بحث

النعمان بن مقرن المزني إنصافه سبب إسلامه

النعمان بن مقرن المزني إنصافه سبب إسلامه

بسم الله الرحمن الرحيم

     كانت قبيلة مزينة، تتخذ منازلها قريبةً من يثرب، والتي أضحتْ بعد ذلك المدينة المنورة، مدينة رسول الله صلى الله علية وسلَّم، على الطريق الممتدة بين المدينة ومكة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد هاجر إلى المدينة، وجعلت أخباره تصل تباعاً إلى مزينة مع الغادين والرائحين، لأن مزينة كانت على الطريق، بين مكة والمدينة . لكن هذه القبيلة، لا تسمع إلا خيراً عن رسول الله وأصحابه، لقد كانتْ منصفة، هؤلاء سرُّ إسلامهم، وسرّ قربهم من الله عزَّ وجل، وسبب سرعة إسلامهم، وسبب دخول الإيمان إلى قلوبهم، وسبب إقبالهم على هذا الدين الجديد، أنهم أنصفوا    وفي ذات عشيةٍ، جلس سيِّد القوم، الصحابي الجليل النعمان بن مقرِّنٍ المُزني الذي ندرس عظمة موقفه في الإسلام في ناديه مع أخوته، ومشيخة قبيلته، فقال    يا قوم، واللهِ ما علِمنا عن محمدٍ إلا خيراً، ولا سمعنا من دعوته إلا مرحمةً، وإحساناً، وعدلاً، فما بالنا نبطئ عنه، والناس يسرعون إليه؟   ثم قال النعمان: أمّا أنا فقد عزمتُ على أن أغدوَّ عليه إذا أصبحت، فمَن شاء منكم أن يكون معي فليتجهَّز. فما إن طلع الصباح حتى وجد أخوته العشرة، وأربعمئة فارسٍ من فرسان مُزينة قد جهَّزوا أنفسهم للمضي معه إلى يثرب، للقاء النبي صلوات الله وسلامه عليه، والدخول في دين الله، لكن النعمان بن المقرِّن المزني فقد استحيا أن يَفِدَ مع هذا الجمع الحاشد على النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يحمل له وللمسلمين شيئاً يقدِّمه، وفي المسلمين فقراء، فأراد أن يقدِّم للنبي بعض الهدايا، لكن السنة العجفاء المجدبة التي مرَّت بها مزينة لم تترك لها ضرعاً ولا زرعاً، فطاف النعمان ببيته، وبيوت أخوته، وجمع كلما أبقاه القحط من غنيمات، وساقها أمامه، وقدم بها على النبي صلى الله عليه وسلم، وأعلن هو ومن معه إسلامهم بين يديه .   

     هذا إسلام جماعي،النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى ذلك سُرَّ أشدَّ السرور، واهتزت يثربُ من أقصاها إلى أقصاها، فرحاً بالنعمان بن مقرِّن وصحبه، إذْ لم يسبق لبيتٍ من بيوت العرب أنْ أسلم منهم هذا الجمع الغفير، وتقبَّل الله عزَّ وجل غُنيماته، وأنزل فيه قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة: ( وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).انضوى النعمان بن مقرن المزني تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معه غزواته كلها، غير وانٍ ولا مقصِّر، ولما آلت الخلافة إلى سيدنا الصديق وقف معه هو وقومه من بني مزينة وقفةً حازمةً، كان لها أثرٌ كبير في القضاء على فتنة الردة . 

     كانت الأضواء مسلطة على موقف سيدنا النعمان في موقعة القادسية، وفيما تلاها من وقعات، ومنها وقعة نهاوند، فكل إنسان له مجال تفوَّق فيه يُذكَر به، فلمَّا صارت الأمور إلى الفاروق رضي الله عنه، وقد صار للنعمان بن مقرِّن في عهده شأنٌ ما يزال التاريخ يذكره بلسانٍ نديٍ بالحمد، فقُبَيْل القادسية أرسل سعدُ بن أبي وقَّاص قائد جيوش المسلمين وفداً إلى كسرى يزدجرد، برئاسة النعمان بن مقرن، ليدعوه إلى الإسلام. الإسلام ليس دين السيف، الإسلام دين العقل، بل الإسلام دين المنطق، فلا يمكن أن يشهر السيف من قبل المسلمين، قبل أن يُدعَى الكفَّار إلى الإسلام دعوةً هادئةً مبنيةً على التبيين، والتوضيح، والتبليغ، فإذا رفض هذا الكافر أن يسلم، وأن ينضوي تحت لواء المسلمين، وأن يحميه المسلمون، لأنّ عقيدتهم لا تسمح له أن يقاتل مع المسلمين، لذلك تؤخذ منه الجزية، وإذا رفض أن يسلم، ورفض أن يدفع الجزية، فعندئذٍ يقاتل. لذلك أهل سمرقند فتحت بلادهم فتحاً عسكرياً، ثم علموا أن فتحهم ليس شرعياً، فأرسلوا وفداً خفيةً إلى سيدنا عمر بن عبد العزيز، وأطلعوه على ما جرى، وعلى طريقة فتح بلادهم، فما كان مِن سيدنا عمر، كما يروي التاريخُ، إلاّ أن أرسل قصاصة ورق، كتب فيها ما يلي:إلى قائد جيوش المسلمين في سمرقند، ما إن يصلك كتابي هذا، فاخرجْ من سمرقند، وادعُ أهلها إلى الإسلام، فإن أبَوْا فادعُهم لدفع الجزية، فإن أبَوْا فقاتلهم. هذا الوفد الذي عاد ومعه تلك قصاصة، فيها أمرٌ إلى قائد جيش أن ينسحب من بلدٍ احتلها، وانتصر على أهلها، ودانتْ للمسلمين، لم يصدِّق- فلما قُدِّمت هذه القصاصة إلى قائد الجيش قبَّلها، وأمر جيشه بالانسحاب، فلما رأوا ذلك، قالوا:  نحن أسلمنا، وابقَوْا على ما أنتم عليه. 

     فسيدنا سعد بن أبي وقاص، قائد جيوش المسلمين، قبل أن يحارب كسرى يزدجرد، لا بدَّ أن يدعوه إلى الإسلام، ولما بلغ الوفد عاصمة كسرى في المدائن، استأذنوا بالدخول عليه، فأذن لهم، ثم دعا الترجمان فقال له: سَلْهُمْ ما الذي جاء بكم إلى ديارنا، وأغراكم بغزونا، لعلكم طمعتم بنا، واجترأتم علينا، لأننا تشاغلنا عنكم، ولم نشأ أن نبطش بكم؟   فالتفت النعمان بن مقرن إلى من معه، وقال: إن شئتم أجبته عنكم، وإن شاء أحدكم أن يتكلم آثرتُه عليَّ بالكلام، فماذا تروْن؟ قالوا جميعاً: بل تكلَّم أنت، ثم التفتوا إلى كسرى، وقالوا: هذا الرجل يتكلَّم بلساننا، فاستمع إلى ما يقول: فحِمَد النعمانُ الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيِّه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن الله رحمـنا، فأرسل إلينـا رسولاً يدلُّنـا على الخير، ويأمُرنا به، ويعرِّفنا الشرَّ، وينهانا عنه، ووعدنا من يجبه فيما دعانا إليه بخيري الدنيا والآخرة، ثم قال: فما هو إلا قليل، حتى بدَّل الله ضيقنا سَعَةً، وذلَّتنا عزةً، وعداواتنا إخاءً ومرحمة وقد أمرنا أن ندعوَ الناس إلى ما فيه خيرهم، وأن نبدأ بمن يجاورنا، فنحن ندعوكم إلى الدخول في ديننا، وهو دينٌ حَسَّنَ الحسَنَ كلَّه، وحضَّ عليه، وقبَّح القبيح كلَّه، وحذَّر منه، وهو ينقل معتنقيه من ظلام الكفر وجوره، إلى نور الإيمان وعدله، فإن أجبتمونا إلى الإسلام، خلَّفنا فيكم، كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ورجعنا عنكم، وتركناكم، وشأنكم، فإن أبيتـم الدخول في دين الله، أخذنا منكم الجزية، وحميناكم، فإن أبيتم إعطاء الجزية حاربناكم .كلامٌ بليغٌ بليغ، وهو موجزُ فحوى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، توضيح الخير، والأمر به، توضيح الشر، والنهي عنه. 

     فاستشاط يزدجرد غضباً، وغيظاً مما سمع، وقال: إني لا أعلم أمةً في الأرض كانت أشقى منكم، ولا أقلَّ عدداً، ولا أشدَّ فرقةً، ولا أسوأ حالاً وقد كنا نكِل أمركم إلى ولاة الضواحي، فيأخذون لنا الطاعة منكم، فإن كانت بكم الحاجة، أي الفقر، هي التي دفعتكم إلى المجيء إلينا، أمرْنا لكم بقوتٍ إلى أن تخصِب دياركم، وكسونا سادتكم، ووجوه قومكم، وملَّكنا عليكم ملكاً من قبلنا، يرفق بكم. فردَّ عليه رجل من الوفد رداً أشعل النار من جديد، فغضب يزدجرد، قال: لولا أن الرسل لا تُقْتَل لقتلتكم، يبدو أنه استفزّه، قوموا فليس لكم شيءٌ عندي، وأخبِروا قائدكم أني مرسِلٌ إليه رستم، حتى يدفنه، ويدفنكم معاً في خندق القادسية. 

     ثم أمر فأتي له بحِملٍ من التراب، وقال لرجاله: حمِّلوه على أشرف هؤلاء، وسوقوه أمامكم، على مرأى من الناس، حتى يخرج من أبواب عاصمة ملكنا، فقالوا للوفد: من أشرفكم؟ يريدون أنْ يحملوه ترابًا، ويمشوا به في الطريق، كي يذلَّونه، انظر إلى التضحية، فبادر إليه عاصم بن عمر، أحد صغار الوفد، فقال له: أنا أشرفهم،  فحمَّلوه عليه، حتى خرج من المدائن، ثم حمل الترابَ على ناقته، وأخذه معه، لسعد بن أبي وقَّاص، وبشّره بأن الله سيفتح على المسلمين ديار الفرس، ويملِّكهم تراب أرضهم، ثم وقعت وقعة القادسية، واكتظ خندقها بجثث آلاف القتلى، ولكنهم لم يكونوا من جند المسلمين، إنما كانوا من جنود كسرى  

     حينما هُزِم الفرس في معركة القادسية شرَّ هزيمة، جمعوا جموعهم، وجيَّشوا جيوشهم، حتى اكتمل لهم، مئةٌ وخمسون ألفاً من أشدَّاء المقاتلين، للمعركة الثانية، معركة نهاوند، فلما وقف الفاروق على أخبار هذا الحشد العظيم، عزم أن يمضي إلى مواجهة هذا الخطر الكبير بنفسه، لكن وجوه المسلمين، ثنوه عن ذلك، وأشاروا عليه، أن يُرسل قائداً يعتمد عليه، في مثل هذا الأمر الجلل، فقال عمر : أشيروا عليّ برجلٍ، لأولِّيَه ذلك الثغر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أنت أعلم بجندك، فقال: واللهِ لأولِّيَنّ على جند المسلمين رجلاً يكون إذا التقى الجمعان أسبقَ من الأسنة، إنه النعمان بن مقرن المزني ، هبّ النعمان بجيشه للقاء العدو، وأرسل أمامه طلائع من فرسانه، لتكتشف له الطريق، فلما اقترب الفرسان من نهاوند توقَّفت خيولهم، فدفعوها فلم تندفع، فنزلوا عن ظهورها، ليعرفوا ما الخبر؟ فوجدوا حوافر الخيل، فيها شظايا من الحديد، تشبه رؤوس المسامير، فنظروا إلى الأرض، فإذا العجم قد نثروا في الدروب المؤدية إلى نهاوند حسكَ الحديد، ليعوِّقوا الفرسان والمشاة عن الوصول إليهم .   

     أخبرَ الفرسانُ النعمان بما رأوا، وطلبوا منه أن يمدَّهم برأيه، فأمرَهم أن يقفوا في أمكنتهم، وأن يوقدوا النيران في الليل، ليراهم العدو، عند ذلك يتظاهرون بالخوف منه، والهزيمة أمامه، ليغروه باللحاق بهم، وإزالة ما زرعه من حسك الحديد، فنجحت الخطةُ، وجازت الحيلة على الفرس، فما إن رأوا طليعة جيش المسلمين تمضي منهزمةً أمامهم، حتى أرسلوا عمَّالهم، فكنسوا الطرق من الحسك، فكرَّ عليهم المسلمون، واحتلوا تلك الدروب، وعسكرَ النعمانُ بن المقرن المزني بجيشه على مشارف نهاوند، وعزم على أن يباغت عدوه بالهجوم، فقال لجنوده: إني مكبرٌ ثلاثاً، فإن كبَّرتُ الأولى فليتهيَّأْ مَن لم يكن قد تهيَّأ، وإن كبَّرت الثانية، فليشددْ كلُّ رجلٍ منكم سلاحه على نفسه، وإن كبرتُ الثالثةَ فإني حاملٌ على أعداء الله فاحملوا معي  

     كبرَّ النعمان بن مقرنٍ تكبيراته الثلاث، واندفع في صفوف العدو، كأنه الليث عادياً، وتدفق وراءه جنود المسلمين تدفُّقَ السيل، ودارت بين الفريقين رحى معركةٍ ضروس، قلَّما شهد التاريخُ لها نظيراً، كانت من أشهر معارك المسلمين في فتح بلاد الفرس، تمزَّق جيش الفرس شرَّ ممزق، وملأت قتلاه السهل والجبل، زلق جواد النعمان بن مقرن فصُرع، وأصيب النعمان نفسه إصابةً قاتلة، فأخذ أخوه اللواء من يده، وسجَّاه ببردةٍ كانت معه، وكتم أمره على المسلمين، وما أخبر أحدًا، ولما تمَّ النصر الكبير الذي سمَّاه المسلمون فتح الفتوح، سأل الجنودُ المنتصرون عن قائدهم الباسل، فرفع أخوه البردة عنه، وقال:  هذا أميركم، قد أقرَّ اللهُ عينه بالفتح، وختم له بالشهادة .   



المصدر: الصحابة الكرام : 33 - سيدنا النعمان بن مقرن المزني