سالم مولى أبي حذيفة, قبل أن نمضي في الحديث عن هذا الصحابي الجليل، يجب أن تعلموا أن أصحاب رسول الله ما استطاعوا أن ينشروا الإسلام في الخافقين إلا لأنهم عاشوا القيم الإسلامية، وحينمــا ترون المسلمين الآن يزيدون على ألف ومئتي مليون، وليست كلمتهم هي العليا، وليست إرادتهم هي النافذة، فيجب أن نستنبط أو يجب ألا نتهم الله في وعده بل نستنبط أن ديننا كأن القيم فرغت منه, وبقي شكلاً بلا محتوى، بقي مظاهر بلا مضمون، بقي طقوساً بلا مشاعر.
النبي عليه الصلاة والسلام أوصى أصحابه يوماً, فقال: (( خذوا القرآن عن أربعةً، عن عبد الله بــن مسعود, وعن سالم مولى أبي حذيفة, وعن أبــــي بن كعب, وعن مــــعاذ بن جبل )) . سـالم ممن شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ماهر في القرآن، إلى درجة أن النبي أمر أصحابه أن يـأخذوا عنه، أن يتعلموا منه، إذاً: بـلغ مرتبة التفوّق في التلاوة والفهم. النبي يأمر أصحابه الأجلاء أن يجلسوا أمامه, وأن يأخذوا عنه القرآن، أن يتتلمذوا على يديه، وأن يقتبسوا من علمه، وأن يستنيروا بنوره، قالوا: إنه عبد رقيق. أرأيتم إلى مجتمع الطبقة الواحدة، أرأيتم كيف أن قيم الإسلام عاشها أصحاب النبي؟ أرأيتم أيها الأخوة كيف أن في الإسلام قيمتين فقط قيمة العلم والعمل، وما سوى هاتين القيمتين تحت الأقدام، عبد رقيق يأمر رسول الله أصحابه وهم من علية قريش أن يجلسوا أمامه متأدبين ليتعلموا منه القرآن. من الذي رفع شأن هذا العبد الرقيق, وجعله سيداً من أسياد البشر؟ الذي رفعه الإسلام. الإسلام، والقرآن، واتّباع النبي عليه الصلاة والسلام، هو الذي جعل هذا العبد الرقيق نقف أمام قصته متأدبين ونتحدث عنه مجلين مكبرين إنه سيدنا سالم مولى سيدنا حذيفة, كان رقيقاً وأعتق وآمن بالله وبرسوله إيمانا مبكراً.
من هو سالم مولى أبي حذيفة؟ أبو حذيفة تبناه، فلما نزل القرآن الكريم بتحريم التبني صار اسمه سالم مولى أبي حذيفة، كان اسمه سالم بن أبي حذيفة، فقد حّرم الله التبني، هذا الصحابي الجليل آخى سيدنا أبي حذيفة وصارا أخوين في الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، مما يلفت النظر في سيرة هذا الصحابي أنه كان حجة في كتاب الله، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه أن يتعلموا منه وكان إماماً للمهاجرين من مكة إلى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء. مسجد قباء هو المسجد الذي في ظاهر المدينة، وهو الموقع الذي استقبل عنده أصحاب رسول الله من الأنصار المؤمنين قبل أن يروا رسول الله . بلغ من التفوق في القرآن، ومن الورع والإخلاص، ومن حب النبي عليه الصلاة والسلام, حتى قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: (( الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك )).
فسيدنا سالم كان جريئاً بالحق، وهذه قصة نموذجية، تبين عظمة الإسلام، وتبين عظمة هذا النبي العظيم . فبعد أن فتحت مكة للمسلمين بعث النبي عليه الصلاة والسلام ببعض السرايا إلى ما حول مكة من قرى وقبائل، وأخبرهم أنه عليه الصلاة والسلام إنما يبعث بهم دعاة لا مقاتلين, وكان على رأس إحدى السرايا سيدنا خالد بن الوليد، وحينما بلغ خالد وجهته حدث ما جعله يستعمل السيف ويريق الدم، وقع أمر اقتضى أن يحارب سيدنا خالد مع أن التوجيه الذي معه ألا يحارب، والتوجيه خلاصته دعوة لا قتال، وحينما سمع بهذه الواقعة اعتذر إلى الله عز وجل، وقال: (( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد )). كم في النبي من رغبة في حقن الدماء؟ كم عند النبي من رغبة في نشر السلام؟ كم كان حريصاً على حياة الناس؟ كم كان حريصاً على أن يحيا الناس بسلام؟ كم كان حريصاً على أن ينشر هذا الإسلام بالدعوة السلمية لا بالسيف؟ .
كان سيدنا سالم مولى أبي حذيفة مع سيدنا خالد في هذه الواقعة, ولم يكد سالم يرى صنيع خالد حتى واجهه بمناقشة حامية، سيدنا خالد القائد، القرشي، البطل، العظيم في الجاهلية ، وفي الإسلام، ينصت مرةً إلى سيدنا سالم، عبد رقيق يناقش قائد جيش, وهذا القائد يصغي إليه، ويعتذر له, ويبين وجهة نظره تارةً, ويسكت تارةً، وسالم مستمسك برأيه يعلنه في غير تهيب أو مداراة، الإسلام سوّى بينهما، سوّى بين خالد وبين سالم، سالم عبد رقيق، وخالد من وجهاء قريش، لكن لا شك أن سيدنا سالم ما عارضه حباً في المعارضة, وفي زماننا المعارضة هي الهدف، إثبات وجود عملية إزعاج، عملية تحجيم، عملية تجريح، عملية كيد, عمليــة تفوق، يعني أهداف خسيسة جداً، الأهداف خسيسة لخساسة النفوس.
النبي عليه الصلاة والسلام حينما بلغه صنيع خالد بن الوليد سأل, وقال: (( هل أنكر عليه أحد؟ فقالوا له: نعم راجعه سالم وعارضه، فارتاح النبي عليه الصلاة والسلام )). معناها أنت يجب أن تبنى بناء صحيحاً، بناء على أسس سليمة, بناء على موازين، على مناهج، على مقاييس، وليس السماع وتصديق كل شيء, لا، وهذا يؤكده قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنما الطاعة في معروف )). اتباع أعمى ليس عندنا، بل الحق حق، والباطل باطل, والموازين واضحة، والموازين في الكتاب والسنة, قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾، أي إلى الكتاب والسنة.
فلماذا أرتاح النبي؟ هل عندكم إجابة؟ نعم لا تجتمع أمتي على ضلالة، فلو سكت سالم لاجتمع القوم على ضلالة، وهذا يتنافى مع مجتمع المسلمين, لكن اليهود وصفهم الله عز وجل بأنهم: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾. فلما رأى النبي أن أحد أصحابه راجع سيدنا خالداً ارتاح عليه الصلاة والسلام، يعني التربية صحيحة، أما لو رباهم على الخضوع، رباهم على النفاق، لِما وجد من يناقش القائد.
انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى, وواجهت خلافة الصديق مؤامرات المرتدين, وجاء يوم اليمامة، وكانت حرباً رهيبةً لم يُبتلَ الإسلام بمثلها, وخرج المسلمون للقتال، وخرج سالم وأخوه في الله أبو حذيفة, وفي بدء المعركة لم يصمد المسلمون للهجوم، وأحس كل مؤمن أن المعركة معركته، وأن المسؤولية مسؤوليته, وجمعهم خالد من جديد، وأعاد تنسيق الجيش بعبقرية مذهلة, وتعانق الأخوان أبو حذيفة وسالم وتعاهدا على الشهادة في سبيل الدين الحق الذي وهبهما سعادة الدنيا والآخرة، وقذفا نفسيهما في الخضم الرهيب, كان أبو حذيفة, يقول وينادي: يا أهل القرآن, زينوا القرآن بأعمالكم, وسيفه يضرب كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذاب ، وكان سالم يصيح هذا أبو حذيفة, أما سيدنا سالم, فقد قال: بئس حامل القرآن أنا، لو هوجم المسلمون من قبلي . فقيل له : حاشاك يا سالم, بل نعم حامل القرآن أنت.
وكان سيف هذا الصحابي الجليل جوالاً، صوالاً، في أعناق المرتدين، وهوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها، وكان يحمل بها راية المهاجرين، بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب، ولما رأى يمناه تبتر التقط الراية بيسراه، وظل يلوح بها إلى أعلى, وهو يصيح تالياً الآية الكريمة: ﴿و َكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ سيدنا سالم تلا هذه الآية, ثم أحاطت به غاشية من المرتدين فسقط البطل ، ولكن روحه ظلت تتردد في جسده الطاهر، حتى انتهت المعركة بقتل مسيلمة الكذاب، واندحار جيشه، وانتصار جيش المسلمين, وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهداءهم وجدوا سالماً في النزع الأخير يلفظ أنفاسه الأخيرة . -وفي التاريخ الإسلامي مشاهد يكاد العقل لا يصدقها، ثلاثة جرحى اسألوا طبيباً جراحاً إذا أجرى عملية لإنسان, وفقد جزءاً من دمه, يعني يصبح الماء أغلى عليه من روحه ، يطلب ماء كثيراً، كل إنسان أصابه نزف تنشأ عنده حالة عطش غير معقولة, فهؤلاء الصحابة الثلاثة، جاءهم شخص ليسقي الماء, فسأل أول شخص: هل لك بالماء حاجة؟ قال له: اسقِ أخي لعله أحوج مني، ذهب إلى الثاني, فقال له: اسقِ أخي لعله أحوج مني، فذهب إلى الثالث فرآه قد مات، رجع إلى الثاني فرآه قد مات، ثم رجع إلى الأول فرآه قد فارق الحياة. قال تعالى:﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾.- سيدنا سالم وهو في النزع الأخير, قال: (( ماذا فعل أبو حذيفة؟ )) - هناك صحابي جليل سعد بن الربيع تفقده النبي فما وجده، فسأل أناس يتفقدونه في ساحة المعركة، الذي كلفه النبي أن يتفقده رآه بين الموت والحياة, قال له: (( يا سعد, هل أنت بين الأموات أمْ بين الأحياء؟ قال له: والله أنا مع الأموات, ولكن أبلغ رسول الله وأقرئه السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم إذا خلص أحد إلى نبيكم وفيكم عين تطرف )). إنسان على فراش الموت، أو في النزع الأخير، على وشك مغادرة الدنيا، لا ينسى فضل النبي عليه.
فسيدنا سالم, قال: ما فعل أبو حذيفة؟ قالوا: استشهد، قال: أضجعوني إلى جواره قالوا: إنه إلى جوارك يا سالم، لقد استشهد في المكان نفسه, وابتسم ابتسامته الأخيرة، ولم يتكلم . لقد عاش سالم وأبو حذيفة معاً، وأسلما معاً، واستشهدا معاً, أما الشيء الغريب أن سيدنا عمر بن الخطاب، عملاق الإسلام الخليفة الراشد، ثاني الخلفاء الراشدين، يقول وهو على فراش الموت: لو كان سالم حياً لوليته الأمر من بعدي . هذا هو الإسلام .
