بحث

عبد الله بن أم مكتوم الكفيف المبصر

عبد الله بن أم مكتوم الكفيف المبصر

بسم الله الرحمن الرحيم

     عبد الله بن أم مكتوم الذي نزل في شأنه قرآن يُتلى إلى يوم القيامة، نزل به جبريل الأمين على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن أم مكتوم قرشيٌّ مكيٌّ، من مكة المكرمة، فهو مهاجر، تربطه بالرسول صلى الله عليه وسلم رحم، فهو قريب من أقرباء النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان ابن خال أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها، أما أبوه فقيس بن زائد، وأما أمه فعاتكة بنت عبد الله، وقد دُعيت بأم مكتوم، لأنها ولدته أعمى مكتوماً. الصحابي الذي عُوتب فيه النبي عليه الصلاة والسلام من فوق سبع سموات من قِبَل الله عز وجل، وقصة هذا الصحابي لها ملابسات كثيرة، ولا بد من توضيح بعضها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما هو ثابت في العقيدة معصوم عن الخطأ. 

     شهد عبد الله بن أم مكتوم مطلع النور في مكة، فشرح الله له صدره للإيمان، وكان من السابقين إلى الإسلام، وقد بلغ من إقباله على النبي صلى الله عليه وسلم, وحرصه على حفظ القرآن الكريم، أنه كان لا يترك فرصة إلا اغتنمها، ولا سانحة إلا ابتدرها, يعني حريص على أن يلتقي بالنبي عليه الصلاة والسلام حرصاً لا حدود له، بل إن هذا الصحابي الجليل، عبد الله بن أم مكتوم بلغ من حرصه على لقاء النبي عليه الصلاة والسلام مبلغاً كبيراً، فكان إلحاحه على أن يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام يحمله أحياناً على أن يأخذ نصيبه من النبي عليه الصلاة والسلام ونصيب غيره. 

     كان عليه الصلاة والسلام في هذه الفترة يمر بمحنة عصيبة، فكان عليه الصلاة والسلام كثير التصدي لسادات قريش، فالنبي عليه الصلاة والسلام إن جلس مع عبد الله بن أم مكتوم، ذلك الصحابي الجليل المحب العاشق، الذي يتمنى ألاَّ يفارق النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا أَحبُّ إليه، وأيهما أهون على النبي، أن يجلس مع عبد الله بن أم مكتوم، أم أن يجلس مع زعماء الكفر والفسق؟ وماذا اختار النبي؟ اختار الأصعب، اختار الأشق حباً بالله عز وجل، لأنه انطلق من أن هؤلاء الزعماء الأقوياء الأشداء إذا أسلموا أسلم معهم أناس كثيرون، لأن الناس دائماً تابعون ومتبوعون، ولكل بلدة كبراء، والكبراء ماذا يفعلون؟ أي شيء يفعلونه يقلدهم الناس فيه، جاءه ابن أم مكتوم, وكان النبي مع زعماء قريش، وإنْ صحّ التشبيه أسوق هذا المثَل ، أنت مدرس رياضيات، وابنك في البيت، وأنت في لقاء مهم، وأنت منهمك في إقناع هؤلاء الذين في غرفة الضيوف، فدخل عليك ابنك لتحل له مسألة في الرياضيات، فماذا تقول له؟ انتظر قليلاً، أنا لك اليوم كله، دعني الآن وشأني، هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام مع ابن أم مكتوم . فالتقى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعتبة بن ربيعة, وأخيه شيبة بن ربيعة، وعمرو بن هشام المكنى بأبي جهل، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وطفق يفاوضهم ويناجيهم ويعرض عليهم الإسلام، وهو يطمع أن يستجيبوا له، أو أن يكفوا أذاهم عن أصحابه, إذاً: النبي كان في مهمة مقدسة عظيمة، وهذه الحادثة تزيدنا حباً برسول الله، هذه القصة تزيدنا إكباراً له، تعظيماً لشأنه لمقامه العالي لأنه اختار الأصعب.   يعني إذا أب مثلاً رأى ابنه يدرس الساعة التاسعة، فاستلقى الأب في فراشه، واستيقظ الساعة الواحدة ورآه يدرس، ثم عاد إلى النوم الساعة, واستيقظ الساعة الثالثة استيقظ فرآه يدرس، فقد يغضب الأب من ابنه، فهل يعتب عليه أم يعتب له؟ فرق دقيق بين من يعتب على إنسان وبين من يعتب له، يقول له: يا بني لا بد أن تستريح، إن لجسدك عليك حقاً، هذه معاتبة ، ولكن هذه ليست عتابًا عليه، بل عتاب له، وشتان بين العتابين . 

طفق النبي يشرح لهم ويبيِّن ويوضح ويتلو عليهم آيات القرآن فلعلهم يسلمون، فإن أسلموا أسلم معهم خلق كثير، وإن اقتنعوا بالإسلام ولم يسلموا فلعلهم يكفون أذاهم عن أصحابه ، وفيما هو كذلك أقبل عليه عبد الله بن أم مكتوم، وكان كفيف البصر طرق الباب يا رسول الله, علمني مما علمك الله، النبي رأى أن هذا الوقت غير مناسب، وبإمكانه أن يأتي في أي وقت يشاء غير هذا، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام يستقرؤه آية من كتاب الله، ويقول:  يا رسول الله علمني مما علمك الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يعرض عنه ويعبس في وجهه، ثم يتولى نحو أولئك النفر من قريش، وأقبل عليهم أملاً في أن يسلموا، فيكون في إسلامهم عز لدين الله، وتأييد لدعوة رسول الله, وما إن قضى رسول الله حديثه معهم وفرغ من نجواهم، وهمَّ أن ينقلب إلى أهله حتى جاء الوحي، ونزل عليه قوله تعالى:  ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى . هذا وصفُ وضع النبي، فالإنسان يجب أن يكون دقيق الذهن، حسن الظن، ما استعمل الله عز وجل تركيباً إنشائياً فيه توبيخ, أو فيه تعنيف, أو فيه نهي، أو فيه أمر، تركيب خبري وصفي. فالله جل جلاله يبيِّن للنبي عليه الصلاة والسلام أن هؤلاء السادة الكبراء لا خير فيهم، هذا علمُ الله، وهو عليه السلام يتوسم فيهم الخير، ويعلق آمالاً على هدايتهم، لكنّ اللهَ عز وجل لأنه خالقهم وهو الذي يعلم، قال له: يا محمد هؤلاء ليس فيهم خير، فلا تشغل بالك بهم, إنك لا تستطيع أن تهديهم لأنهم مخيرون، فإن الله يهدي من يشاء، هناك آيتان, قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي إنك لا تستطيع هدايتهم, والآية الثانية :  ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ . لست مسؤولاً عن هدايتهم, لأنهم مخيرون، هم اختاروا الدنيا، هم اختاروا الإعراض، هم اختاروا الشرك، الله عز وجل وصف وبيّن وصف حال النبي, وبيّن له أنه الإله الذي يعلم. ومنذ ذلك اليوم ما فتئ النبي عليه الصلاة والسلام يكرم منزل عبد الله بن أم مكتوم إذا نزل، ويدني مجلسه إذا أقبل، ويسأل عن شأنه ويقضي حاجته، ولا غرو أليس هو الذي عوتب فيه من فوق سبع سموات من قبل المولى جل وعلا؟ . 

     لما قستْ قريش على النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه، واشتد أذاها لهم، أذن الله للمسلمين بالهجرة، فكان عبد الله بن أم مكتوم، أسرع القوم مفارقة لوطنه وفراراً بدينه، فقد كان هو ومصعب بن عمير أول من قدما المدينة من أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم. وما إن بلغ عبد الله بن أم مكتوم يثرب حتى طفق هو وصاحبه مصعب بن عمير يختلفان إلى الناس ويقرئانهم القرآن ويفقهانهم في دين الله. 

     ولما قدم عليه الصلاة والسلام إلى المدينة اتخذ عبد الله بن أم مكتوم, وبلال بن رباح مؤذنين للمسلمين يصدعان بكلمة التوحيد كل يوم خمس مرات. 

     وقد بلغ من إكرام النبي عليه الصلاة والسلام لابن أم مكتوم أن استخلفه على المدينة عند غيابه عنها بضع عشرة مرة، كانت إحداها يوم غادرها لفتح مكة, فكان النبي كلما غادر المدينة غازياً أو فاتحاً استخلف عليها أميراً هو عبد الله بن أم مكتوم، وهذه مرتبة عالية جداً, أن يختار النبي هذا الصحابي الجليل نائباً عنه في إدارة شؤون المدينة في غيابه . 

     في السنة الرابعة عشرة للهجرة، عقد عمر بن الخطاب العزم على أن يخوض مع الفرس معركة فاصلة تزيل دولتهم وتزيل ملكهم، وتفتح الطريق أمام جيوش المسلمين، فكتب إلى عماله يقول: لا تَدَعُوا أحداً له سلاح, أو فرس, أو نجدة، أو رأي, إلا وجهتموه إليه، والعَجَلَ العَجَلَ . وطفقت جموع المسلمين تلبي نداء الفاروق, وتنهال على المدينة من كل حدب وصوب, وكان في جملة هؤلاء المجاهدين المكفوف البصر عبد الله بن أم مكتوم. فأمَّر الفاروق على الجيش الكبير سعد بن أبي وقاص، ووصاه وودعه، ولما بلغ الجيش القادسية، برز عبد الله بن أم مكتوم لابساً درعه مستكملاً عدته، وندب نفسه لحمل راية المسلمين, والحفاظ عليها أو الموت دونها، والتقى الجمعان في أيام ثلاثة قاسية عابسة، واحترب الفريقان حرباً لم يشهد لها تاريخ الفتوح مثيلاً، حتى انجلى الموقف في اليوم الثالث عن نصر مؤزر للمسلمين، فزالت دولة من أعظم الدول، وزال عرش من أعرق العروش، ورُفعت راية التوحيد في أرض الوثنية، وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء، وكان من بين هؤلاء الشهداء عبد الله بن أم مكتوم، فقد وجد صريعاً مضرجاً بدمائه, وهو يعانق راية المسلمين . 



المصدر: الصحابة الكرام : 42 - سيدنا عبد الله بن أم مكتوم