الحج في الإسلام: برهان المحبة وطريق الميلاد الجديد
أيها الأخوة الكرام، الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو عبادة مالية بدنية شعائرية في آن معاً، وهو تلك الرحلة الفريدة في عالم الأسفار، ينتقل فيها المسلمُ ببدنه وقلبه إلى البلد الأمين، الذي أقسم الله به في القرآن الكريم، ليقف في عرفات الله، وليطَّوف ببيته الحرام، الذي جعله الإسلامُ رمزاً لتوحيد الله، ووحدة المسلمين، ففرض على المسلم أن يستقبله كلَّ يوم خمس مرات في صلواته، قال تعالى:
﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾
ثم فرض عليه أن يتوجَّه إليه بشخصه، إلى بيت الله الحرام، ويطوفَ به بنفسه، في العمر مرة واحدة، إن هذا البيت العتيق هو أول بيت وُضع للناس، هو أول بيت أُقيم في الأرض لعبادة الله، مجدِّدُ بنائه الخليل إبراهيم، وولده الذبيح إسماعيل، وهما الرسولان الكريمان اللذان جعل الله من ذريتهما هذه الأمة المسلمة، واستجاب دعوتهما الخالصة، وهما يُشيدان هذا البناء العتيد، قال تعالى:
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ*رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((أنا دعوة إبراهيم وبُشرى عيسى بن مريم))
الحج أيها الأخوة ، برهان عملي يقدمه المؤمن لربه ولنفسه، على أن تلبية دعوة الله بدافع محبته، وابتغاء رضوانه، أفضل عنده من ماله، وأهله، وولده، وعمله، ودياره، ومما تتميز به هذه العبادة أنها تحتاج إلى تفرغ تام، تصلي وأنت في بيتك، وأنت في بلدك، وأنت في عملك، وأنت في وظيفتك، وأنت في تجارتك، لكن هذه العبادة تحتاج إلى تفرغ تام، فلا تؤدى إلا في بيت الله الحرام، إذاً لا بدّ من مغادرة الأوطان، وترك الأهل والخلان، وتحمُّل مشاقِّ السفر، والتعرض لأخطاره، وإنفاق المال في سبيل رضوانه، وإذا صحّ أن ثمن هذه العبادة باهظ التكاليف فإنه يصحُّ أيضاً أن ثمرة هذه العبادة باهرة النتائج، حيث قال المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم:
((من حجَّ فلم يرْفُثْ ولم يفْسُقْ رَجَعَ من ذنوبه كيومَ ولدته أمه))
