في الإسلام: لا عبادةَ بلا غاية
بادئ ذي بدء، أودع الله في الإنسان عقلاً، والعقل له مبادئ ثلاثة: مبدأ السببية، مبدأ الغائية، مبدأ عدم التناقض، فالعقل البشري لا يفهم شيئاً بلا سبب، هكذا برمج، والعقل البشري لا يفهم شيئاً بلا غاية، فمن أجل أن تفهم ما حولك يجب أن ترى السبب الكافي لحدوث الذي أمامك، ويجب أن تطلع على الحكمة، أو على الغاية، أو على مصطلح دقيق في الشريعة الإسلامية على المقصد.
ومن نعم الله الكبرى أن ربنا عظيم حينما أمَرنا أعطانا بعض مقاصد الشريعة رحمة بنا، يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: " العبادات في الإسلام معللة بمصالح الخَلق "
الأديان الوضعية التي هي من صنع البشر فيها طقوس وحركات، وسكنات وإيماءات وتمتمات لا معنى لها إطلاقاً، لكن العبادات في منهج الله عز وجل معللة بمصالح الخلق.
قال تعالى:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (45)﴾
مقصد الإله العظيم مِن فرض الصلاة علينا أن نتصل به، وأن نشتق من كماله، وأن يكون هذا الكمال رادعاً لنا عن كل نقيصة وعن كل عيب، إن الصلاة تنهى نهياً ذاتياً عن الفحشاء والمنكر، وأعظم ما في الدين أنه يعتمد على الوازع الداخلي، وأكبر نقيصة في النظم الوضعية أنها تعتمد على الرادع الخارجي.
سيدنا ابن عمر حينما التقى راعياً قال له: بعني هذه الشاة، وخذ ثمنها، قال له الراعي: ليست لي، يقول: قل لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب، يقول الراعي: ليست لي، يقول له: خذ ثمنها، يقول له الراعي: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟
إن منهج الله يعتمد على الوازع الداخلي، وأيّ منهج أرضي يعتمد على الرادع الخارجي، فإذا انقطعت الكهرباء في مدينة كبيرة جداً في دولة عظمى ترتكب في الليلة الواحدة أكثر من مئتي ألف سرقة بأربعة مليارات، لأن الرادع الخارجي تعطل، وهو المراقبة، أما المؤمن فعنده وازع داخلي، فلذلك " الشريعة عدل كلها، مصلحة كلها، رحمة كلها حكمة كلها ".
على كلٍّ ؛ مقصد الشريعة من الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر نهياً ذاتياً.
قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾
مقصد الإله العظيم من أمرنا بالصيام أن نتقي، أي أن نتصل بالله، أن يملأ الله قلبنا نوراً، نرى به الحق حقاً والباطل باطلاً.
حكمة الزكاة، قال تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (103)﴾
فالزكاة تطهر الغني من الشح، وتطهر الفقير من الحقد، وتطهر المجتمع من هذا التفاوت الطبقي الكبير، بل وتطهر المال من تعلق حق الغير به، وتنمي نفس الغني ونفس الفقير، وتنمي المال، وتنمي العلاقات الاجتماعية.
إذاً: العبادات ـ كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ـ في الإسلام معللة بمصالح الخلق.
