذكاء وحرفة، ويكسب مالاً، وينفق، وهو ملحد، واللهُ لم يضق به ذرعاً، لا إكراه في الدين. ذلك أعطي الإنسان في الدنيا الكثير، قال له: ابنَ آدم لي عليك فريضة، ولك عليَّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك, فالبطولة أن يأتي الإنسان ربه طائعاً، راغباً محباً، فظل عدي بن حاتم على عداوته للإسلام قرابة عشرين عاماً ثم أسلم، ولإسلام عدي قصة لا تنسى. يقول عدي بن حاتم: ((ما من رجل من العرب كان أشدَّ مني كراهةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمعت به، فقد كنت امرأ شريفاً، وكنت نصرانياً، وكنت أسير في قومي بالمرباع، -معه أموال طائلة، ربع أموال قومه، وله زعامة وملك وشرف، ووالده أكرم العرب، فماذا يريد من الإسلام؟ بالمنطق المادي هو وصل إلى قمة الدنيا-. فأخذت الربع من غنائمهم، كما كان يفعل غيري من ملوك العرب، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرِهتُه، ولما عظم أمره، وامتدت شوكته، وجعلتْ جيوشُه وسراياه تشرِّق وتغرِّب في أرض العرب، قلت لغلام لي يرعى إبلي: لا أبا لك، أعدد لي من إبلي نوقاً سماناً سهلة القياد، واربطها قريباً مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد أو بسرية من سراياه قد وطئت هذه البلاد فأعلِمْني، -فقدْ هيَّأ الطائرة، ولكل عصر أساليبه- . وفي ذات غداة أقبل علي غلامي، وقال: يا مولاي, ما كنت تنوي أن تصنعه إذا وطئت أرضَك خيلُ محمد فاصنعه الآن، فقلت: ولِمَ ثكلتك أمك؟ فقال: إني رأيت رايات تجوس خلال الديار، فسألت عنها فقيل لي: هذه جيوش محمد قد قدمت، فقلت له: أعدد لي النوق التي أمرتك بها ، وقربها مني، ثم نهضت من ساعتي، فودعت أهلي وأولادي إلى الرحيل عن أرضي التي أحبها ، وجعلت أعد السير نحو بلاد الشام للِّحاق بأهل ديني من النصارى، وأنزل بينهم، -لكنه وقع في غلطة كبيرة ارتكبها، فكانت سببَ إسلامه-، وقد أعجلني الأمر عن استقصاء أهلي كلهم، فلما اجتزت مواقع الخطر، تفقدت أهلي فإذا لي أن تركت أختًا لي في مواطننا بنجد، مع من بقي هناك من طيىء، ولم يكن مِن سبيل إلى الرجوع إليها، فمضيت بمَن معي حتى بلغت الشام، وأقمت فيها بين أبناء ديني، أما أختي فقد نزل بها ما كنت أتوقعه وأخشاه)). أخته سفانة من أذكى نساء العرب، ولها قصة مع رسول الله. قال: ((ولقد بلغني وأنا في ديار الشام أن خيل محمد صلى الله عليه وسلم أغارت على ديارنا، وأخذت أختي في جملة من أخذته من السبايا، وسيقت إلى يثرب، وهناك وضعت مع السبايا في حظيرة عند باب المسجد، فمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، فوقفت، -وكانت ذكية جداً-، وقالت: يا رسول الله، -خاطبته بالرسالة وهذا عقل راجح، وهي لم تسلم- وقالت له: يا رسول الله، هلك الوالد ، وغاب الوافد، فامننْ عليَّ مَنَّ الله عليك، فقال عليه الصلاة والسلام: ومَن وافدُك؟ الوالد معروف حاتم الطائي، الوافد من؟ قالت: عدي بن حاتم، فقال عليه الصلاة والسلام: الفار من الله ورسوله، ثم مضى، وتركها صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم بشيء، فلما كان الغد مر بها، فقالت له مثل قولها بالأمس، وقفت، وقالت: يا رسول الله, هلك الوالد، وغاب الوافد، فامننْ عليَّ مَنَّ الله عليك، قال: من الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله، ثم تركها ومضى، فلما كان بعد الغد مرَّ بها، فقامت إليه، وقالت: يا رسول الله, هلك الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلِّيَ عني، ولا تشمت بي أحياء العرب، لأنها شريفة، قالت: فإن أبي كان سيد قومه، يفكّ العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذِّمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكَلَّ، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فردَّه خائب، أنا بنت حاتم الطائي، قال عليه الصلاة والسلام: يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً، معنى ذلك أنّ الإنسان قد يكون بعقل راجح جداً ، وبذكاء لامع، قد يعمل أعمالاً طيبة فيثني عليه الناس بها، ولكنها ليست طاعة لله عز وجل، فرق كبير بين أن تكون كاملاً لتنتزع إعجاب الناس, وبين أن تكون كاملاً لتتقرب إلى الله عز وجل، الأول سلوك اجتماعي ذكي، أمّا الثاني فهو عبادة، والسلوك الاجتماعي الذكي تحصل ثماره في الدنيا فقط، لكن العبادة تحصل نتائجها في الدنيا و الآخرة معاً . ثم قال عليه الصلاة والسلام: (( ارْحَمُوا ثَلاَثَةً: عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلَّ، وَغَنِيَّ قَوْمٍ افِتَقَرَ، وَعَالِماَ بَيْنَ جُهَّال ))، وامتن عليها بقومها، فأطلقهم جميعاً تكريماً لها، فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمةً عن كريم إلا جعلك سبباً في ردِّها عليه.
لما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: خلوا سبيلها فإنّ أباها يحب مكارم الأخلاق، -والآن اسمعوا دقة موقف النبي- (( قال لها: يا جارية إلى أين تريدين أن تذهبي؟ قالت: أريد اللحاق بأهلي في الشام، فقال: ولكن لا تعجلي بالخروج حتى تجدي من تثقين به من قومك، ليبلغك بلاد الشام، فإذا وجدت الثقة فأعلميني، - وكأنها ابنته - ثم أقامت حتى قدم ركب فيهم من تثق به، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: يا رسول الله, لقد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ، فكساها النبي صلى الله عليه وسلم، ومنحها ناقة تحملها، وأعطاها نفقة تكفيها، وأطلق سراح قومها كلهم إكراماً لها، ولم يسمح لها بالخروج إلا مع من تثق به، كي يبلغها أهلها بسلام، فخرجت مع الركب )).
فلْنعُدْ إلى عدي بن حاتم في بلاد الشام، وهو هارب، قال عدي: ((ثم جعلنا بعد ذلك نتنسم أخبارها، ونترقب قدومها، فو الله إني لقاعد في أهلي إذ أبصرت امرأة في هودجها تتجه نحونا، فقلت: ابنة حاتم، فإذا هي هي، فلما وقفت علينا بادرتني بقولها القاطع الظالم، لقد احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والدك وعورتك، فقلت: أيْ أُخَيَّة لا تقولي إلا أنْ تقولي خيراً، وجعلتُ أسترضيها حتى رضيت، وقصَّتْ علي خبرها، فإذا هو كما تناهى إليَّ، فقلت لها وكانت امرأة حازمة عاقلة: ما ترين في هذا الرجل، يعني محمداً، قالت: أرى والله أن تلحق به سريعاً، فإن يكن نبياً فلسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلن تذل عنده، وأنت أنت، قال عدي: فهيأت جهازي، ومضيت حتى قدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير كتاب ولا أمان، وكان عديّ بن حاتم يتصور أن يقتله النبي، وكان بلغني أنه قال: إني لأرجو أن يجعل الله يد عدي في يدي، نتعاون، وقد بعث له بهذا الخبر، فدخلت عليه وهو في المسجد، فسلمت عليه، قال: من الرجل؟ قلت: عدي بن حاتم، فقام إلي، وأخذ بيدي، وانطلق بي إلى بيته، فو الله إنه لماضٍ بي إلى البيت إذ لقيَتْه امرأة ضعيفة كبيرة، ومعها صبي صغير، فاستوقفته، وجعلت تكلمه في حاجة لها، فظل معها حتى قضى حاجتها، وأنا واقف، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملِك، ثم أخذ بيدي حتى أتينا منزله، فتناول وسادة من أدم محشوة ليفاً، فألقاها إليَّ، وقال: اجلس على هذه، فاستحييت منه ، وقلت: بل أنت تجلس عليها، قال: بل أنت، فجلستُ عليها، وجلس رسول الله على الأرض، إذْ لم يكن في بيته سواها، فقلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم التفتَ إليَّ وقال: إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسياً تدين بدين بين النصرانية والصابئة؟ قلت: بلى, قال: ألم تكن تسير في قومك بالمرباع، تأخذ ربع أموالهم، فتأخذ منهم ما لا يحل لك في دينك، فقلت: بلى، وعرفت عندئذٍ أنه نبي مرسل، يعلم ما نجهل، ثم قال لي: لعلك يا عدي, إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجة المسلمين وفقرهم، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم، حتى لا يوجد من يأخذه، لتوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف إلا الله، ولعله يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى أن المُلْك والسلطان في غيرهم، وايمُ الله لتوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، وإن كنوز كسرى قد صارت إليهم، فقلت: كنوز كسرى؟ قال: نعم كنوز كسرى، قال عدي : عندئذ شهدت شهادة الحق، وأسلمت)).
عُمِّرَ عدي طويلاً، وكان يقول: ((لقد تحققت اثنتان، وبقيت الثالثة، وإنها والله لا بد كائنة ، فقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف شيئاً، حتى تبلغ البيت، وكنتُ في أول خيل أغارت على كنوز كسرى، هو نفسه وأخذتها، وأحلف بالله لتجيئَن الثالثة، ولقد شاء الله أن يحقق قول نبيه عليه الصلاة والسلام، فجاءت الثالثة في عهد الخليفة الزاهد العابد عمر بن عبد العزيز، حيث فاضت الأموال على المسلمين حتى جعل مناديه ينادي: من يأخذ أموال الزكاة؟ من فقراء المسلمين؟ فلا يجد أحداً)).
