بحث

ثمامة بن أثال الملك المؤمن حتى النهاية

ثمامة بن أثال الملك المؤمن حتى النهاية

بسم الله الرحمن الرحيم

ثمامة بن أثال يريد قتل النبي:  

      أيها الأخوة الأكارم، مع صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم سيدنا ثمامة بن أثال، ولهذا الصحابي قصةٌ فريدة، يبدو أنَّ كل صحابي يمثلُّ نموذجاً فذًّا، يمكن أن يكون قدوةً لشريحةٍ كبيرةٍ من المجتمع، ففي السنة السادسة للهجرة، عزم النّبي صلّى الله عليه وسلّم، على أن يوسِّع نطاق دعوته.  

      فالمؤمن لو أنّه اهتدَى إلى الله عزَّ وجل، واهتدى معه أهلُه، لكنه طموح، ولا يرضى أن يهتدي معه فقط ثلةٌ قليلةٌ من بني عشيرته، ويبقى النّاسُ في جهالةٍ جهلاء، ليس هذا من شأن المؤمن، لكنّ المؤمن يهمه أن يعمَّ الهدى الأرضَ كلّها، وأن ينتشرَّ الهدى في الخافقين.  

      فلذلك أراد النّبي عليه الصلاة والسلام في السنة السادسة للهجرة أنْ يوسِّع نطاق دعوته إلى الله، لأنَّ دعوة النّبي عليه الصلاة والسلام موجهةٌ إلى الأممِ كلِّها، وإلى كلِّ الشعوب، قال تعالى:  ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً)  

      الأنبياء السابقون كلُّ نبيٌ منهم كان مرسلاً إلى قومٍ بالذات، لكن النبي عليه صلوات الله وسلامه أرسله الله إلى أمم الأرض كلها، لذلك كان خاتم النبيِّين، فكتب ثمانية كتبٍ إلى ملوك العرب والعجم، وبالمناسبة الرسائل لها دور كبير، فبعضُ الناس قد يتوب إلى الله من خلال رسالة صادقة،   

       سيدنا عمر أرسل إلى صديقه الذي ذهب إلى الشام ووقع على الخمرة، وأدمن عليها، فلما بلغه النبأ تألم أشد الألم، وكتب له: من عبد الله عمر بن الخطاب إلى فلان، أما بعد، أحمد الله إليك: ( غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)  

       فجعل هذا الصديق يقرأ كتاب عمر بن الخطاب ويبكي، إلى أن حملته هذه الرسالة على التوبة  

      المؤمن الصادق يدعو تارةً بلسانه، تارةً بقلبه، تارةً بمعروفه، تارةً بزيارته، تارةً ببذله، تارة بالإقناع، تارة بالمنطق، همه كبير وهدفه نبيل، وشرفه من شرف دعوته، ويمثُّل هذا الدين، كلُّ مسلم يشعر أنه سفير المسلمين ويمثِّلهم.  

      بعث بها إليهم يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكان مِن جملة مَن كاتبهم ثمامة بن أثال الحنفي، أحد ملوك العرب، سيدٌ من سادات بني حنيفة المرموقين، وملكٌ من ملوك اليمامة الذين لا يُعصَى لهم أمر، تلقَّى ثمامة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بالزراية والإعراض، وأخذته العزة بالإثم، فأصمَّ أذنيه عن سماع دعوة الحق والخير، قال تعالى: ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)  

      صحَّة السماع تعني المبادرة إلى التطبيق، وصحة السماع تعني أن تتوب إلى الله عزَّ وجل، قال عز وجل: ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)  

      أيها الأخوة، ركبه شيطانه، فأغراه بقتل النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الملك هكذا عنَّت له نزوة طارئة، أن يقتل النبي ويريح الناس منه، وقد قال الله عز وجل: ( مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ)  

      فمَن توهَّم أن الله عزَّ وجل لا ينصر النبي عليه الصلاة والسلام، فليفعلْ ما يشاء، ولن تتحقّق رغبته وأمنيته، لأن أمنيته سرابٌ بِقِيعَةٍ، واللهُ عزَّ وجل ناصر نبيه، رسول رب العالمين، أيعقل أن يسلمه؟ هذا معنى قول الله عزَّ وجل: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )

      لا يستطيع أحدٌ أن يقتل النبي، أبداً، هذا معنى: ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)  

      يعصمك مِن أن تُقْتَل، فإذا قُتِلتَ فقد انتهت الدعوة مع قتلك،   

      هذه عصمة النبي، معصوم عن الخطأ، والله عصمه مِن أن يُقتَل.  

      فدأب يتحيَّن الفرص للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أصاب منه غرة غفلةً، وكادت تتم الجريمة الشنعاء لولا أن أحد أعمام ثمامة ثناه عن عزمه في آخر لحظة، فنجَّى الله النبي من شرِّه، فإلى هذه الدرجة بلغت عداوته للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن ثمامة إذا كان قد كفَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكفَّ عن أصحابه، حيثُ جعل يتربَّصُ بهم، حتى ظفر بعددٍ منهم، وقتلهم شرَّ قتلة، لذلك أهدرَ النبي عليه الصلاة والسلام دمه، وأعلن هذا في أصحابه، أنّ هذا الرجل دمه مهدور.  

ثمامة أسير بين أيدي المسلمين:  

      ذكِّركم كلمة كنت أرددها: هكذا تدار الأمم، لا بالانتقام، ولكن بالعقل والغفران، هذا الإنسان، ما جزاؤه؟ القتل والتنكيل، ولم يمض على ذلك طويل وقتٍ حتى عزم ثمامة بن أُثال على أداء العمرة، على النمط الجاهلي، فانطلق من أرض اليمامة، مولياً وجهه شطر مكة، وهو يمنِّي نفسه بالطواف حول بالكعبة، والذبح لأصنامها، وبينما كان ثمامة في بعض طريقه، قريباً من المدينة، نزلت به نازلة، لم تقع له في الحسبان، ذلك أن سريةً من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تجوس خلال الديار، خوفاً من أن يطرق المدينة طارق، أو يريدها معتدٍ بشر، فأسرت السريةُ ثمامةَ بن أثال، وهي لا تعرفه، فألقت عليه القبض وأسرَتْه، وأتت به إلى المدينة، وشدّته إلى ساريةٍ من سواري المسجد، وهذه طريقة سجنه، وهي تنتظر أمر النبي عليه الصلاة والسلام في شأن هذا الأسير، ولما خرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد، وهمَّ بالدخول فيه، رأى ثمامة مربوطاً في السارية، فقال لأصحابه:   

       أتدرون من أخذتم؟   

       قالوا: لا، يا رسول الله!   

       قال: هذا ثمامة بن أثال الحنفي.  

      ماذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام لهذا الملك الحاقد الذي أراد قتله، والذي جمع أصحاباً له، ونكَّل بهم وقتلهم شر قتله؟ هنا الوقفة، وهنا الحقيقة، فأيّ إنسان على وجه الأرض تمكَّن مِن عدوٍّ لدودٍ، وخصمٍ عنيدٍ، ومبغضٍ حاقدٍ، وألقى القبض عليه، فلا بدَّ أن يقتله، وربما كان قتله لا يشفي غليل الأول، فماذا يفعل به إذًا؟ يأمر بتعذيبه، والتمثيل به، ثم قتله  

       قال عليه الصلاة السلام، حينما رأى ثمامة بن أثال مربوطاً إلى ساريةٍ من سواري المسجد، قال: أحسنوا إسارَه،   

      لماذا؟ إنه خلاف المألوف، الجواب هو أن النبي عليه الصلاة والسلام، لا يمكن أن يبغض إنساناً لذاته، لكن يبغضه لعمله، فإذا كان هناك أملٌ في هدايته، ونقله من الضلالة إلى الهدى، ومِن الضياع إلى الرُشد، ومن الخطأ إلى الصواب، فمرحباً بذلك،   

       فالنبيّ عليه الصلاة والسلام، قال: أحسنوا إسارَه،   

      أيْ أحسٍنوا إلى هذا الأسير  

       ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى أهله، وقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام، وابعثوا به إلى ثمامة بن أثال،   

      ليطعمه من طعام بيته،   

       فجمع من طعام أهله شيئًا، وأرسله إلى ثمامة بن أثال ثم أمر بناقته أن تُحلب له في الغُدو والرواح، وأن يُقدَّم لبنها إلى ثمامة بن أُثال  

      ما هذا يا رسول الله؟! هذا الذي أراد أن يقتلك، أراد أن ينكِّل بأصحابك، وبل نكَّل بهم، وجمع عدداً منهم، وقتلهم شر قتلة، ثم تجمع له من طعام بيتك، وتأمر بحلب ناقتك، وترسلها إلى ثمامة، ليأكل وليشرب، وتمَّ ذلك كلُّه قبل أن يلقاه النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقبل أن يكلمه، بعد أن أكل وشرب وشبع، وشعر أن هذا من عند النبي عليه الصلاة والسلام أقبلَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام على ثمامة.   

      فإذا كان لك عدو لدود، وخصم عنيد، وإنسان أوقع فيك أشدَّ أنواع الأذى، ثم وقع في قبضتك، فأنت بين أمرين؛ إمّا أن تنتقم منه، وتشفي غليلك، وإمّا أن تسعى كي يُسلم، وكي يهتدي، وقد ملكتَ أمره، ووقع في قبضتك، فإذا اخترت الانتقام، فما أبعدك عن الإيمان، وإن اخترت له الهداية، وصفحت عنه، وعفوت عنه، فقد أفلحتَ وأنجَحتَ، وربنا عزَّ وجل يأمرنا بالصفح فيقول:  ( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)  

      هذه أخلاق الأنبياء.  

قصة إسلام ثمامة بن أثال:          

      أيها الأخوة،   

       أقبل عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال: ما عندك يا ثمامة؟   

      فقال ثمامة: عندي يا محمد خير، فإن تقتل تقتل ذا دم،   

      يعني إن قتلتني فأنت محق، والحق معك، وأنا أستحق أن أُقتل لأنني قاتل  

      وإن تنعم علي بالعفو، تنعم على شاكر  

أنا لا أنسى لك هذا المعروف  

وإن كنت تريد المال، فسَلْ تُعطَ منه ما شئت  

وإن أردت المال فاطلبْ منه ما تشاء، وسل منه تُعطَ ما تشاء،   

       فالنبي ما قال شيئًا، فتركه وعاد.  

تركه النبيّ عليه الصلاة والسلام يومين على حاله، يؤتى له بالطعام والشراب، ويحمل إليه لبن الناقة، ثم جاءه ثانيةً،   

       قال: ما عندك يا ثمامة؟   

قال: ليس عندي إلا ما قُلت لك من قبل  

       فتركه النبيّ عليه الصلاة والسلام، حتى إذا كان في اليوم التالي، جاءه فقال: ما عندك يا ثمامة؟   

قال: عنـدي ما قلت لك: إن تنعم، تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، أعطيتك منه ما تشاء.  

       فالتفت النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه، وقال: أطلِقوا ثمامة، وفكُّوا وثاقه، وأطلقوه  

      يعني عفا عنه، لكن هذا من شأن النبيّ عليه الصلاة والسلام، فالله عزَّ وجل فتح بصيرته، ولا شك أن النبيّ عليه الصلاة والسلام توسَّم فيه الخير، وهذا موقف غريب جداً، وموقف غير معقول، قاتل نكَّل بأصحابه، عفا عنه، وأكرمه هذا الإكرام، وأطعمه الطعام، وسقاه هذا اللبن!.   

       غادر ثمامة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى حتى إذا بلغ نخلاً من حواشي المدينة، قريباً من البقيع، فيه ماءٌ، أناخ راحلته عنده، وتطهَّر من مائه، فأحسن طهوره، ثم عاد أدراجه إلى المسجد، فما إن بلغه، حتى وقف على ملأٍ من المسلمين، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.  

      فهذا الإنسان على جانب عالٍ من الذكاء، ما أراد أن يسلم وهو مقيَّد، وما أحب أن يُسلم تحت ضغط الأسر، لكن حينمـا عفا عنه النبي، أعلن إسلامه  

       قال: يا محمد، والله ما كان على ظهر الأرض وجهٌ أبغض إليّ من وجهك،   

      العرب كانوا صرحاء، وما تسمع الآن إلا مديح كاذب، وزورٌ وبهتان  

       وقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلُّها إليّ.  

      هذا بالإحسان، وأنت أيها المؤمن، بإمكانك تنقل إنسان من أشد أنواع العداوة والبغضاء إلى أشد أنواع الحب والولاء، بإحسانك، افتح القلوب بإحسانك، قبل أن تفتح الآذان لبيانك،   

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس  

      ويتابع ثمامة فيقول:   

       ووالله يا محمد، ما كان دينٌ أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك اليوم أحبَّ الدين كله إليّ، ووالله يا محمـد، ما كان بلدٌ أبغض إلـيّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ، ثم قال: يا محمد، لقد كنت أصبت في أصحابك دماً، فما الذي توجبه عليّ؟   

       فقال عليه الصلاة والسلام: لا تثريب عليك يا ثمامة، فإن الإسلام يجُبُّ ما قبله.  

      أنت حينما تتوب فكل شيءٍ سبق هذه التوبة عفا الله عنه، وبشَّره بالخير، الذي كتبه الله له بإسلامه، فانطلقت أسارير ثمامة، وانفرجتْ  

       وقال: والله يا محمد، لأُصيبن من المشركين أضعافَ ما أصبت من أصحابك، ولأضعن نفسي وسيفي ومن معي في نصرتك، ونصرة دينك   

      وهنا وقفة أُخرى، إذَا أقنعتَ إنسانًا له شأن، فاعتقد اعتقاداً جازماً صحيحًا، فإنّ كل أتباع هذا الإنسان يصيرون إلى دينه، وإذا أقنعتَ مثلاً رب أُسرة بالإيمان، إذا أقنعت الابن قناعة كافيةً فهذا أجود، لكن يبقى موقفُه ضعيفًا في الأُسرة، أمّا لو أقنعت الأب لوجَّه أولاده جميعاً، لو أقنعتَ مدير مؤسسة، أو أقنعت مدير مستشفى مثلاً، فكلما رفعت مستوى الدعوة، هؤلاء لهم أتباع، هؤلاء لهم مراكز قِوى، هؤلاء بإمكانهم أن يؤثروا في الآخرين، ولقد دعا النبي اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربَّه أن يعز الإسلام برجلين،   

      قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،:  اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ  

ثمامة يؤدي العمرة على شرع الله ورسوله :  

      كان ثمامة أصلاً متوجِّهًا للعمرة، وبالمناسبة في بعض مواسم الحج السابقة، أُلقيتْ بعض الندوات والمحاضرات، وكان في المجلس رجل من العالم الغربي، أسلم وحسُن إسلامه، وامتلأ قلبه بالإيمان، وهو على مستوى رفيع جداً من الثقافة، فألقى محاضرة في مكة المكرمة، قال فيها: نحن أقوى أُمم الأرض، فإذا أقنعتمونا بالإسلام، فكل قوتنا تتحوّل لكم، يعني نحن أقوى أُمة، بأيدينا السلاح المدمِّر، السلاح الفتَّاك، التكنولوجيا، الأقمار الصناعية، الكمبيوتر، فإذا أقنعتمونا بالإسلام، وهديتمونا إليه، فكل قوتنا تصبح بين أيديكم، يعني أنت همَّك الأول هداية الناس، فإذا اهتدى إنسان قوي، فكل قوته تصبح للإسلام،   

      لذلك يقول الإمام مالك إمام دار الهجرة:  لو أن ليّ دعوةً مستجابةً، لادَّخرتها لأُولي الأمر  

      لأن في صلاحهم، صلاح الأُمة، القوة لها شأن كبير، إذا كان الإنسان قويًّا فأقنعته بالدين، فإنّ كل قوته، وكل ذكائه، وكل أتباعه، وكل إمكاناته، تصبح في خدمة هذا الدين.  

       قال: يا رسول الله! إن خيلك أخذتني، وأنا أُريد العمرة، فماذا ترى أن أفعل؟،   

       فقال عليه الصلاة والسلام: امضِ لأداء عمرتك، ولكن على شِرعة الله ورسوله.  

      مضى ثمامة إلى غايته، حتى إذا بلغ بطن مكة وقف يجلجل بصوته العالي،   

       قائلاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمـد، والنعمة، لك والملك، لا شريك لك، لا شريك لك   

      فكان أول مسلمٍ على ظهر الأرض يدخل مكة ملبِّياً، ولا تزال مكة بيد الكفار، ولا يزال فيها الأصنام.  

      سمعت قريشٌ صوتَ التلبية، فهبَّت غاضبةً مذعورة، واستلت سيوفها مِن أغمادها، واتجهت نحو الصوت لتبطش بهذا الذي اقتحم عليها عرينها، ولما أقبل القوم على ثمامة، رفع صوته بالتلبية رفع العيار، وهو ينظر إليهم بكبرياء، فهمَّ فتىً من فتيان قريش أن يرديه بسهمٍ، فأخذوا على يديه، وقالوا: ويحك أتعلم من هذا؟ إنه ثمامة بن أثال، ملك اليمامة، فقتْلُه يشعل علينا نارَ حربٍ كبيرةٍ، أخذوا على يديه، ومنعوه أن يناله بسهم، وقال الناصح: والله إن أصبتموه بسوءٍ لقطع قومه عنا الميرة، وأماتونا جوعاً، ثم أقبل القوم على ثمامة، بعد أن أعادوا السيوف إلى أغمادها،   

      وقالوا: ما بك يا ثمامة، أصَبَوْتَ؟ يعني أسلمت، وتركتَ دينك ودين آبائك،   

       قال: ما صبوت، ولكني اتبعتُ خير دينٍ، اتبعت دين محمد، ثم أردف يقول: أُقسم بربِّ هذا البيت إنه لا يصل إليكم بعد عودتي إلى اليمامة حبةٌ من قمحها، أو شيءٌ من خيراتها، حتى تتبعوا محمداً عن آخركم.  

      ثم اعتمر ثمامة بن أُثال على مرأى من قريش كما أمره النبيّ عليه  الصلاة والسلام أن يعتمر، وذبح تقرباً إلى الله، لا للأنصاب والأصنام، ومضى إلى بلاده، فأمر قومه أن يحبِسوا الميرة عن قريش، فصدعوا لأمره، واستجابوا له، وحبسوا خيراتهم عن أهل مكة، لكنّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما أكرمه، وحينما عفا عنه، أراد من خلال ذلك أن يهتدي، ويهتدي معه قومه، رحمة، عفو، حنكة، سياسة، عفو عند المقدرة، دعوة إلى الله عميقة، لأن هذا إنسان قوي، إذا أسلم فكلُّ أتباعه، يصبحون مسلِمين.  

      أخذ الحصار الذي فرضه ثمامة على قريش، يشتدُّ شيئاً فشيئاً، فارتفعت الأسعار، والآن النظام العالمي الجديد يتخذُّ الحصار علاجًا، لكن بغير الحقّ، بل بالباطل، فارتفعت الأسعار وفشا الجوع في الناس، واشتد عليهم الكرب، حتى خافوا على أنفسهم وأبنائهم أن يهلكوا جوعاً، عند ذلك كتبوا إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، صار النًبي ندًّا لهم، كان ضعيفاً مستضعفاً، ائتمروا على قتله، أخرجوه من بلاده، نكَّلوا بأصحابه، وهم أشداء أقوياء، ولكن الله لهم بالمرصاد ثم أرادوا أن يتوسَّلوا إلى النّبي عليه الصلاة والسلام ليأكلّوا، فكتبوا إلى النّبي عليه الصلاة والسلام قائلين: إن عهدنا بك أنك تصل الرحم، وتحضُّ على ذلك، وها أنت قد قطعتَ أرحامنا، فقتلتَ الآباء بالسَّيف، وأمتَّ الأبناء بالجوع، وإنَّ ثمامة بن أُثال، قد قطعَ عنا ميرتنا، وأضرَّ بنا، فإن رأيت أن       تكتب إليه أن يبعث إلينا بما نحتاج إليه فافعل.  

عرفوا أنّ مفتاحه عند رسول الله، فكتب النّبي عليه الصلاة والسلام إلى ثمامة بأن يطلق لهم ميرتهم، فأطلَقها، وهذا انضباط.  

حربه المرتدين:  

      ظلَّ ثمامة بن أُثال ما امتدّت به الحياة وفياً لدينه، حافظاً لعهد نبيه، فلّما التحق النبي صلّى الله عليه وسلّم بالرفيق الأعلى، طفق العرب يخرجون من دين الله زرافاتٍ ووحدانًا، الذي دخل بسهولة، يخرج بسهولة، أمّا الذي دخل بعد قناعة عميقة، وبعد محاكمة فكرية، فعزيزٌ عليه الارتداد، ولن يكون.  

      فإذا جاء معك إلى المسجد مِن أول دعوة دعوته بها، فاستجاب، وقعد في مجلس العلم بهذه البساطة، فهذا الإنسان الذي جاء بهذه البساطة يمكن أن يترك لأتفه الأسباب، أما الذي عنده محاكمة، فكَّر، وتأمل، واستمع، وناقش، وسأل، واعترض، وقال: عندي شبهة فاكشفوها لي، وما استسلم إلا بعد محاكمة طويلة، وبعد سؤالٍ وجواب، وبعد حوارٍ مديد، وبعد تبصُّر، وبعد تأمُّل، فهذا الإنسان دخل ساحةَ الدين بقناعةٍ، وبحثٍ، ودرسٍ، ومِن رابع المستحيلات أن يتركه بسببٍ تافه، أنت مع مَن؟ مع خالق الكون، ومَن عاهدت؟ عاهدت الله عزَّ وجل، واللهُ عظيم، فاثبتْ واذكرْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثباتهم، وعاقبة أمرهم.  

      لما قام مسيلمة الكذاب، في بني حنيفة، يدعوهم إلى الإيمان به، وقف ثمامة في وجهه، وقال لقومه:   

       يا بني حنيفة، إياكم وهذا الأمر المظلم الذي لا نور فيه، إنه واللهِ لشقاءٌ كتبه الله عزَّ وجل على مَن أخذ به منكم، وبلاءٌ على من لم يأخذ به، ثم قال: يا بني حنيفة، إنه لا يجتمع نبيَّان في وقتٍ واحد، وإن محمداً رسول الله لا نبي بعده، ولا نبي يُشْرَك معه، ثم قرأ عليهم: ( حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ )

       ثم قال: أين كلام الله هذا من قول مسيلمة؟ يا ضفدع نِقِّي ما تَنِقِّين، لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدَّرين.  

      هذا كلام مسيلمة، ولما كذَّب مسيلمة الكذاب بالفطرة، فقد تنكر الفطرة القائمة في نفسه، والإيمان بالقرآن يتمّ بالفطرة، من دون دليل، تقرأ القرآن، تشعر أنه كلام خالق الكون، تقرأ كلامًا منحولاً، مفترى، تشعر أنه سخيف، تافه، كلامٌ لا يقف على قدمين، وهناك الأدلة علمية، والأدلة الإعجازية، ولدينا أدلة نقلية وعقلية، مع دليل بسيط، هو دليل الفطرة، مثلاً لما قال ربنا عزَّ وجل: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)  

      تشعر أنَّ هذا كلام الله: ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ ) (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً )

      تشعر بالفطرة، بلا دليل، بلا تعليل، بلا محاكمة، أنَّ هذا كلام الله، أمًّا: يا ضفدع نِقِّي ما تنقِّين، لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدرين، فهذا هراءٌ وجزاف.  

       ثم انحاز لِمَن بقي على الإسلام من قومه، ومضى يقاتل المرتدين، جهاداً في سبيل الله وإعلاءً لكلمة الله في الأرض، فقد أدرك الحقَّ، واستجاب له  

      قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )

      الإنسان قبل الإيمان ميت، قال سبحانه: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)  

      والكافر في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، لكنّ المؤمن استنار عقلُه، وطهُرت نفسه، وامتلأ قلبه سعادةً، وضبط سلوكه، وسددَّ خطاه، وامتلك رؤيةً صادقة، وعزماً متيناً، وإرادةً صلبةً، هذا هو الإيمان.  

مواقف ثمامة قبل الإسلام وبعده :  

      فهذا ثمامة بن أُثال، فكم كان البَوْنُ شاسعًا بين حياته قبل الإسلام، يوم كان ملِكًا، غاشمًا، حقودًا، قاتلاً، وأراد أن يقتل النّبي، ثمَّ صُرِف عن قتله، وجَمَع نفرًا من الصحابة وقتلهم شرَّ قتله، فلمّا عرف الله عزَّ وجل، أصبح إنسانًا آخر، كلُّ طاقاته، وكلُّ إمكاناته موظفةٌ في خدمة الحق؟.  

      هذا هو المؤمن بذكائه، بلسانه، بعضلاته، بوقته، باختصاصه، بخبراته، بأولاده، بأسرته، كلُّ إمكاناته سخَّرها في سبيل الله مضحِّيًّا صادقًا، أما قبل ذلك فكانت كلُّ إمكاناته في سبيل الشيطان، في سبيـل المصالح الدنيوية، لذلك فالحياة لا تستقيم إلا بالإيمان، ولا يسعد الإنسان إلا بالإيمان، مِن هنا قال عليه الصلاة والسلام:  لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ  

      إنْ صاحبتَ المؤمن فالمؤمن منصف، والمؤمن وفي، والمؤمن صادق، وقَّاف عند حدود الله عزَّ وجل، يحب لكَّ ما يحبُّ لنفسه، ويكره لك ما يكره لنفسك.  

      هذا ثمامة بن أُثال، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، وأكرمه بالجنة التي وعِد المتقون.  



المصدر: السيرة - رجال حول الرسول - الدرس (34-50) : سيدنا ثمامة بن آثال