بحث

سلمان الفارسي رحلة البحث عن الحقيقة

سلمان الفارسي رحلة البحث عن الحقيقة

بسم الله الرحمن الرحيم

أيهما الصواب أن الإنسان منفعل أم فاعل؟  

      أيها الأخوة الأكارم، مع سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابي اليوم سيدنا سلمان الفارسي، وقد قال عليه الصلاة والسلام:  سلمان منا آل البيت، وأنا جدُّ كل تقي، ولو كان عبداً حبشياً  

      هذه القصة، لعل بعضكم أو أكثركم يعرف خطوطها العريضة، ولكن لا بدَّ من مقدمةٍ حتّى نعرف أبعاد هذه القصة.  

      أحياناً هناك مَن يقول: إن الإنسان ابن بيئته، ابن الظروف المحيطةِ به، ابن أمه وأبيه، ابن وراثته، ابن مستوى ذكائه، وكأن الإنسان منفعلٌ، وليس فاعلاً، تؤثِّر فيه الظروف، والبيئة، وتؤثر فيه وراثته، ونوع التعليم الذي تلَّقَّاه يؤثِّر فيه، وكأن الإنسان والحالة هذه كرة، إن رأت منحدراً، انطلقت، فإن رأت صعوداً وقفت، لكن الحقيقة خلاف ذلك.  

      الإنسان ليس منفعلاً، بل هو فاعل، فإذا أراد الإنسان شيئاً تخطَّى كل العقبات، وإذا صمم على شيء تجاوز كل المشكلات، والحقيقة أنّ الكسالى والمقصِّرين، والعصاة يتمسكون بنظرية أن الإنسان منفعل، يقول لك: ظروفي صعبة، وبيئتي سيئة، وما تلقيت تربية جيدة، وما تعلمت، فكل أخطائه يعزوها إلى جهاتٍ خارجةٍ عنه ويستريح .  

      لكن الحقيقة عكس ذلك، الإنسان فاعل وليس منفعلاً، فهذا الماء منفعل، فإنْ سفحته في منحدر سال نحو الأسفل، وإن سفحته في أرضٍ مستوية تجمَّع بشكلٍ أفقي، وإن أصابته شمسٌ تبخَّر، وهناك قوانين تحكم هذا الماء، فالماء مُنفعل، لكن الإنسان ربما يتحرك بخلاف راحته، وربما يتجاوز كل المثبِّطات في بيئته، وربما يحطم كل عقبةٍ تقف أمامه، ولولا أن الإنسان بهذه الصفة لما كان مكرماً، لو كان الإنسان منفعلاً كما يتوهَّم بعض الناس لمَا كان له قيمة، فحكُمه عندئذٍ حكمُ الأشياء المادِّية، تتحرك بحسب القوانين، وبحسب المعطيات، لكن الإنسان إذا أراد شيئاً، وصل إليه، ولذلك قد قِيل:  إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره، قلما تنقضه الأيام، إذا كان صادراً حقاً عن إرادةٍ وإيمان.  

      أيُعقَل لإنسان في الخامسة والخمسين أنْ يتعلم القراءة والكتابة؟ نعم، إذا كان ذا عزم وبصيرة، أو أنْ يحفظ القرآن الكريم بكامله، أو أنْ يطلب العلم، أو يبدأ بتعلم القراءة والكتاب، وما يموت إلا وهو شيخ الأزهر، أحد شيوخ الأزهر الكبار بدأ تعلُّمه للقراءة والكتابة في الخامسة والخمسين، وحفظ القرآن، وطلب العلم، ومات في السادسة والتسعين، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر، وشيخ الأزهر، أعلى مرتبة في سُلّم المناصب الدينية في مصر.  

      فالإنسان إذا أراد شيئاً لا تستطيع قوةُ في الأرض أن تقف أمامه، لأن الله جهّزه تجهيزًا أساسه الصدق، ولأن ربنا عزَّ وجل حينما خلقه في الدنيا، قال له: عبدي، اطلُبْ تُعطَ، قال تعالى: ( كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً)  

      لكن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل مع التمنيات، بل يتعامل مع الصادقين، اصْدُقْ يصدقْك الله سبحانه وتعالى، أي يحقق نواياك.  

      يوجد عندنا شيء آخر، مثلٌ منتزعٌ من عالم الزراعة، لو جئنا بكمية بذور، ولتكن مئة بذرة، ووزَّعناها على الفلاحين، وراقبنا نبات هذه البذور، فإذا وجدنا عند تسعين فلاحا أنّ هذه البذرة لم تنبت نباتاً جيداً، ولم تثمر الثمر المطلوب، والأوراق صفراء، والبُنية ضعيفة، ورأينا عند عشرة فلاحين، البذرة في أعلى درجات عطائها وإنتاجها، فالعلَّة في الفلاح أم في البذرة؟ في الفلاح، هل تستطيع أن تتهم البذرة؟ ما دام عشرة أشخاص اعتنوا بها عناية فائقة، أعطت محصولاً كبيراً، والنبات تألَّق، فلذلك هؤلاء العشرة حجةٌ على التسعين، ولو قلت: البذرة سيئة، فلماذا نبت هذا النبات الجيد عند الآخرين؟ معناها البذرة جيدة، لكن معظم الَّذين زرعوها أهملوها، ولم يعتنوا بها، ولم يكونوا في المستوى المطلوب، فإذا رأيت الأكثرية مقصّرة، فهل المعنى أن الإنسان منفعل؟ لا.  

 منشأ سلمان الفارسي:  

      موضوعنا اليوم سيدنا سلمان الفارسي، فلا يوجد إنسان أبعد عن الهدى من هذا الإنسان، إليكم الأسباب، لكن أنا كما عوَّدْتُكم أبحث عن قصةٍ لصحابيٍ جليل  يرويها هو، فروايته أشفى للغليل، فسيدنا سليمان كان فتىً فارسياً من أهل أصبهان، من قريةٍ يقال لها: جيَّان، يقول سلمان الفارسي عن نفسه:   

       كنت فتىً فارسياً، من أهل أصبهان،   

      واسمحوا لي بالخروج عن رواية سلمان قليلا.  

      ذات مرةٍ كنا في إيران، وركبنا طائرةً حلَّقتْ على ارتفاع ألف كيلو متر، حتى وصلنا إلى مدينة اسمها مشهد، ثم زرنا قريةً في طـرف المدينة، اسمها طوس، هي بلدة الإمام الغزالي، فكيف قدم الإمام الغزالي من طوس إلى الشام؟ طوس تبعد عن طهران ألف كيلو متر، من طوس إلى طهران، إلى عربستان، إلى بغداد، إلى الشام، فتشعر أن الإنسان الصادق، لا يوجد عقبات أمامه  

       وكان أبي دهقان القرية،   

      معنى دهقان القرية، أي رئيسها وغالباً أبناء الملوك، أبناء الزعماء، أبناء الأغنياء، لشدة المال، والرخاء، والجاه، يعزفون عن الهدى، مشغولون في دنياهم، في نُزهاتهم، في مقاصفهم، في ألعابهم، في الأموال التي بين أيديهم، في المركبات التي يركبونها، فأبعدُ الناسِ عن طلبِ الحق هم أبناء الأغنياء، وأبناء الأثرياء، وأبناء الأقوياء، هؤلاء الدنيا العريضة التي بين أيديهم تشغلهم عن الله عزَّ وجل، فمن كان أبو سيدنا سلمان؟ الله عزَّ وجل جعل هذا الصحابي الجليل حجَّةً على كل الناس، كان أبو سيدنا سلمان دهقانَ القرية، وكان أغنى أهلها، وأعلاهم منزلةً، فشيء مألوف أنْ ترى إنسانًا من الطبقة الوسطى أو الفقيرة يريد الله عزَّ وجل، ويريد الآخرة، يقول لك أهل الدنيا: هذه عملية تعويض، لأنه فَقَدَ الدنيا فالتفت للآخرة، هذا كلام غير صحيح، غير صحيح إطلاقاً، فسيدنا سلمان حجة على هذا الكلام، وقد كان أهل الكهف مِن أبناء النخبة الثرية أيضًا، قال تعالى: ( فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً)  

      أين كانوا يسكنون؟ في القصور، تركوا القصور إلى الكهوف، أرادوا الله عزَّ وجل، فإذا كان موضعَ الهدى، إنسانٌ فقير، قالوا: أراد التعويض عن خسارة الدنيا فالتجأ إلى الآخرة.  

       قال: وكنت أحبَّ الخلق إليه، ثم ما زال حبه بي يشتد، ويزداد على الأيام، حتى حبسني في البيت، خشيةً علي، كما تحبس الفتيات.  

عدم اقتناعه بدينه:  

      قال: وقد اجتهدت في المجوسية،   

      كان مجوسيًّا، وحتى هذا التاريخ أحد أخواننا زار بعض البلاد شمال باكستان، فهناك من يعبدون النار حتى الآن، وأطلعني على تقويم كيف تُنشأ الأبنية، وتوقد فيها النيران ليلاً ونهاراً؟ وهذا الذي يوقد النار ليلاً ونهاراً ذو مستوى عالٍ في دين المجوس،   

       وقال: وقد اجتهدت في المجوسية، حتى غدوت قيمَّ النار،   

      فالذي يوقد النار هو في مرتبة دينية عالية جداً، كان مجوسيًّا، على غني، على وجاهة، على حب، وكل هذه العوامل مثبطاتٌ للهدى  

       حتى غدوت قيم النار التي كنا نعبدها، وأنيط بي أمرُّ إضرامها، حتى لا تخبو ساعةً في ليلٍ أو نهار، وكانت لأبي ضيعةٌ عظيمةٌ تدرُّ علينا غلةً كبيرة، وكان أبي يقوم عليها، ويجني غلَّتها، وفي ذات مرةٍ شغله عن الذهاب إلى القرية شاغل، فقال: يا بني، إني قد شُغلت عن الضيعة بما ترى، فاذهب إليها، وتولَّ اليوم عني شأنها، فخرجت أقصد ضيعتنا، وفيما أنا في بعض الطريق، مررت بكنيسةٍ من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها، وهم يصلُّون، فلفت ذلك انتباهي، قال: فلما تأملتهم، أعجبتني صلاتهم، ورغبت في دينهم، وقلت: واللهِ هذا خيرٌ مِن الذي نحن فيه.  

      بالمناسبة، ما مِن إنسان إلى حدٍ ما في الأعم الأغلب يغدو مؤمناً صادقاً إلا وله طلبٌ قديم منذ نعومة أظفاره يتمنَّى أن يكون مؤمناً، ويتمنَّى أن يكون طائعاً لله عزَّ وجل، يبحث عن الحق بحثًا مستمرًا، وعنده رغبة جامحة، وصدق في طلب الحقيقة.  

      فالإنسان منطقي، لكن يحتاج إلى لحظة صدقٍ مع نفسه، سيدنا نعيم بن مسعود، جاء إلى المدينة، ليحارب رسول الله، جاء مع الأحزاب، الذين حاصروا النبيَّ عشرين يوماً، وفي إحدى الليالي فكرَّ هذا الصحابي تفكيراً صافياً، فقال: لماذا أنا مع هؤلاء؟ لماذا أحارب هذا الرجل الصالح، إلامَ يدعو؟ يدعو إلى عبادة الله خالق الأكوان، وأصحابه أناسٌ طيبون، منصفون، عادلون، لماذا أحاربهم؟ فعلى الإنسان أن يفكر، لماذا أنا أفعل هذا؟ لماذا ابتعد عن هذا؟ لما لا أستجيب؟   

      قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُـوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا  

       تأمل سلمانُ، وأدار فكره- ثم قال: فو اللهِ ما تركتهم، حتى غربت الشمس، ولم أذهب إلى ضيعة أبي، ثم إني سألتهم، أين أصل هذا الدين؟ قالوا: في بلاد الشام،   

      وسلمان يعيش في أصبهان، في بلاد الفرس،   

       ولما أقبل الليل، عُدت إلى بيتنا، فتلقاني أبي يسألني عما صنعت؟ فقلت: يا أبتِ، إني مررت بأناسٍ يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، وما زلت عندهم حتى غربت الشمس، فذعر أبي مما صنعت، وقال: أيْ بني، ليس في ذلك الدين خير،   

      وهذا شأن الآباء، وشأن الذين عطَّلوا عقولهم، فقد أَلِف ما هو مقيمٌ عليه، ويرفض كلَّ تجديد، والإنسان العاقل لا تنطبق عليه الآية الكريمة: ( إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ )

      العاقلُ يقيِّم الأمور، ويتفحَّص، ويتأمَّل، ويزن بميزان العقل، وبميزان المنطق، وبميزان الفطرة.  

      بالمناسبة، هل تدرون من هو الجاهل؟ لعل أكثركم، يقول: الذي لا يعلم، لا، الذي لا يعلم اسمه أمّيّ، أمّا الجاهل فممتلئ معلومات، لكن كلّها غلط، والذي لا يعلم، يقال له: أمِّيّ، أما الذي يعلم مقولات كلها غير صحيحة، فهذا هو الجاهل، فتعريف الجهل: هو عدم مطابقة الكلام للواقع.  

       قال: دينك يا بني، ودين آبائك خيرٌ منه، قلت: كلا والله، إن دينهم لخيرٌ من ديننا، فخاف أبي مما أقول، وخشي أن أرتد عن ديني، وحبسني بالبيت، ووضع قيداً في رجلي،   

      قيد الغنى، وقيد الوجاهة، وقيد التفوق في المجوسية، وقيد المحبة، والقيد الخامس قيدٌ حديديُّ وضعه في رجله- خشية أن يرتد عن دينه.  

سلمان من أولئك الباحثين عن الحقيقة :  

       قال: لما أتيحت لي الفرصة، بعثت إلى النصارى، أقول لهم: إذا قدم عليكم ركبٌ يريد الذهاب إلى بلاد الشام، فأعلموني، فما هو إلا قليلٌ حتى قدم عليهم ركبٌ متجهٌ إلى الشام، فأخبروني به، فاحتلت على قيدي حتى حللته، وخرجت معهم متخفياً، حتى بلغنا الشام.  

      -لذلك قالوا:  هناك أبٌ أنجبك، وهناك أبٌ زوَّجك، وهناك أبٌ دلّك على الله  

      فالأب الذي أنجبك، ينتهي فضله عند الموت، أي هو ساهم بإيجادك، ساهم بأنه جعلك إنساناً، فلما جاء ملك الموت انتهى فضله، والأب الذي زوَّجك ينتهي فضله عليك بفراق زوجتك، أما الأب الذي دلَّك على الله، فهذا يمتد فضله إلى أبد الآبدين، لأنه كان سبباً في إدخالك الجنة، فلذلك هو يبحث عن رجل يدلُّه على الله-.  

       قال: فلما نزلنا في الشام، قلت: من أفضل رجلٍ من أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف راعي الكنيسة فجئته، فقلت: إني قد رغبت في النصرانية، وأحببت أن ألزمك وأخدمك وأتعلَّم منك وأصلي معك، قال: ادخل، فدخلت عليه، وجعلت أخدمه، ثم ما لبثت أن عرفت أن الرجل رجل سوء، فقد كان يأمر أتباعه بالصدقة، ويرغِّبهم بثوابها، فإذا أعطوه منها شيئاً لينفقه في سبيل الله اكتنزه لنفسه، ولم يعطِ الفقراء والمساكين منها شيئاً، حتى جمع سبع قلالٍ من الذهب، -القلال جمع قُلِّة، والقلة الجرة الكبيرة- قال: فأبغضْتُه بغضاً شديداً لِمَا رأيته منه، ثم ما لبث أن مات، فاجتمعت النصارى لدفنه، وتعظيمه، وتأبينه، فقلت لهم: إن صاحبكم كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرغِّبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين منها شيئاً، قالوا: مِن أين عرفت ذلك؟ قلت لهم: أنا أدلُّكم على كنزه، قالوا: نعم دُلنا عليه، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا منه سبع قلالٍ مملوءةٍ ذهباً وفضةً، فلما رأوْها، قالوا: واللهِ لا ندفنه، ثم صلبوه ورجموه بالحجارة،   

      أعظم الأعمال إجراماً أن ترفع مبادئ وشعارات، وأن تفعل خلافها، أن تدعو إلى شيء وألاَّ تأتمر به، ماذا قال أحد الأنبياء؟ قال تعالى: ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ)  

      مِنَ الممكن أنْ يكون لإنسان مظهر، لكن مخبره غير مظهره، هذه أول تجربة من تجارب سيدنا سلمان الفارسي.  

       ثم إنه لم يمضِ غير قليل حتى نصّبوا رجلاً آخر مكانه، فلزمته، قال: فما رأيت رجلاً أزهد منه في الدنيا، ولا أرغب منه في الآخرة، ولا أدأب منه على العبادة ليلاً ونهاراً، فأحببته حباً جماً، وأقمت معه زماناً، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا سيدي إلى من توصي بي، ومع مَن تنصحني أن أكون من بعدك،   

      لأن الله عزَّ وجل يصف أهل الدنيا، وقد فاتهم الإيمان، قال تعالى: ( يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً)  

      مع الرسول، أيْ أنت بحاجة إلى رفيق، إلى إنسان يعينك على أمر دينك، أنت بحاجة إلى جماعة، إلى مجتمع مؤمن، يقوِّي فيك عزيمة الإيمان، يبعدك عن مزالق الشيطان، يرغِّبك في الآخرة، لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله-.  

       قال: أيْ بني، لا أعلم أحداً على ما كنت عليه، إلا رجلاً بالموصل، هو فلان، لم يحرِّف، ولم يبدِّل،   

      المعنى: مَن هم أهلُ الضلال؟ الذين حرفوا وبدلوا  

       هو بالموصل فالحق به، فلما مات صاحبي، لحقت بالرجل، فلما قدمت عليه، قصصت عليه خبري، وقلت له: إن فلاناً، أوصاني عند موته، أن ألحق بك، وأخبرني أنك مستمسكٌ بما كان عليه من الحق، فقال: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على خير حال، ثم إنه لم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا سيدي، لقد جاءك من أمر الله ما ترى، وأنت تعلم من أمري ما تعلم، فإلى من توصي بي، ومن تأمرني باللحاق به؟ فقال: أي بني، والله ما أعلم أن رجلاً على مثل ما كنا عليه، إلا رجلاً بنصيبين هو فلان فالحق به،   

      معناها أهل الحق قلة، قال تعالى: ( وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً )

       فلما غُيِّب الرجل في لحده، لحقت بصاحب نصيبين، وأخبرته خبري، وما أمرني به صاحبي، فقال لي: أقم عندنا، فأقمت عنده فوجدته على ما كان عليه صاحباه من الخير، فو الله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضرته الوفاة، قلت له: لقد عرفت من أمري ما عرفت، فإلى من توصي بي؟ قال: يا بني، والله إني لا أعلم أحداً بقي على أمرنا، إلا رجلاً بعموريا، هو فلان، فالحق به، فلحقت به، وأخبرته خبري، فقال سلمان: كنتُ أصِل إليهم في أواخر حياتهم كلهم،  فقال: أقم عندي، فأقمت عند رجلٍ، كان واللهِ على هدي أصحابه، وقد اقتنيتُ عنده بقراتٍ وغنيمة، ثم ما لبث أنْ نزل به ما نزل من أصحابه من أمر الله، فلما حضرته الوفاة، قلت له: إنك تعلم من أمري ما تعلم فإلى مَن توصي بي، وما تأمرني أن أفعل؟ فقال: يا بني، والله ما أعلم أن هناك أحداً من الناس بقي على ظهر الأرض، مستمسكاً بما كنا عليه، ولكنه قد أظلَّ واقترب زمانٌ يخرج فيه بأرض العرب نبيٌ يبعث بدين إبراهيم، ثم يهاجر من أرضه إلى أرضٍ ذات نخل بين حرتين، وله علاماتٌ لا تخفى، هو يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعتَ أن تلحق بتلك البلاد فافعلْ   

      فصارت تنقلاتُه كلها رحلةٌ في البحث عن الحقيقة.  

      المكان الفلاني، مكان جميل جداً، الفندق الفلاني، المسبح الفلاني، الملعب الفلاني، المقصف الفلاني، هؤلاء أهل الدنيا، أما أهل الآخرة، العالم الفلاني، المُربي الفلاني، المُرشد الفلاني، ينتقل من عالمٍ إلى عالم، ومن رجل إلى رجل، فلعله يتعلَّم منه أمر الدين  

       قال: ثم وافاه الأجل.  

وصول سيدنا سلمان إلى يثرب:  

       قال: فمكثتُ بعده بعموريا زمناً، إلى أن مر بنا نفرٌ من تجَّار العرب، من قبيلة كلب، فقلتُ لهم: إن حملتُموني معكم إلى أرض العرب، أعطيتكم بقراتي كلها، وغُنيمتي هذه، فقالوا: نعم نحمِلك، فأعطيتهم إياها، وحملوني معهم، حتى إذا بلغنا وادي القُرى غدروا بي، وباعوني لِرجلٍ يهودي، عبدًا رقيقًا، وأخذوا بقراتي وغُنيمتي، وباعوني بيع الأرقاء، وأصبحتُ عبداً عند هذا اليهودي.   

      يستوقفنا هنا موقف، يعني أنّ الإنسان أحيانًا قد يضعه الله عزَّ وجل في ظروف صعبة، يشتغل بمحلٍّ صاحبُه قاسٍ جداً، أو يكون موظفًا، يتعيَّن في قرية نائية، خشونة في العيش، وشدَّة، فالله عزَّ وجل هو الذي يعلم، وربما كان هذا التعيين بهذه القرية النائية خلوةً لا يمكن أن تحققها في المدينة، وربما كان صاحب هذا المحل القاسي دافعاً لك إلى الله، لا تعرف، قال تعالى: ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)  

      سيدنا سلمان الفارسي صحابي جليل، يباع بيع الأرقَّاء، لرجل يهودي، وكان قاسياً جداً، وسوف تروْن معي بعد قليل، من قسوته الشيءَ الكثير، هو يُريد الله عزَّ وجل، لكن العبرة في النهاية، العبرة في خريف العمر، العبرة في النتائج.  

       قال: فالتحقتُ بخدمته، ثم ما لبث أن زاره ابن عمٍ له من بني قُريظة، فاشتراني منه،   

      بيع ليهودي آخر، وسلمان يبحث عن ماذا؟ عن الحقيقة.   

      أيها الأخوة، تلك الحقيقة تستحق كل هذا البحث، وتستحق كل هذا الجهد، تستحق كل هذه التنقلات، لأنك إن وصلت إليها وصلت إلى كل شيء، وإن فُزت بها، فُزت بكل شيء، وإن نقلتك الحقيقة إلى الله عزَّ وجل، ما فقدت شيئاً، ولا خسِرت شيئاً، وأن أكبر خسارةً تخسرُها، أن تخسر نفسك التي بين جنبيك، وأنّ أكبر نجاحٍ تنجحه، أن تُزكِّيها وأن تعرفُها بربها، فهو يبحثُ عن الحقيقة، ويطلبُ الله عزَّ وجل، واللهُ لا يخطئ، بل هو حكيم في ذلك، وهذا قدر الله عزَّ وجل-، قال: فاشتراني منه، ونقلني معه إلى يثرب، فرأيتُ النخل.  

      بالمناسبة، النخل الذي في المدينة الآن هو النخل نفسه الذي كان على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، لأن النخلةَ من الأشجار المُعمِرة، التي تُعمٍرُ أكثر من ستة آلاف عام، فالتمر الذي أكله النبيّ من نخلات المدينة هي النخلاتُ نفسُها الموجودة الآن، إذا أكلت الآن تمرًا من نخل المدينة، فاعتقدْ جازماً أنه النخل نفسه الذي أكل منه النبيّ عليه الصلاة والسلام.   

       قال: رأيت النخل الذي ذكره لي صاحبي بعموريا، وعرفت المدينة بالوصف الذي نعتها به، فأقمتُ بها معه.   

      حدثني رجُل، فقال: كنت في أمريكا، ودخلتُ أحد مراكِزها الإسلامية، فرأيت رجلاً من هيئته، ومن شكله، يُعد من الطبقة الأولى في المجتمع، وهو يغسِلُ المسجد بهمّةٍ ما بعدها همّة، فلما سألتُ عنه، قالوا: هذا رجل يحتل مركزًا رفيع جداً في بلده، لكن كُلِّف بمهمةٍ في الخليج، فنزل في الخليج في مدينة مع رجُلٍ مسلمٍ حقاً، ومؤمنٍ حقاً، فدلَّه على الله، وأسلم على يديه، فلما عاد إلى بلده، وقد أسلم، فلزِم المسجد، فهذه المهمة التي كُلِف بها في الخليج، هذه بعلم الله عزوجل خيرٌ له، والدليل: ( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ)  

      ربنا عزَّ وجل قد يجمعك مع شخص يومًا من الدهر، أو تذهب إلى مكان، فتلتقي مع إنسان مؤمن، وينشأ بينكما حديث، فتتعلَّق به، وتكون هدايتُك على يديه، وأنت لا تدري، فاطلبْ من الله الهداية وانتظر، كلام دقيق أقوله لكم: ادعُ اللهَ واضرع إليه، فما دمت صادقاً في طلب الحقيقة يجمعك مع الأشخاص الذين يُؤهِّلونك للحق، هذا سيدنا سلمان نقله الله من يهوديّ إلى يهوديّ، حتى بلغوا الخمسة، والسادس يهودي اشتراه، والسابع باعه إلى ابن عمه، والسابع من بني قُريظة، ساكن بالمدينة، والأحداث تجري بقدر.   

سيدنا سليمان وخبر وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة:    

       قال: كان النبيّ حينئذٍ يدعو قومه في مكة، لكني لم أسمع له بذكر، لانشغالي بما يوجبه عليَّ الرقُّ،   

      فهو عبدٌ رقيق، كل وقته ملكُ سيِّده  

       ثم ما لبِث أن هاجر النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى يثرب، وهو لا يدري، فو اللِه إني في رأس نخلةٍ لسيدي، أعمل فيها بعض العمل، وسيدي جالسٌ تحتها، إذ أقبل عليه ابن عمٍ له، وقال له: قاتل الله بني قيْلة،   

      قيلة الأوس والخزرج  

       واللهِ إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجُلٍ قدم عليهم اليوم من مكة، يزعُم أنه نبيّ، فما إن سمعتُ مقالته حتى مسني ما يشبه الحمَّى، واضطربتُ اضطراباً شديداً، حتى خشيت أن أسقط على سيدي من شدة الفرح، وبادرتُ إلى النُزول مَن النخلة، وجعلت أقول للرجل: ماذا تقول؟ أعد عليّ الخبر، فغضب سيدي، ولكمني لكمةً شديدةً، وقال لي: مالك ولهذا؟ عُد إلى ما كنتَ عليه من عملك.  

      قد تقرؤون في السيرة أن النبيّ عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، وهو سيد الأنبياء، وسيد الرسُل، المعصوم، ذهب إلى الطائف يدعو قومه، وقد ورد في بعض الروايات أنهم كذبوه، وأنهم سخِروا منه، وفي رواية أنهم ضربوه، فقد يسألُ سائل: لماذا ضُرِب النبيّ عليه الصلاة والسلام؟ لولا أن النبيّ بشر، يجري عليه ما يجري على البشر، لمَا كان سيد البشر.  

      وهناك معنىً آخر، هو أن النبيّ عليه الصلاة والسلام ضُرب في الطائف من أجل أن المؤمن إذا تلقَّى لكمةً لأنه آمن بالله عزَّ وجل، ينبغي أن يكون له في رسول الله أُسوةٌ حسنة، والإنسان بسبب اتجاهه الديني قد يتحمل متاعب كثيرة جداً، يتحمَّل لكمات وضربات، ويُحاصر أحياناً، ويُقاطع، ويُضيَّق عليه في رزقه، وفي بيته، هذا جهاد في سبيل الله، فالنبيّ قدوة لنا، تحمَّل ما تحمل من أجلنا، حتى إذا مررت بظرفٍ صعبٍ يكون لك في النبيّ أُسوةٌ حسنة.  

قصة إسلام سلمان الفارسي:  

       قال: ولما كان في المساء أخذت شيئاً من تمرٍ كنت جمعته، وتوجهت به حيث ينزل الرسول، فدخلت عليه، وقلت له: إنه قد بلغني أنك رجلٌ صالح، ومعك أصحابٌ لك غرباء ذو حاجة، وهذا شيءٌ كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، ثم قربته إليه،   

      أيْ ليأكل  

       فقال لأصحابه: كلوا، وأمسك يده، فلم يأكل، فقلت في نفسي: هذه واحدة، ما أكل من الصدقة،   

       ويُروى أن سيدنا رسول الله تأخر عليه الوحيّ مرةً، فقال تعليمٌ لنا: لعلها يا عائشة، تمرةٌ أكلتها من تمر الصدقة لبيان شدة ورعه صلى الله عليه وسلم-.   

       قلت في نفسي: واللهِ هذه واحدة، ثم انصرفت، وأخذت أجمع بعض التمر، فلما تحول النبي من قباء إلى المدينة جئته، فقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هديةٌ لك، أكرمتك بها، فأكل منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: وهذه الثانية، ثم جئتُ رسول الله وهو ببقيعِ الغرقد،   

      وهو البقيع نفسه، ولم يكن يومئذٍ مدفنًا، اسمه بقيعُ الغرقد، إلى جوار الحرم النبوي  

       قال: حيث كان يواري أحد أصحابه، فرأيته جالساً وعليه شملتان، فسلَّمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره لعلي أرى الخاتم، الذي وصفه لي صاحبي في عمورية، فلما رآني النبيّ أنظر إلى ظهره، عرف غرضي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت فرأيت الخاتم، فعرفته فانكببت عليه أُقبِّله وأبكي.  

      فالقصد أنّه وصل إلى بيت القصيد  

       فقال عليه الصلاة والسلام: ما خبرك؟   

      ما هي قصتك يا ابني؟  

       فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها سُرَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سروراً بالغاً.  

       ثم قال: فأمرني أن أُسمعهم إياها، فقصَّها على مسامعهم، فأُعجبوا منه أشد العجب، وسُروا بها أشد السرور.  

العبرة من قصة سلمان الفارسي:  

      كم بذل سلمانُ من الجهد، وكم تحمل من المشاق حتى توصل إلى الحقيقة؟.  

      هذه قصة سيدنا سلمان الفارسي، في البحث عن الحقيقة، يعني كل ظروفه كانت تحول بينه وبين الهدى، ومع ذلك تجاوز كل العقبات، ووصل إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام، وهذه القصة، يجب أن تكون نبراساً لنا في حياتنا، ابحثْ عن الحقيقة، فإن أدركْتَها ووصلت إليها فقد وصلتَ إلى كل شيء، وسعدت إلى الأبد، وإن غابت عنك الحقيقة، فما وصلت إلى شيء، وما فُزتَ بشيء، وكان الخسار والبوار، والعياذ بالله.   



المصدر: السيرة - رجال حول الرسول - الدرس (35-50) : سيدنا سلمان الفارسي