بحث

نعيم بن مسعود من حوار النفس إلى نور اليقين: رحلة عقلٍ آمن بالله

نعيم بن مسعود من حوار النفس إلى نور اليقين: رحلة عقلٍ آمن بالله

بسم الله الرحمن الرحيم

     سيدنا نعيم بن مسعود،هذا الصحابي الجليل كان فتىً يقظَ الفؤاد، ألمعي الذكاء، لا تعوقه معضلة، ولا تعجزه مشكلة، ولكنه كان في الجاهلية صاحب صبوة، وخَدِين متعة، وكان يَنشُدُهما أكثر ما يَنشُدُهما عند يهود يثرب، حيث يبذل المال ليهودها بسخاء، ليبذلوا له المتعة بسخاء أكثر. لما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام إلى العالمين، أعرض هذا الصحابي عن الدين الجديد أشد الإعراض، خوفاً من أن يحول هذا الدين بينه وبين متعه وملذاته. هذا الوهم الكبير الذي عند معظم الناس أنه إذا تديَّن فسوف يحرم من مباهج الحياة, ولو علم هؤلاء المتوهمون أن في الدين سعادةً لا تعدلها سعادة. هذا الصحابي في غزوة الأحزاب فتح صفحة جديدة في علاقته بهذا الدين، ووقف موقفًا لا ينسى، وكل سعادتك أحياناً سببها تفكير صحيح، ومحاكمة منطقية، وإعمال العقل، فلا ينبغي للإنسان أن يمضي مع الحياة دون تأمل, دون توقف, دون تبصر, ودون مراجعة . 

     قبيل غزوة الأحزاب بقليل هبَّت طائفة من يهود بني النضير في يثرب، وقام زعماؤها يُحزِّبون الأحزاب لحرب النبي صلى الله عليه وسلم، والقضاء على دينه, فقدموا على قريش، وحرضوهم على قتال المسلمين، وانطلقوا إلى غطفان في نجد، قوم نعيم بن مسعود، فأثاروهم ضد الإسلام ونبيه، ودعوهم إلى استئصال الدين الجديد من جذوره، خرجت قريش بكل ما تملك بقيادة زعيمها أبي سفيان بن حرب، كما خرجت غطفان من نجد وكان في طليعة رجال غطفان نعيم بن مسعود.  

     فلما بلغ النبيَّ نبأُ خروجهم جمع أصحابه، وشاورهم في الأمر، فقرَّ قرارُهم على أن يحفروا خندقًا حول المدينة، ليصدوا عنها هذا الزحف الكبير الذي لا طاقة لها به . ما كاد الجيشان الزاحفان من مكة ونجد يقتربان من مشارف المدينة حتى مضى زعماء بني النضير إلى زعماء بني قريظة القاطنين في المدينة، وجعلوا يحرضونهم على الدخول في حرب النبي، ويحضونهم على مؤازرة الجيشين القادمين من مكة ونجد، فقال لهم زعماء بني قريظة: لقد دعوتمونا إلى ما نحبُّ ونبغي، ولكنكم تعلمون أن بيننا وبين محمدٍ ميثاقاً, على أن نسالمه ونوادعه لقاء أن نعيش في المدينة آمنين مطمئنين، وأنتم تدرون أن مداد ميثاقنا له لم يجفَّ بعد, فكيف نخون محمدًا؟ نخشى إذا انتصر محمد في هذه الحرب أن يبطش بنا، وأن يستأصلنا من المدينة استئصالاً، جزاء غدرنا به، لكنَّ زعماء بني النضير ما زالوا يغرونهم بنقض العهد، فما لبثت بنو قريظة أن لانت، ونقضوا عهدهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومزقوا الصحيفة التي بينهم وبينه، وأعلنوا انضمامهم إلى الأحزاب في حربه .  

     فوقع الخبر على المسلمين وقوع الصاعقة، قال تعالى: ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. النبي عليه الصلاة والسلام يواجه الأحزاب خلف الخندق، وخلفه في المدينة نقض اليهود عهدهم، هذه الحرب كان هدفها القضاء على الإسلام كلياً، لأنها حرب إبادة، فهؤلاء المسلمون يجب أن يبادوا عن بكرة أبيهم. 

     حاصرت جيوشُ الأحزاب المدينةَ، وقطعت عن أهلها الميرة والقوت، قريش وغطفان معسكرون قبالة المسلمين خارج المدينة، وبنو قريظة متربصون متأهلون خلف المسلمين داخل المدينة, وعندك الطابور الخامس، هؤلاء هم المنافقون ضمن المدينة، وهم عند المسلمين مسلمون، لكنهم منافقون حقًّا، وهؤلاء الذين في قلوبهم مرض أخذوا يكشفون عن مخبآت نفوسهم، ويقولون: كان محمد يعدنا أن نملك كنوز كسرى وقيصر، وها نحن اليوم لا يأمن الواحد منا على نفسه أن يذهب إلى بيت الخلاء ليقضي حاجته, والإسلام في نظر أعدائه بقي موضوع ساعات, ساعات وينتهي الإسلام, أنت أحيانًا تمر باختناق في حياتك, وأنت كمؤمن تمر باختناق شديد، قال تعالى: ﴿و َكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ لكنَّ الإيمان ألاَّ تقنط من رحمة الله, قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾، ربنا عزوجل يؤخر النصر، وبهذا التأخير تنكشف النفوس كلها, ثم طفق المنافقون ينفضون عن النبي جماعة إثر جماعة، بحجة الخوف على نسائهم وأولادهم وبيوتهم من هجمة يشنها عليهم بنو قريظة, قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً ﴾، حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم سوى بضع مئات من المؤمنين الصادقين, عشرة آلاف مقاتل حول المدينة، وبنو قريظة بأكملها نقضت عهدها، وهي وراء ظهر النبي، والمنافقون يثبطون العزائم، ويحبطون المساعي, قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾، وفي ذات ليلة من ليالي الحصار الذي دام تقريبًا عشرين يوماً لجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه، وجعل يدعوه دعاء المضطر، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَحْزَابِ, فَقَالَ:  (( اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ )).

     نعيم بن مسعود مع معسكر الكفار والمشركين، أحد زعماء غطفان وهو مستلقٍ على فراشه في الخيمة، يتقلب على مهاده أرقاً، كأنما سمر جفناه، فما ينطبقان لنوم، فجعل يسرح ببصره وراء النجوم السابحة على صفحة السماء الصافية، ويطيل التفكير، وفجأةً رأى نفسه تسأله قائلةً: ((ويحك يا نعيم, -هذا هو الحوار الداخلي- ما الذي جاء بك من تلك الأماكن البعيدة في نجد لحرب هذا الرجل، ومن معه؟ هل هي حرب مقدسة، أم حرب قذرة؟ فأنت لا تحاربه انتصاراً لحق مسلوب، ولا حمية لعرض مغصوب، وإنما جئت لتحاربه لغير سبب معروف أيليق برجل له عقل مثل عقلك أن يقاتل فيقتل، أو يقتل لغير سبب؟ ما الذي يجعلك تشهر سيفك في وجه هذا الرجل الصالح, الذي يأمر أتباعه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى؟ ويحك يا نعيم, ما الذي يحملك على أنْ تغمس رمحك في دماء أصحابه الذين اتبعوا ما جاءهم به من الهدى والحق, -هذه المناقشة التي كانت سبب سعادته إلى أبد الآبدين, ولم يحسم هذا الحوار العنيف بين نعيم ونفسه إلا القرار الحازم الذي نهض من توئه لتنفيذه- تسلل نعيم بن مسعود من معسكر قومه تحت جنح الظلام، ومضى يحث الخطى إلى النبي صلى الله عليه وسلم, مشرك مع الأعداء جاء ليقاتل المسلمين، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام ماثلاً بين يديه,  قال: نعيم بن مسعود! قال: نعم يا رسول الله,  قال: ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟  قال يا رسول الله: جئت لأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله, وأنّ ما جئتَ به الحق، ثم أردف يقول: لقد أسلمت يا رسول الله ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمُرْني بما شئت , فقال عليه الصلاة والسلام: إنما أنت فينا رجل واحد، فاذهب إلى قومك وخذِّلْ عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة،  قال: نعم يا رسول الله، وسترى ما يسرك إن شاء الله مضى نعيم بن مسعود من توئه إلى بني قريظة، وكان لهم من قبل صاحباً ونديماً، وقال لهم: يا بني قريظة، لقد عرفتم وُدِّي لكم، وصدقي في نصحكم، فقالوا: نعم، والله ما أنت عندنا بمتهم، فقال: إن قريشًا وغطفان لهم في هذه الحرب شأن غير شأنكم، قالوا: وكيف؟ قال: أنتم هذا البلد بلدكم، وفيه أموالكم، وأولادكم ونساؤكم، وليس بوسعكم أن تهجروه إلى غيره, أما قريش وغطفان فبلدهم وأموالهم وأولادهم ونساؤهم في غير هذه البلد، وقد جاؤوا لحرب محمد، ودعوكم لنقض عهده، ومناصرتهم عليه، فأجبتموهم، فإن أصابوا نجاحاً في قتاله اغتنموه، وإن أخفقوا في قهره عادوا إلى بلادهم آمنين، وتركوكم وحدكم، فينتقم محمد منكم شر انتقام، وأنتم تعلمون أنه لا طاقة لكم به إذا خلا بكم,  فقالوا: صدقت واللهِ، وهذا رأي حصيف فقالوا: واللهِ أشرتَ ونصحتَ، بارك الله بك، ثم خرج من عندهم. وأتى أبا سفيان بن حرب قائد قريش، وقال له ولمن معه: يا معشر قريش، قد عرفتم ودي لكم، وعداوتي لمحمد، فقالوا: نعم، وقد بلغني أمر فرأيت حقاً عليَّ أن أفضي به إليكم، نصحاً لكم، على أن تكتموه، ولا تذيعوه, قالوا: لك علينا ذلك, قال: إنّ بني قريظة قد ندموا على مخاصمتهم محمدًا، فأرسَلوا إليه يقولون: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، وعزمنا أن نعود إلى معاهدتك ومسالمتك، فهل يرضيك يا محمد أن نأخذ لك من قريش وغطفان رجالاً كثيراً من أشرافهم، ونسلمهم إليك لتضرب أعناقهم، ثم ننضم إليك في محاربتهم حتى نقضي عليهم؟ فأرسل إليهم النبي، وقَبِلَ منهم ذلك, فإنْ بعثت اليهود يا أبا سفيان تطلبُ منكم رهائن من رجالكم فلا تدفعوا إليهم أحداً,  قال أبو سفيان: نِعْمَ الحليف أنت، بارك الله بك، وجزيت خيراً، فقد أنقذتَنا. ثم خرج نعيم من عند أبي سفيان حتى أتى قومه غطفان، فحدثهم بمثل ما حدث به أبا سفيان، وحذرهم مما حذره منهم، وهنا انتهت مهمته, أراد أبو سفيان أن يختبر بني قريظة، فأرسل إليهم ابنه، فقال لهم: قد بعثني أبي إليكم يدعوكم إلى منازلته غداً، فقالوا له: إن اليوم يوم سبت، ونحن لا نعمل فيه شيئاً، ثم إنا لا نقاتل معكم حتى تعطونا سبعين من أشرافكم، وأشراف غطفان، حتى يكونوا رهائن عندنا, فإنا نخشى إن اشتدَّ عليكم القتال أن تسرعوا إلى بلادكم، وتتركونا لمحمد وحدنا، وأنتم تعلمون أن لا طاقة لنا به .-والخطة نجحت مئة بالمئة- فلما عاد ابن أبي سفيان إلى قومه، وأخبرهم بما سمعه من بني قريظة، قالوا بلسان واحد: خسئ أبناء القردة والخنازير، واللهِ لو طلبوا منا شاة رهينةً ما دفعناها إليهم, وهكذا دبَّتْ بينهم الوقيعة.   ثم  أرسل اللهُ على قريش وأحلافها ريحاً صرصراً عاتية , فجعلت تقتلع خيامهم، وتكفأ قدورهم، وتطفئ نيرانهم، وتصفع وجوههم، وتملأ أعينهم تراباً, فلم يجدوا مفراً من الرحيل، فرحلوا تحت جنح الظلام، ولما أصبح المسلمون وجدوا أعداء الله قد ولوا مدبرين، وجعلوا يهتفون بعد أيام عيد الفطر السعيد، ومن الأوراد المتعارف عليها ما ورد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ:  (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَعَزَّ جُنْدَهُ, وَنَصَرَ عَبْدَهُ, وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ )).

     ظلّ نعيم بن مسعود بعد ذلك اليوم موضع ثقة رسول الله, فهذا عمل, ولمثله فليعمل العاملون، فولي نعيم للنبي عليه الصلاة والسلام الأعمال، و وحمل بين يديه الرايات . إنّ المؤمن كيس فطن حذر. هذه الطاقة الفكرية العالية التي تمتع بها هذا الصحابي الجليل وظّفها في الحق، ولا تنسوا قوله تعالى حينما خاطب الله عزوجل قارون، فقال في كتابه العزيز: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾. 



المصدر: الصحابة الكرام : 23 - سيدنا نعيم بن مسعود