بحث

خُلقه العظيم صلى الله عليه وسلم

خُلقه العظيم صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

      أيها الإخوة؛ مع شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، خُلقه العظيم . الأصل في هذا الموضوع قول الله عزَّ وجل  ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ اسمحوا لي أيها الإخوة أن أقول لكم: الدين بمجمله خلقٌ حسن، وهناك أحاديث كثيرة تؤكِّد أن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً، وأن أكمل المسلمين إسلاماً أحسنهم خلقاً، وأن الخلق الحسن ذهب بالخير كله، وأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب النار الثلج، الخلق الحسن هو الدين.  

      السبب أنّ الإنسان أيها الإخوة مخلوقٌ لحياةٍ أبدية، ثمن هذه الحياة الأبدية أن ينهى النفس عن الهوى، والخلق الحسن هو ضبطٌ للهوى..  ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾. الشجاعة معاكسة لميل حب السلامة، السخاء معاكس لميل حب المال، أداء العبادات يتناقض مع راحة الجسم، فلو أردت أن تعدد تكاليف الدين لوجدت أن الدين كله عملية ضبط للنزوات والأهواء، فكلما كان ضبطك أشد كان مقامك أعلى عند الله عزَّ وجل. فحقيقة الدين تتوافق مع الفطرة، ولكنها تتناقض مع الطبع، فالخلُق الحسنُ ضبط للنزوات، ضبط للشهوات، ضبط للأهواء، فإذا أردت أن تلخص الدين كله، فالدين خلُق حسَن، والإنسان الذي لا دينَ له يأكل ما يريد، يتكلم ما يشاء، يذهب إلى حيث يشاء، يعطي نفسه كل أهوائها، الدين إنسان منضبط، وغير الدين إنسان متفلت. والناس رجلان؛ موصول منضبط محسن، ومقطوع متفلت مسيء، ولن تجد إنساناً ثالثاً، على الرغم من أن هناك تقسيمات كثيرة كثيرة كثيرة، يقول لك: الشمال والجنوب، والشرق والغرب، والعنصر الآري والعنصر السامي، والسود والبيض كل هذه التقسيمات تنتهي يوم القيامة إلى فريقين؛ إنسان أول:  ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى وإنسانٌ آخر:  ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾  إنسانٌ أول:  ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى    وإنسان آخر:  (( وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ )) إنّها عملية فرز في صنفين، قلت هذا مفصلاً في درسٍ سابق: إنّ الناس مؤمن وكافر، مشرك وموحِّد، منضبط ومتفلت، محسن ومسيء، مستقيم ومنحرف، مخلص وخائن، مقسط وظالم.  

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ      أي إنّ وصف ربنا عزَّ وجل جامع مانع، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن أعظم الخطباء على الإطلاق؟ نعم؟ أما إنّه كان أعظم المحدثين؟ فنَعَمْ، ما كان أعظم العلماء؟ نعم، وأعظم القادة، وأعظم المتكلمين، لكن الله حينما وصفه فبماذا وصفه ؟: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾  وصفه الوصف الذي يرفعه، فإذا أوتي شخصٌ مقدرة كلامية، أو ذاكرة قوية، أو محاكمة جيدة، قد يتفوق، ولكنه لا يرقى عند الله إلا بخلقه العظيم، ولو تتبعت ما في السنة النبوية الشريفة لوجدت أن الخير كله في الخُلُق العظيم. ( لَعَلى تفيد الاستعلاء والتمكُّن، أي إنّ النبي عليه الصلاة والسلام متمكن من خلقه العظيم، لكن بعض الذين أحياناً يتخلَّقون بأخلاق جيِّدة فبعدَ بعد صراع، وبعد انتصار على أمرٍ صغير، يقول لك: عانيت معاناة شديدة، ثم انتصرت على نفسي، أما النبي عليه الصلاة والسلام فخُلُقُه العظيم يعني أنه متمكن.    وبعد،  فما هو إذًا هذا الخلُق؟   

 

  • سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ:  (( كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، لم يكن فاحشاً ولا متفحِّشاً، ولا صخَّاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ثم قالت: اقرأ:  ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾  إلى عشر آيات، فقرأ السائل، فقالت: هكذا كان خلق رسول الله )).      
  • وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:  (( ما كان أحدٌ أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك )) لبيك ، تواضعٌ مع الناس لا تصده أبراج عاجية، ولا تمنعه حواجز شكلية.     
  • عن عمر رضي الله عنه أن رجلاً نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، وفي كل مرةٍ يردُّ عليه النبي ويقول: لبيك لبيك ".   
  • عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:  (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ )) 
  • قال الرواة: "فهو عليه الصلاة والسلام أجمل خلق الله خَلْقاً وأكملهم خلُقاً، بل هو فيّاض المكارم والكمالات". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ )) وقال أيضاً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  (( إنما بعثت معلماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) أي أن علة بعثته صلى الله عليه وسلم، غرس القيم الخُلقية في المجتمع البشري، معنى ذلك أنّ العلم في الإسلام وسيلة وليس غاية. قال الإمام الجنيد: " إنما كان خلقه عظيماً لأنه لم يكن له همةٌ سوى الله تعالى".
  • عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كَانَ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  ((... أَجْوَدُ النَّاسِ كَفَّا وَأَشْرَحُهُمْ صَدْرًا وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ... )) 
  • عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:  (( لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا )) 
  •   قالوا: ومن لطفه صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يقابل أحداً بما يكره  
  • عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:  (( لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ )) 
  • عن أنسٍ رضي الله عن قال:  (( كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس لطفاً، والله ما كان يمتنع في غداةٍ من عبدٍ ولا أمةٍ تأتيه بالماء، فيغسل وجهه بالماء وذراعيه، وما سأله سائلٌ قط إلا أصغى إليه، فلا ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحدٌ يده قط، إلا ناوله إياها، فلا ينزع صلى الله عليه وسلم يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها منه )) كان إذا صافح لا يسحب يدَه حتى يسحب الذي صافحه يدَه، وإذا ويُقبِل على محدِّثُه حتى ينصرف عنه محدِّثُه، هذه خلقه عليه الصلاة والسلام.  


المصدر: الشمائل المحمدية إصدار 1995 - الدرس : 07 - خلقه العظيم - وإنك لعلى خلق عظيم