بادئ ذي بدء، أخطر اتجاه في الإسلام أن ننتقي منه ما يعجبنا، وأن ندع منه ما لا يعجبنا، هذا الاتجاه الانتقائي خطير جداً، لأن هذا الدين كل لا يتجزأ، وهو من عند الخبير، من عند العليم، من عند الذي يعلم وحده أسباب سلامتنا وسعادتنا، فإذا أخذنا منهجه، واخترنا منه ما يعجبنا، وتركنا ما لا يعجبنا لن نستطيع أن نقطف من هذا الدين شيئًا. حينما نجد في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن الجهاد، هذه الخيارات لا بد من أن نكون في مستواها دائماً، وإلا بالغ العدو في إفقارنا، ثم في إضلالنا، ثم في إفسادنا، ثم في إذلالنا، ثم في إبادتنا، والوقائع تؤكد هذه الحقائق. يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لأن الإنسان مخلوق للآخرة له في الدنيا منهج، أما إذا ألغيت الآخرة لا أقول لفظاً، لكن واقعاً، معظم الناس لا يدخلون في حساباتهم الآخرة، حساب الدنيا فقط، حساب الدنيا يقتضي ألا تجاهد، وألا تقاتل، وأن تعيش حياة وديعة مريحة، هذا يتناقض مع الجهاد، لكنك كمؤمن، آمنت أنك مخلوق للجنة، وأن للجنة ثمناً، من أهم أثمانها الجهاد، فلذلك: ((من مات، ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق)) . لكن الحياة فيها ظروف متنوعة، فقد يكون الظرف لا يسمح، ولو أردت بجهاد قتالي، لكن الله سبحانه وتعالى وضعك أمام أنواع كثيرة من الجهاد، لا تقلّ أهميةً عن الجهاد القتالي أبداً منها:
جهاد النفس والهوى:
الجهاد النفسي، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ، جهاد النفس والهوى، وهو أصل الجهاد، وهو الجهاد بالمصطلح الحديث الأساسي، عندنا تعليم أساسي من الأول إلى التاسع، وتعليم ثانوي، وتعليم جامعي، ودراسات عليا، الجهاد النفسي جهاد النفس والهوى هو الجهاد الأساسي. جهاد النفس والهوى متاح لك، جهاد النفس والهوى، غُضّ بصرك، واضبط لسانك، واضبط جوارحك، واضبط دخلك، واضبط إنفاقك.
الجهاد البنائي:
نحن أمة إذا أتقنا أعمالنا طورنا اختصاصاتنا، واستخرجنا ثرواتنا، وفجرنا طاقاتنا، و استصلحنا أراضينا، و أقمنا السدود، و هيئنا فرص عمل. الإرهاب الغربي الدولي المنظم المخطط له المدروس من أجل أن يستمر يحتاج إلى إرهاب إسلامي مستمر، هم يصنعونه لنا، وينسبونه إلينا من أجل تشويه سمعتنا، لذلك إن أعددت لهم العدة من أجل ألا تتهم بالإرهاب تحترم، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ، هذا الجهاد البنائي.
الجهاد التعليمي أو الدعوي:
أن تتعلم الحقيقة والحق، أن تتعلم القرآن الكريم، وأن تعلمه، أن تدعو إلى الله أن تصلح الناس، أن تصلح إذا فسد الناس، هذا جهاد كبير بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ .
فإذا أتقنت الجهاد النفسي، وأتقنت الجهاد البنائي، وأتقنت الجهاد الدعوي ففي الأعم الأغلب أصبح الطريق سالكاً إلى النجاح في الجهاد القتالي.