بحث

آداب الجهاد في الإسلام

آداب الجهاد في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

     إن الإسلام دين التسامح، وإن شهادات كثيرة قيلت وكُتبت عن الإسلام في هذا الميدان، وهذا المجال قال العدو قبل الصديق: لم يعرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب ولا ديناً سمحاً مثل دينهم، وسُجِّلت مثل هذه الكلمات في سجلات تاريخية واجتماعية وسياسية، و إذا ما سأل سائل عن معطيات التسامح في ديننا و إسلامنا قلنا: إن التسامح في ديننا يقوم: 

  •      الاعتقاد بأن كل الشرائع تستقي من معين واحد: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً و الذي أوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم و موسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه﴾  . 
  •      لا نفرّق نحن الذين نؤمن بالإسلام بين رسول و رسول من حيث الإيمان، و من حيث الاعتقاد بأن هؤلاء رسل الله إلى الناس و الله عز وجل قال: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله و قالوا سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير﴾. 
  •      لا إكراه في الدين، و لا نكره أحداً على الدين لأن الله عز وجل قال: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾. 
  •      أمكنة العبادة محترمة: ﴿و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً﴾. 
  •      العلاقة مع أهل الشرائع الأخرى قائمة على المجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾. 
  •      ليس ثمّة مانع من أن تكون بينك و بين أهل الشرائع الأخرى علاقات طيّبة جواريّة ضيفيّة، قال تعالى: ﴿و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ وما ذكر الطعام إلا لأنّ احتمال اللقاءات والضيافات و قائم. هذه الأسس الستة التي يقوم عليها التسامح في الإسلام كمصطلح من مصطلحاتنا. 

     منذ الهجمة الغربية على العالم الإسلامي والغرب يقوم بما يسمى باحتلال المصطلحات الإسلامية، يحتلها ويعطيها معنى آخر، يحتلها بالمفاهيم الغربية وهذا ما أدى إلى اختلال في الفهم، وضياع لمعاني اللغة التي هي وعاء الفكر، فالإرهاب في أصله إسلامي، لفظة قرآنية الغرض منها صدّ المعتدي، وإرجاع الناس إلى الطريق القويم، ومنعهم من الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ تمنعونهم من أن يعتدوا عليكم وقد لا تستخدمون هذا السلاح إطلاقاً لمجرد وجود سلاح قوي بأيدي المسلمين هذا يمنع العدوان عنهم: ﴿وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ فظهر أن الإرهاب إنما يكون لعدو الله، وعدو المؤمنين، وللمنافقين الذين لا يعلمون الحقيقة، ولكن الصحافة والإعلام ابتذل هذا المصطلح القرآني حتى عاد مرافقاً للعدوان، ومرادفاً للظلم والطغيان، وقتل المدنيين والأبرياء، وبهذا الأوراق قد خلطت، وساءت النيات، إلى غير ذلك مما يأباه كل مسلم على وجه الأرض، قال تعالى: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ .

     وللإسلام آداب وأحكام واضحة في الجهاد المشروع تحرم قتل غير المقاتلين: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ ، تحرم قتل غير المقاتلين، كما تحرم قتل الأبرياء من الشيوخ، والنساء، والأطفال، وتحرم تتبع الفارين، أو قتل المستسلمين، أو إيذاء الأسرى، أو التمثيل بجثث القتلى، أو تدمير المنشآت، والمواقع، والمباني التي لا علاقة لها بالقتال، ولا يمكن التسوية بين إرهاب الطغاة وعنفهم الذين يغتصبون الأوطان، وينهبون الثروات، ويهدرون الكرامات، ويدنسون المقدسات، وبين ممارسة حق الدفاع المشروع الذي يجاهد به المستضعفون لاستخلاص حقوقهم المشروعة في تقرير المصير.  

     لذلك الجهاد في الإسلام مشروع لردّ العدوان، ورفع الظلم والطغيان، وإقامة الحق والعدل، أما الذي يحتل أرض الآخرين، أو ينتقص من سيادة الحكومات الوطنية على أرضها، أو ينهب الثروات، ويهدم المنشآت، ويقتل المدنيين، ويروع الآمنين المسالمين، ويحولهم إلى لاجئين فهذه الأعمال تندرج تحت جرائم الحرب. 

     إن الجهاد في الإسلام شُرع نصرة للحق، ودفعاً للظلم، وإقراراً للعدل، والسلام ، والأمن، وتمكيناً للرحمة التي أرسل محمد صلى الله عليه وسلم بها للعالمين، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو ما يقضي على الإرهاب بكل صوره، فالجهاد شرع لذلك، وللدفاع عن الوطن ضد احتلال الأرض، ونهب الثروات، وضد الاستعمار الاستيطاني، الذي يخرج الناس من ديارهم، وضد الذين يظاهرون ويساعدون على الإخراج من الديار، وضد الذين ينقضون عهودهم، ولدفع فتنة المسلمين في دينهم، أو سلب حريتهم في الدعوة السلمية إلى الإسلام، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .

     وحيث إن دين الإسلام يحرم الإرهاب بالمفهوم الجديد، ويمنع العدوان، ويؤكد على معاني العدالة والتسامح، وسمو الحوار والتواصل بين الناس، فإن المسلمين يدعون الشعوب الإنسانية والمنظمات الدولية إلى التعرف على الإسلام من مصادره الأساسية لمعرفة ما فيه من حلول للمشكلات البشرية، وأن دين السلام هو للناس جميعاً، وأنه يمنع العدوان قال تعالى: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ .

     من التاريخ الحديث أحد الفرنجة عقب فتح القدس من قِبل صلاح الدين قال: إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا مسالماً أو معاهداً، ومن شاء منا خرج وحمل معه ما شاء، وأننا بعناهم ما فضل من أمتعتنا فاشتروها منا بأثمانها، وأننا نغدو ونروح آمنين مطمئنين، لم نرَ منهم إلا الخير والمروءة فهم أهل حضارة، وتمدن، وصدق من قال: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم، وليته قال: إن المسلمين لم يهدموا بيتاً، ولم يصادروا أرضاً، ولم ينشؤوا مستوطنةً، ولم يكسروا عظماً، هذا السمو في التعامل في ساعات الحرب هو ما امتثله المسلمون في عصورهم المختلفة، وبالأخص في العصور الزاهية الأولى، وهو ما اعترف به العقلاء والمنصفون من أعدائهم. قال ديورانت: لقد كان أهل الذمة ؛ المسيحيون، واليهود، والصابئون، يتمتعون في عهد الدولة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيراً في البلاد في هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائرهم الدينية، واحتفظوا بكنائسهم، ومعابدهم، وكانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لعلمائهم وقضاتهم وقوانينهم. وقال الفيلسوف المؤرخ غوستاف لوبون: ما عرف التاريخ فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب المسلمون. وهذه المعاملة الحسنة من المسلمين لمخالفي دينهم ليست طارئة ولا غريبة، لأنها منبعثة من أصول الدين الإسلامي الذي يقوم على حفظ كرامة الإنسان كائناً من كان، ولهذا جهل الناس هذه الحقيقة في هذه الأيام، فسمعنا أصواتاً تتعالى في الإعلام باتهام دين الإسلام وأهله بانتهاك حقوق الإنسان ظلماً وجوراً وتعنتاً وكبراً. 



المصدر: الخطبة : 1101 - آداب الجهاد في الإسلام - لماذا الغرب يستقطب أدمغة العالم ؟