بحث

سلمة بن دينار

سلمة بن دينار

بسم الله الرحمن الرحيم

      أيها الإخوة المؤمنون: مع سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، والتابعيّ اليوم سلمةُ بن دينار، المعروف بأبي حازم،   

      يقول أحدهم عنه: ما رأيت أحداً الحكمةُ أقربُ إلى فمه مِن أبي حازم.  

حواره مع الخليفة:  

      في السنة السابعة والتسعين للهجرة، شدّ خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك الرحال إلى الديار المقدسة ملبِّياً نداء ربه، ومضت ركائبه تحثُّ الخطى من دمشق عاصمة الأمويين إلى المدينة المنورة، فقدْ كان في نفسه شوقٌ إلى الصلاة في الروضة المطهرة، وتَوقٌ إلى السلام على سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد حفل موكبُ الخليفة بالقُرَّاء والمحدِّثين والفقهاء والعلماء والأمراء والقادة، كما هي العادة، فلما بلغ المدينة المنورة، وحطَّ رحاله فيها، أقبل وجوهُ الناس، يعني علية القوم، وذووا الأقدار للسلام عليه، والترحيب به.  

      لكن سلمة بن دينار قاضي المدينة، وعالمها الحجّة، وإمامها الثقة لم يكن في عداد من زاروا الخليفة مرحَّبِين مسلِّمين، وليس هذا جفاءً، ولكنه موقف له، ولما فرغ سليمان بن عبد الملك من استقبال المرحِّبين به، قال لبعض جلسائه: إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن، إذا لم تجد من يذكرها الفينة بعد الفينة، ويجلو عنها صدأها.  

      وقد قال هذا النبي عليه الصلاة والسلام:  إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل: وما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن، وذكر الموت  

      ذكرت هذا مرات عديدة: في الدين كليات ثلاث،   

  1. كلية معرفية، نشاط فكري، تعلُّم، عِلم، قراءة، مُدارسة، حضور مجلس علم، تأمُّل، تفكُّر،   
  2. كلية ثانية سلوكية وفي الدين نشاط سلوكي، استقامة، غضُّ بصر، تحريرُ دخل، إنفاق في الوجوه المشروعة، ضبط لسان، ضبط عين، ضبط أذن، ضبط يد، سلوك، السلوك له جانبان، جانب سلبي، الامتناع عن المعصية، وجانب إيجابي،   
  3. كلية ثالثة في الدين، كلية نفسية، فالقلب لا بد أن يتصل بالله حتى يسعد، وهذا بالذكر، فالكليات الثلاث: تعلُّم، ذِكْر، عمَل،   

      فإذا وازن المسلم بين هذه الكليات الثلاث تَفوَّق، أمّا إذا طغت كُلِّيَّة على باقي الكليات، دخل في تطرف، نحن نريد التفوّق لا التطرف، نريد للدين أن يعود كما بدأ،   

      قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ  

      لن نرقى في هذا الدين إلا إذا توازنّا في النمو في كلياته الثلاث، التعلُّم غذاء للعقل، والسلوك والانضباط هي العبودية لله عز وجل، والذكر، والتلاوة، والاستغفار والدعاء، هذا غذاء القلب.  

      فالإنسان أحياناً قناعاته جيدة جداً، ومعلوماته ممتازة، وثقافته عميقة، وفكره إسلامي، وفهمُه جيد، يشعر بضيق، لأنّ ذِكرَه قليلٌ، أحيانًا يكون ذكره جيدًا، لكن معلوماته قليلة، هذا صار عابدًا، ولم يعُدْ عالمًا، خيرُه قليل محدود، أحيانًا يكون فكره جوّالاً، وقلبه ذاكرًا، لكنّ عمله محدود، عندئذٍ لا يرقى، ويأتي عليه وقت يشعر بافتقاره للعمل الصالح.  

      ملخص كلامي: لا نفلح إلا إذا نمَتْ مستوياتنا في الكليات الثلاث معاً، إذا نمت معاً كان التفوق، فإذا نمت واحدة على حساب الأخرى كان التفرق، ونعوذ بالله من التفرق،   

      فهذا الخليفة قال: إن النفوس لتصدأ كما تصدأ المعادن، إذا لم تجد من يذكّرها الفينة بعد الفينة، ويجلو عنها صدأها،   

فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين،   

       فقال: أما في المدينة رجل أدرك طائفة من صحابة رسول الله يذكِّرنا؟ نحن في المدينة، أليس فيها رجل أدرك صحابة رسول الله؟ ائتوني به كي يذكِّرني،   

      فقالوا: بلى يا أمير المؤمنين، ها هنا أبو حازم،   

       فقال: ومن أبو حازم؟   

      قالوا: سلمة بن دينار، عالم المدينة وإمامها، وأحد التابعين الذين أدركوا عدداً من أصحاب رسول الله،   

       فقال: ادعُوه لنا، وترّفقوا في دعوته، فذهبوا إليه، ودَعَوه،   

      فلما أتاه رحّب به، وأدنى مجلسه،   

       وقال له معاتباً: ما هذا الجفاء يا أبا حازم؟   

      الآن الخليفة يعاتب هذا العالم التابعي،   

       فقال: وأيّ جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟   

       قال: زارني وجوهُ الناس، ولم تَزُرْني،   

       فقال: إنما يكون الجفاء بعد المعرفة، وأنت ما عرفتني قبل اليوم، ولا أنا رأيتك، فأيّ جفاء وقع مني،   

       الجفاء أساسه معرفة، ليس هناك معرفة من قبل، لا تعرفني ولا أعرفك، فأيّ جفاء هذا،   

       فقال الخليفة لجلسائه: أصاب الشيخ في اعتذاره، وأخطأ الخليفة في العتب عليه،   

       ثم التفت إلى أبي حازم، وقال: إن في النفس شؤوناً أحببتُ أن أفضي بها إليك يا أبا حازم،   

       فقال: هاتها يا أمير المؤمنين، واللهُ المستعانُ،   

       فقال الخليفة: يا أبا حازم، أول سؤال،   

      الآن حوار بين الخليفة، وبين هذا التابعي الجليل،   

       قال: يا أبا حازم مالنا نكره الموت؟   

      والحقيقة ليس هناك إنسان لا يكره الموت، إنه شيء مخيف، إنسان ينتقل من بيت واسع، فيه مِن الطعام ما لذّ وطاب، وأمامه زوجته وأولاده، وله كتبه وشأنه ومكانته، ثم إلى قبر بباب صغير، يضعون فوقه الحجر، ويهيلون التراب عليه، وانتهى الأمر.  

       قال يا أبا حازم، مالنا نكره الموت؟   

       فقال: لأننا عَمَّرنا دنيانا وخرّبنا آخرتنا فنكره الخروجَ من العمار إلى الخراب،   

       فقال الخليفة: صدقت،   

      وكل واحد أيها الإخوة، وهذا شيء دقيق، له أعمال طيبة، له بذل، له تضحية، له إنفاق، له دعوة، له خدمة، له إخلاصه، له شوقه، فالموت ليس مخيفاً له أبداً، تصور رجلاً بالعكس، منتقل من بيت صغير، غرفة واحدة تحت الأرض، لا يرى شمسًا، وقد لازمتْه الرطوبة، المرافق متخلفة جداً، وبحَيٍّ مزعج جداً، ضجيج، هذا لمّا نُقِل إلى حيٍّ من الأحياء الجميلة جداً الهادئة، داخل قَصرٍ مع حدائق، أربع جهات مفتوحة، أثاث فخم، تدفئة مركزية، تكييف مركزي، كل شيء في بالقصر، وفي أثناء هذه النقلة من غرفة تحت الأرض إلى هذا البيت الفخم، والقصر المنيف، هل يشعر بانقباض؟ واللهِ المؤمن هكذا، والنبيُّ أكد هذا المعنى، قال: المؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم، إلى سعة الدنيا.  

      لذلك ما قرأت عن صحابي جليل تاريخَ حياته، إلا رأيته في أسعد لحظات حياته عند لقاء ربه، وإنْ لم تجعل أنت أيها الأخ ساعة لقائك مع الله أسعدَ لحظات حياتك، فمعنى ذلك أنّ هناك خللاً في إيمانك، كل حياتك من أجل هذا اللقاء، لقائك مع الله.  

       قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ   

      الموت تحفة المؤمن، والموت عرس المؤمن، وكل هذا التعب، وذاك النصب، وهذه المجاهدة، وتلك التكاليف، وهذا الضبط، وذاك الالتزام، لهذه الساعة.  

       ثم أردف قائلاً: يا أبا حازم، ليت شعري مالنا عند الله غداً،   

       قال: أعرِضْ عملك على كتاب الله عز وجل تجدْ ذلك،   

       قال: وأين أجد ذلك في كتاب الله تعالى؟   

       قال: تجده في قوله عَلَتْ كلمته: ( إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ )

      الناس رجلان، بَرٌّ تقيّ كريمٌ على الله، وفاجر شقيٌّ هَيِّنٌ على الله.   

       فقال الخليفة: إذاً فأين رحمة الله تعالى؟   

       فقال أبو حازم: ( إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)  

      أحياناً الإنسان تكون رؤيته واضحة جداً، فإذا هو يجيب عن سؤال ولا يتلجلج، ولا يتَلَكَّأُ، ولا يتَرَدَّد، ولا يفكِّر، إذا كنتَ أمام هذه العلبة، وسئلتَ عنها، وأنتَ تراها رؤية العين، تراها شفافة، فيها بطاقة خضراء، مكتوب عليها شيء، فإذا سئلت، وأنت تراها تجيب مباشرة، فأحياناً تكون الإجابة الفورية، والواضحة، النقية، دليلَ العلم، فالأمور عند أبي حازم واضحة جداً،   

       فقال الخليفة: ليت شعري، كيف القدوم على اللهِ جل وعز غداً،   

       فقال أبو حازم: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسِيء فكالعبد الآبق يساق إلى مولاه سوقاً. ( إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ)  

      إذا سافر الإنسان، وفي هذا السفر تكلّم واشتَطّ، وهاجم بلده، ونال من بلده، ثم جيء به إلى بلده ليحاسَب، تراه يصعق: ( إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ)  

      أما المؤمن فكالغائب يعود إلى أهله، وأما الكافر فكالعبد الآبق يُرَدُّ إلى مولاه،   

      فبكى الخليفة حتى علا نحيبُه، واشتدّ بكاؤه،   

       ثم قال: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح؟   

       قال: تَدَعُون عنكم السلطة، وتتحلّون بالمروءة، وليس هناك صفة أقسى، وأشد ضررًا بالإنسان من السلطة، ومن الكبر، حتى إنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:  لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر، ما الذي هو أكبر من الذنب؟ قال: العجب العجب.  

       فقال الخليفة: وهذا المال، ما السبيل إلى تقوى الله فيه؟   

      أحيانًا الإنسان يتحرك، بيده مالٌ يتصرف فيه تصرفًا غير شرعي، فيستهلكه، وينفقه على مَلَذّاته، وعلى تحسين بيته، والمال ليس له، فهو دائماً في قلق، وفي حجاب، فإذا كانت علاقاتُ الإنسان المالية مضطربة، وإذا كان دخله مشبوهًا، وإنفاقه مشبوهًا، وذمته ضعيفة، ولا يدقق في الحلال والحرام لكسب المال، فهذا الإنسان معه حجاب دائم، وقلق دائم، ولنْ تصل إلى الله إلا بالورع.  

      سيدنا أبو حنيفة كان يجلس أو يقف مع رجل في ظل بيت، فأخذه إلى الشمس، إلى أشعة الشمس المحرقة، فقال له الرجل: ابقَ في الظل، قال: هذا البيت مرهون عندي، وإني أكره أن أنتفع بظله.  

      هذا هو الورع،   

      ولذلك جاء في الحديث:  ركعتان من رجل ورع أفضلُ من ألف ركعة من مخلط   

      هذا شيء دقيق، إذا كان الدخل مشبوهًا، والإنفاق مشبوهًا، فأنت في قلق دائم، والطريق إلى الله غير سالك، بل أنت في حجاب شديد، ولن تستطيع أن تخرق هذا الحجاب إلا بالورع، إلا أن تحاسب نفسك على القرش.  

      كان بعض الورعين الصالحين الخلفاء، إذا تحدث في شأن خاص أطفأ القنديل الذي يُصرَف مِن حساب بيت مال المسلمين.  

      أيها الإخوة الكرام، هذا كلام دقيق واضح، وفّروا أوقاتكم، فمن دون استقامة، ومن دون ورع، الطريق إلى الله غير سالك، لكن بإمكانك أن تقرأ، وتتثقف، ويكون لك عواطف إسلامية، وفكر إسلامي، أمّا تصل إلى الله، وتقبل عليه، ويقبَلك، ويتجلّى عليك من دون ورع فهذا مستحيل، وعلامة المؤمن أنّه لا يسمح لقرش واحد أن يدخل عليه، قبل أنْ يحاسب نفسه حسابًا عسيرًا.  

سينا النبي عليه الصلاة والسلام، انقطع عنه الوحي أسبوعًا أو أسبوعين، قال كلمة تلفت النظر، قال يا عائشة رأى تمرةً على سريره فأكلها، قال يا عائشة لعلها من تمر الصدقة.  

      فعدم الدقة في تناول الطعام، وعدمُ الدقة في تحرِّي الحلال، وعدمُ الدقة في إنفاق المال تجعل بينك وبين الله حجابًا،   

قال: يا أبا حازم وهذا المال ما السبيل إلى تقوى الله فيه؟    

      خليفة وبين يديه أموال البلاد كلها،   

       فقال أبو حازم: إذا أخذتموه بحقه، ووضعتموه في أهله، وقسمتموه بالسوية، وعدلتم فيه بين الرعية،   

      الإنسان قد يبيع ويشتري حاجة فيها عيب كبير، اشتراها زبون ولم ينتبه إلى العيب، يقول البائع: ارتحنـا منها، بِعتُها بثمنها العادي، وهي ثمنهـا بهذه الحالـة أقل بكثير، وما انتبه المشتري إلى العيب، وأخذها وذهب، وأنت مرتاح ! أنت أكلت مالاً حراماً، فإذا اتقَّى اللهَ الباعةُ صار دخلهم حلالاً، فإذا اشتروا به طعاماً صار طعامهم طيباً، فإذا دعَوا اللهَ استُجِيبَتْ دعوتُهم، أما إذا كان البيع والشراء فيه مخالفات شرعية فقد صار الدخل حرامًا، وصار بذلك الطعام الذي يشتريه بهذا الدخل غيرَ طيّب، فإذا دعا اللهَ عز وجل لم يستجَبْ له، سبحان الله تسعة أعشار الطاعة بكسب المال، فعندك مأخذان يُؤتَى الإنسان منهما ؛ يؤتى من كسب المال، ومن إنفاقه، ويؤتى من المرأة، فالمؤمن الموفَّق يحصّن نفسه تحصينًا مضاعفًا، شديدًا وحازمًا، من حيث كسب المال، ومن حيث المرأة، ويبالغ في غض البصر، ولا يسمح لنفسه بخلوة بأجنبية، ولا بكلمة، ولا بعلاقة، ولا باختلاط، ولا بحديث، ولا بمتعة، ويبالغ في تحرِّي الحلال، وفي إنفاق المال، فإذا ضمِنْتَ لي كسب المال وإنفاقه، وضمنتَ لي العفّة الكاملة، فهذان أكبر مأخذين يؤخذ منها الإنسان، فالشباب المأخذ الأول لهم المرأة، والرجال الذين يعملون في التجارة مأخذهم الأول كسبُ المال.  

أيها الإخوة الكرام: واللهِ أنا أشعر حين لا يبالي الإنسان بكسب المال، ولا يتحرَّى طرق الحلال في ذلك، أو يقع في شبهة صدقوني أنّ صلاته وصيامه وحجه وزكاته، لا معنى لها.  

       فقال الخليفة: يا أبا حازم أخبرني مَن أفضلُ الناس؟   

       قال: أولوا المروءة والتقى،   

       قال: ومن أعدل الناس يا أبا حازم؟   

       قال: كلمة حق يقولها المرء عند من يخافه، وعند من يرجوه،   

      أنت في حياتك شخصان ؛ رجلٌ تخافه، وآخرُ ترجوه، وفي الأعمّ الأغلب هذان الرجلان لا تكون صريحاً معهما، بل تجاملهم إلى أقصى الحدود، وهذه المجاملة على حساب الدين، أمّا صاحب المروءة فهو الذي يقول كلمة الحق، ولا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ. ( وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ )

      هذا إنسان ترجوه، وترجو عطاءه، فتجامله ولو أخطأ، ولو أساء، ولو ظلم، وتخاف أن يغضب إذا نبّهته، وشخص آخر تخافه.  

      لذلك ورد في الحديث الشريف:  من أعان ظالماً سلّطه الله عليه   

      إذا أعان الإنسانُ ظالمًا، فإنّ هذا الإنسان الذي أعان الظالم سيكون أول ضحاياه، ويسلِطه الله عليه.  

       فقال الخليفة: ما أسرع الدعاء إجابة يا أبا حازم؟   

       قال: دعاء المحسن للمحسنين،   

       قال الخليفة: ما أفضل الصدقة؟   

       قال: جُهدُ المُقِلِّ يضعه في يد البائس، من غير أن يُتبِعَه منًّا ولا أذى.   

       قال الخليفة: مَن أكْيَسُ الناس يا أبا حازم؟   

       قال: رجل ظفر بطاعة الله تعالى فعمل بها، ثم دلّ الناسَ عليها،  

      إنسانٌ عرفً أمرَ الله فطبّقه، كل شيء زائل إلا طاعة الله، فاسمعوا الآية الكريمة: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)  

       فقال الخليفة: مَن أحمق الناس؟   

       قال: رجل انْساق مع هوى صاحبه، وصاحبه ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره،   

      فإذا باع الإنسان آخرته بدنياه، أقول فيها ما يقال، فهذا منتهى الحمق،   

       قال الخليفة: هل لك أن تصحبنا يا أبا حازم، فتصيب منا، ونصيب منك،   

      تنتفع من صحبتنا، وننتفع من صحبتك؟   

       قال: كلا يا أمير المؤمنين،   

       قال: ولمَ؟   

       قال: أخشى أن أركن إليكم قليلاً، فيذيقني الله ضعف الحياة، وضعف الممات،   

       قال الخليفة: ارفع إلينا حاجتك يا أبا حازم،   

      فسكت ولم يجِبْ،  أعاد عليه القول: ارفع إلينا حاجتك يا أبا حازم نَقْضِها لك مهما كانت،   

       قال: حاجتي أن تنقذني من النار، وأن تدخلني الجنة   

       قال الخليفة: ذلك ليس من شأني يا أبا حازم،   

       قال أبو حازم: مالي من حاجة سواهما يا أمير المؤمنين،   

      واللهُ وصفَ المتقين قال: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً )

       قال: يا أبا حازم ادعُ لي،   

       قال: اللهم إنْ كان عبدُك سليمان من أوليائك فيسِّره إلى خيرَي الدنيا والآخرة، وإنْ كان من أعدائك فأصلحه، واهدِهِ إلى ما تحب وترضى،   

      فقال أحد الحاضرين: بئس ما قلت منذ دخلتَ على أمير المؤمنين، ما هذا، وإن كان من أعدائك؟ فلقد جعلت خليفة المسلمين من أعداء الله، وآذيته بهذا الكلام،   

       فقال أبو حازم: بل بئس ما قلت أنت، فلقد أخذ الله على العلماء الميثاق بأن يقولوا كلمة الحق، فقال تعالى: ( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)  

       ثم التفت إلى الخليفة، وقال: يا أمير المؤمنين، إن الذين مضوا قبلنا من الأمم الخالية، ظلُّوا في خير وعافية، ما دام أمراؤهم يأتون علمائهم رغبة بما عندهم، ثم وُجِد قوم من أراذل الناس تعلَّموا العلم، وأَتَوْا به الأمراء يريدون أن ينالوا به شيئاً من عرض الدنيا، فاستغنَتِ الأمراء عن العلماء، فتَعِسوا ونَكَثُوا، وسَقطوا من عين الله عز وجل،   

      فالعالم يجب أن يزهد بما عند الحاكم، والحاكم ينبغي أن يرغب بما عند العالم، فإذا انعكست الآية انتهى العلم، وإذا زهِد الحاكمُ بما عند العالم، ورغب العالمُ بما عند الحاكم فقدْ سقط العلم.  

       قال: ولو أن العلماء زهدوا فيما عند الأمراء، لرَغِب الأمراءُ في علمهم، ولكنهم رغبوا فيما عند الأمراء فزهِدوا فيهم، وهانوا عليهم،   

       فقال الخليفة: صدقتَ، زدني من موعظتك يا أبا حازم، فما رأيت أحداً الحكمة أقرب إلى فمه منك،   

       فقال: إنْ كنتَ من أهل الاستجابة فقد قلتُ لك ما فيه الكفاية، وإنْ لم تكن من أهلها فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر،   

       فقال الخليفة: عزمتُ عليك يا أبا حازم أنْ توصيني،   

       قال: نعم أوصيك وأوجز، عظِّم ربَّك عزوجل ونزِّههُ أن يراك حيث نهاك، وأن يَفْقِدَك حيث أمرك، ثمّ سلم وانصرف،   

       فقال له الخليفة: جزاك الله خيراً من عالم ناصح.  

      فما كاد أبو حازم يبلغ بيته حتى وجد أن الأمير قد بعث إليه بصرة مُلأتْ دنانير،   

       وكتب إليه يقول: أَنْفقها ولك مثلها كثيرٌ عندي،   

       فرَدَّها، وكتب إليه يقول: يا أمير المؤمنين، أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً، ورَدِّي عليك باطلاً، فواللهِ ما أرضى ذلك يا أمير المؤمنين لك، فكيف أرضاه لنفسي، يا أمير المؤمنين إنْ كانت هذه الدنانير لقاءَ حديثي لك فالميتة ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلُّ من هذه الدنانير، وإن كانت حقاً لي من بيت مال المسلمين فهل سوَّيتَ بيني وبين الناس جميعاً في هذا الحق.  

تعليمه:  

      وكان منزل سلمة ابن دينار مورداً عذباً لطلاب العلم والصلاح، ولا فرق في ذلك بين إخوانه وطلابه، فقدْ دخل عليه مرة عبد الرحمن بن جرير ومعه ابنه، وأخذا مجلسهما عنده، وسلّما عليه، ودعَوا له بخيرَي الدنيا والآخرة، فردّ التحية بأحسن منها، ورحّب بهما، ثم دار بينهم الحديث،   

       قال عبد الرحمن ابن جرير: كيف نحظى بالفتوح يا أبا حازم؟   

      الفتوح بمعنى فتوح القلب، يعني اليقظة، والاتصال بالله،   

       فقال أبو حازم: عند تصحيح الضمائر تُغفَر الكبائر، وإذا عزم العبدُ على ترك الآثام فتحَ عليه، ولا تنسَ يا عبد الرحمن أن يَسِيرَ الدنيا يشغلنا عن كثير الآخرة، وكل نعمة لا تقرِّبك من الله عز وجل فهي نقمة،  

       فقال له ابنه: إن أشياخنا كثيرون، فبمن نقتدي منهم؟   

       قال: يا بني اقتدِ بمَن يخاف الله في ظهر الغيب، ويَعِفُّ عن التلبُّس بالعيب، ويصلح نفسه في أوان الصبا، ولا يرجئ ذلك إلى عهد الشيب، واعلم يا بني أنه ما من يوم تطلع فيه الشمس، إلا ويقبل على طالب العلم هواه وعلمه، ثم يتغالبان في صدره تغالبَ المتخاصمَيْن، فإذا غلب علمُه هواه كان يومُه يومَ غُرم له، وإذا غلب هواه علمَه كان يومُه يومَ خسران عليه.  

       قال له عبد الرحمن: كثيراً ما حضضتنا على الشكر يا أبا حازم، فما حقيقة الشكر؟   

       قال أبو حازم: لكل عضو من أعضائنا حقٌّ علينا من الشكر،   

       قال عبد الرحمن: وما شكرُ العينين؟   

       قال: إن رأيتَ بهما خيراً أعلنته، وإنْ رأيت بهما شراً سترته،   

       قال: فما شكرُ الأذنين؟   

       قال: إن سمعت بهما خيراً وعيتَه، وإنْ سمعتَ بهما شراً دفنته،   

       قال: فما شكرُ اليدين؟   

       قال: ألاّ تأخذَ بهما ما ليس لك، وألاّ تمنع بهما حقًّا مِن حقوق الله،   

       قال: ولا يَفُتْكَ يا عبد الرحمن أن من يقصُر شكرَه على لسانه، ولا يشرك معه جميعَ أعضائه وجنانه، فمَثلُه كمثل رجل له كساء غير أنه أخذ بطرفه ولم يلبسْه.  

      هناك شكر اللسان، وشكر القلب، وشكر العمل، فمن الناس مَنْ يشكر بالكلام فقط، يا رب لك الحمد، لكن لا يخدم إنسانًا، وليس في قلبه امتنان، ولا في سلوكه ما يؤكد ذلك.  

جهاده:  

      في ذات سنة نفَرَ سلمة بن دينار مع جيوش المسلمين المتجهة إلى بلاد الروم، يبتغي الجهاد في سبيل الله، فلما بلغ الجيش آخر مرحلة من مراحل السفر، آثر الراحة والاستجمام، قبل أن يلقى العدو، ويخوض المعارك، وقد كان في الجيش أميرٌ من أمراء بني أمية،   

       فأرسل هذا الأمير رسولاً إلى أبي حازم يقول له: إنّ الأمير يدعوك إليه لتحدثه، وتفقِّهه،   

       فكتب إلى الأمير يقول: أيها الأمير، لقد أدركتُ أهل العلم، وهم لا يحملون الديَن إلى أهل الدنيا، ولا أحسبك تريد أن أكون أولَ من يفعل ذلك، فإنْ كانت لك بنا حاجة فأْتِنا، والسلام عليك وعلى من معك،   

       فلما قرأ الأمير الرسالة مضى إليه وحيّاه وبيّاه، وقال: يا أبا حازم، لقد وقفنا على ما كتبتَه لنا، فازددتَ به كرامةً عندنا، وعزةً لدينا، فذكِّرْنا وعِظْنا، جُزيتَ عنا خيرَ الجزاء،   

       فطفِق أبو حازم يعظه، ويذكّره، وكان من جملة ما قاله له:   

       انظر ما تحب أن يكون معك في الآخرة، فاحرصْ عليه في الدنيا، ماذا تحب أن يكون في قبرك، العمل الصالح، والاستقامة، فاحرص عليهما في الدنيا، وانظر ما تكره أن يكون معك هناك فازهدْ فيه هنا، واعلم أيها الأمير أنه إن نفق الباطل عندك وراج أقبل عليك المبطلون المنافقون، والتفّوا حولك، وإن نفق عندك الحق وراج التفّ حولك أهلُ الخير وأعانوك عليه، فاختَرْ لنفسك ما يحلو،   

وفاته:  

      ولمّا أقبل الموتُ على أبي حازم   

      قال له أصحابه: كيف تجدك يا أبا حازم؟   

      فقال: لئِن نجَوْنا مِن شرِّ ما أصبناه من الدنيا فما يضرّنا ما زُوِيَ عنا منها، ثم قرأ الآية الكريمة: ( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً)  

      وما زال يردِّدها حتى أتاه اليقين.  

      فهذا هو أبو حازم، سلمة بن دينار، أحد التابعين الأجلاّء، الذي أوتي الحكمة على لسانه، وكأنه ينطق بها عفواً، وله هذا الحوار الطويل مع سليمان بن عبد الملك، ومع بعض أصدقائه وتلاميذه، وفي كل كلمة قالها أبو حازم حكمةٌ ما بعدها حكمة، وهذا العلم هو الذي ينفع الإنسان في الدنيا وفي الآخرة.  



المصدر: السيرة - سيرة التابعين الأجلاء - الدرس 16-20 : التابعي سلمة بن دينار