حكيم بن حَزَام، هذا الصحابي يبدو أنه الإنسان الوحيد الذي ولد في جوف الكعبة، كانت الكعبة مفتوحة في إحدى المناسبات للزوار, وكانت أمه حاملةً به، فما إن دخلت جوف الكعبة حتى جاءها المخاض, فجيء لها بنطع رداء، وولدت في جوف الكعبة. هذا الصحابي الجليل قريب أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، والنبي عليه الصلاة والسلام زوج عمته، فهو من أقرباء النبي، وكان حكيم بن حزام عاقلاً سرياً، معنى السري يعني شريفاً من عليه القوم، كان عاقلاً سرياً فاضلاً . بالمناسبة؛ ما من نعمة ينعم الله على عبد من عباده كنعمة العقل، فمن أوتي عقلاً وفكراً وحكمةً، فقد أوتي خيراً كثيراً، والإسلام مبني على العقل، فمن كان عاقلاً وأريباً وحكيماً، ولم يبادر إلى الإسلام، فأمْرُه عجيب .
حكيم بن حزام كان عاقلاً سرياً فاضلاً، لذلك سوَّده قومه، وأناطوا به منصباً مهماً، هو منصب الرفادة، فقد كان مُوكَلاً إليه أن يعطي الحجاج المنقطعين ما يحتاجون كي يصلوا إلى بلادهم سالمين، هذا المنصب منصب ديني، وكان حكيم بن حزام موكلاً له هذا المنصب في الجاهلية, كان يُخرِج من ماله الخاص ما يرفد به المنقطعين من حجَّاج بيت الله الحرام.
كان حكيم بن حزام صديقاً حميماً للنبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة، فهو صديق وقريب، وكان أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات، وقد تمتع الصحابة بأدب جمٍّ، كان أحدهم إذا سـأل: أيهما أكبر أنت أم النبي؟ فكان يقول: هو أكبر مني، ولكني ولدتُ قبله لشدة الأدب الذي كانوا يتمتعون به. كان يألف النبي عليه الصلاة والسلام، ويأنس به، ويرتاح إلى صحبته ومجالسته، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبادله وداً بود، وصداقة بصداقة، ثم جاءت آصرة القربى، فتوثقَّت ما بينهما من علاقة, وذلك حين تزوج النبي عليه الصلاة والسلام من عمته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. أما الشيء الذي يدعو للعجب، والشيء الذي لا يُصدق، أنّ هذا الإنسان العاقل الفهِم، الفطن، الذكي، صاحب النسب العريق، صديق النبي الحميم وقريبه، حينما جاء الإسلام، وحينما بُعث نبي الإسلام لم يؤمن به، وبقي على الشرك عشرين عاماً إلى أن فُتحت مكة، فهذا الشيء عجيب حقًّا. لكن الشيء الذي يدعو للعجب أيضاً أن هذا الصحابي الجليل أسلم يوم فتح مكة, فما كاد يدخل الإسلام ويتذوق حلاوة الإيمان حتى جعل يعض بنانه ندماً، ذاق حلاوة الإيمان، وذاق أمن الإيمان، وذاق حلاوة القرب من الله، وذاق لذة التوبة إليه، وذاق لذة الإنابة إليه, وذاق حلاوة الصلح معه، وذاق حلاوة الانضباط، وذاق حلاوة الطاعة، والنبي ذكَر أنّ الإيمان له ذوق وطعم، قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )).
هذا الصحابي جعل يعضّ أصابع الندم على كل لحظة قضاها من عمره, وهو مشرك بالله، مكذب لنبيه. فمرة رآه ابنه يبكي، فقال: يا أبتاه, ما يبكيك؟ قال: أمور كثيرة، كلها أبكتني يا بني، أولها بُطْءُ إسلامي، ممّا جعلني أُسْبَقُ إلى مواطن كثيرة صالحة، حتى لو أني أنفقت ملء الأرض ذهباً لما بلغت شيئاً منها، ثم قال له: شيء آخر أبكاني، فإن الله أنجاني يوم بدر وأحد، فقلت يومئذ في نفسي: واللهِ لا أنصر بعد ذلك قريشاً على النبي صلى الله عليه وسلم ، -أي أنه حينما كان يحارب النبيَّ يعرف أنه رسول، ويعرف أنه نبي، ويعرف أنه على حق، ويعرف أنه منصور- قال: فما لبثت أن جُرِرتُ إلى نصرة قريش جرا ً، سحَبُوه للمرة الثالثة، فسحبوه إلى معركة الخندق، قال: ثم إنني كلما هممت بالإسلام, وآتي النبي مسلماً, نظرت إلى بقايا من رجالات قريش، لهم أسنان وأقدار، متمسكين بما هم عليه من أمر الجاهلية، فأقتدي بهم وأجاريهم ويا ليتني لم أفعل، فما أهلكنا إلا الاقتداء بآبائنا وكبرائنا، فلِمَ لا أبكي يا بنيَّ . كما عجبنا نحن من تأخُّر إسلام حكيم بن حزام، وكما كان يعجب هو نفسه من ذلك أيضاً، فإن النبي صلوات الله وسلامه عليه، كان يعجب من رجل له مثل حلم حكيم بن حزام وفهمه، كيف يخفى عليه الإسلام؟ وكان يتمنى له وللنفر الذين هم على شاكلته أن يبادروا في الدخول في دين الله. النبي عليه الصلاة والسلام لما أسلم سيدنا خالد, قال له: (( عجبت لك يا خالد! أرى لك فكراً، وكنت أرجو ألاّ يهديك إلا إلى خير )) يعني لماذا تأخرت؟. والنبي عليه الصلاة والسلام في الليلة التي سبقت فتح مكة قال لأصحابه: إن بمكة لأربعة نفر أربأ بهم عن الشرك، وأرغب لهم في الإسلام قيل: مَن هم يا رسول الله؟ قال: عتاب بن أسيد، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو )). أربعة مشركين، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يتوسم فيهم الخير. قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ, قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ, قَالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ, قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي, قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا )). ومن فضل الله عز وجل أنهم أسلموا جميعاً.
وحين دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً, انظروا إلى حكمة النبي، إنسان له مكانته ومن علية القوم، عاقل تأخر بالإسلام، فكيف استجلبه؟ أمر النبي عليه الصلاة والسلام مناديه أن ينادي؛ من شهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمدًا عبده ورسوله فهو آمن ومن جلس عند الكعبة فوضع سلاحه فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن , جعل له شأنًا صلى الله عليه وسلم، فأعانه على نفسه، وعلى كبريائه. كانت دار حكيم بن حزام أسفل مكة، ودار أبي سفيان في أعلاها، فالنبي عليه الصلاة والسلام, قال: (( من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن, ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن )) فرحِم الناس أيضاً.
أسلم حكيم بن حزام إسلاماً ملك عليه لبه، وآمن إيماناً خالط دمه ومازج قلبه، وآلى على نفسه أن يكفِّر عن كل موقف وقفه في الجاهلية، أو نفقة أنفقها في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد برَّ بقسمه، فأول شيء فعَله دار الندوة, أكبر بناء في مكة، وهو مشهور في التاريخ، هي داره الشخصية، وهي دار عريقة ذات تاريخ، ففيها كانت قريش تعقد مؤتمراتها في الجاهلية، وفيها اجتمع ساداتهم وكبراؤهم يأتمرون برسول الله صلى عليه الصلاة والسلام، فأراد حكيم بن حزام أن يتخلص منها، وكأنه أراد أن يرخيَ ستاراً من النسيان على ذلك الماضي البغيض، فباعها بمئة ألف درهم، فقال له قائل من فتيان قريش: (( لقد بعتَ مَكْرُمَةَ قريش يا عمّ، فقال له حكيم: هيهات يا بني، ذهبت المكارم كلها، ولم يبق إلا التقوى، دار اجتمعنا فيها، وقررنا فيها قتْلَ رسول الله، أيُّ مَكْرُمَةٍ هذه؟ قال: وإني لأشهدكم أنني جعلت ثمنها في سبيل الله عز وجل )).
حجَّ حكيم بن حزام بعد إسلامه، فساق أمامه مئة ناقة مجلّلة بالأثواب الزاهية، ثم نحرها جميعاً في سبيل الله، وأطعم لحمها للفقراء .
وفي حجة أخرى, وقف في عرفات ومعه مئة من عبيده, فقدْ كان غنيًّا، وقد جعل في عنق كل واحد منهم طوقاً من الفضة، نُقِشَ عليه عتقاء لله عز وجل عن حكيم بن حزام .
وفي حجة ثالثة، ساق أمامه ألف شاة، وأراق دمها كلها في منى، وأطعم بلحومها فقراء المسلمين تقرباً إلى الله عز وجل.
بعد غزوة حنين سأل حكيم بن حزام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، حتى بلغ ما أخذه مئة بعير، وكان يومئذ حديث عهد بالإسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (( يا حكيم، إن هذه الأموال حلوة خضرة، فمن أخذها بسخاوة نفس -يعني بعفة نفس- ب ورك له فيها، ومن أخذها بإشراف نفس – بطمع- لم يبارك له فيها، وكان كالذي يأكل ولا يشبع )) فلما سمع حكيم بن حزام ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام, قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أسأل أحداً بعدك شيئاً . النبي أعطاه ونصحه، ولكن كانت النصيحة مؤثِّرة جداً، وعلامة إيمانه الصادق أنه استجاب، وبر حكيم بقسمه أصدق البر، ففي عهد أبي بكر رضي الله عنه، دعاه الصديق أكثر من مرة لأخذ عطاء من بيت مال المسلمين فأبى أن يأخذه، ولما آلت الخلافة إلى الفاروق دعاه مرة ثانية إلى أخذ عطاء فأبى أن يأخذه، فقام عمر في الناس وقال: أشهدكم يا معشر المسلمين، أني أدعو حكيماً إلى أخذ عطائه فيأبى. وظل حكيم كذلك لم يأخذ من أحد شيئاً حتى فارق الحياة .
هذه قصة حكيم بن حزام فيها نقاط مضيئة، أبرزها أنه إذا آتاك الله عقلاً راجحاً، وفكراً ثاقباً، وإمكانات عالية، ينبغي أن تسرع بك إلى الله، ولا ينبغي أن تبطئ بك، لأن الحسرة عندئذ تكون كبيرة، ولأن الإسلام أساسه العقل، وأساسه الواقع، وأساسه الفطرة، فأي إبطاء في إسلامك، مع رجاحة عقلك فهذا يدعو للعجب العجاب، يعني الذي أنت فيه يتناقض مع العقل الراجح الذي أعطاك الله إياه، فأرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً .
