المصائب مَحْض فضْلٍ، ومَحضُ عَدْلٍ، وقد سمَّاها العلماء النِّعَم الباطنة في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ النِّعَم الباطنة هي المصائب، والدليل قوله تعالى:﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الإعزاز خَير، والإذلال خَيْر، والعطاء خَير، والمنعُ خَير، لذلك علماء التوحيد يحظِّرون على المسلم أنْ يذكر بعض أسماء الله عز وجل وحدها، فلا بد أن تقول: المانع المعطي لأنَه يمنَعُ لِيُعْطي، والضَّار النافع، أيْ يضرّ لِيَنفَعَ، والخافض الرافع، يخفض لِيَرْفَعَ قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ هؤلاء المستضعفون نريد أن نمكِن لهم في الأرض.
إذا أردْت أن تكون من عباد الله المقرَّبين فاسْتَعِدَّ للبَلاء، ولكن إيَّاك أن تطلب البلاء فهذا سوءُ أدبٍ مع الله عز وجل. ((قَال رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ؟ فَقَالَ: انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاه)) هناك امْتِحان، وهذه دَعوة كبيرة جدًّا أن تُحِبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه تحتاج إلى بطولة، وإلى ابتِلاء، وتحتاج إلى صَبْر، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أُلْقيَ القبض عليه ليقْتَل ويعذَّب قبل أن يُقْتَل تقدَّم منه أبو سفيان أظنّه خُبيْبًا، فقال له: يا خُبَيب أتُريد أن يكون محمَّد مكانك وأنت معافى؟ فقال خُبَيب رضي الله عنه: والله ما أحبّ أن أكون في أهلي وولدي، وعند عافِيَة الدُّنيا ونعيمها ويُصاب رسول الله بِشَوْكَة! هذا هو الإيمان، هل أحْببْت في الله؟ هل أعْطَيْت في الله؟ هل منعْت لله؟ ماذا قدَّمتَ؟ ومع من وَقَفت؟ من عادَيْتَ؟ الإيمان مواقف، والإيمان الْتِزام وبذْل وعطاءٌ، فلذلك حينما يظنّ الإنسان أنَّ هذه الدنيا دار نعيم، ودار مُتَعٍ وسُرور فقد وقعَ في خطأ كبير، هذه الدنيا دار عمل، ودار ابْتِلاء، ودار بَذْل، ودار عطاء، النَّعيم المقيم في الآخرة، والسَّعادة العظمى في الآخرة، والطمأنينة في الآخرة، والتَّشريف في الآخرة، أنت الآن في دار تَكليف.
قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) هذا العبد له إمكانيات طيِّبة، ويحبّ الله ورسوله، يُنْتَظَر منه أن يكون ذا مقامٍ عالٍ، هذا العبد مخلص، يسأل الله عز وجل أن يطهِّرَ قلبه من الأغيار، هذا هو طلبه، فلهذا الطَّلَب العالي، ولهذا السموّ الرفيع، الله سبحانه وتعالى يُعجِّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بِعَبْدِهِ الشرّ أمْسكَ عنه بِذَنْبِهِ حتى يُوافي به إلى يوم القيامة، يجبُ أن تعلموا عِلْم اليقين أنَّه في اللَّحظة التي يُتْركُ فيها العَبْد وشأنَهُ، يُتْركُ فيها العَبد وذَنبهُ، يُتْركُ فيها العبد وتقصيرهُ، يُتْركُ فيها العَبد ومخالفته، في هذه اللَّحظة يجب أن تعلمَ عِلْم اليقين أنَّك مُهانٌ عند الله تعالى، أما إذا حاسبَكَ حِسابًا سريعًا، انْحرفْتَ قليلاً فجاء العقاب، وقصّرْت فجاء الدّواء، تجاوَزت فجاء العلاج، اتَّكَلْت على غيره فجاء التخلي، أشْركت به فجاء التأديب، إذا كنتَ كذلك فأنت في نعمة كبرى، لأنَّ هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحبُك، وهذه النُّقطة مهمّة جدًّا.
المؤمن كأنّ له رداءً أبيض ناصعًا فإذا وقعَ عليه شيءٌ مهما بدا صغيرًا يبْدو صارخًا، الثَّوبُ الأبيَض الناصع البياض، والنَظيف، لو أنَّ شيئًا وقَعَ عليه لا يزيدُ عن أنملةٍ يبْدو صارخًا لذلك يُسارعُ صاحبُ الثَّوب الأبيَض إلى مسْح هذه البقعة الملوّنة، ولكن هذا الذي يرْتدي ثوبًا أسْود قد تمرَّغَ به في الوَحل والزُّيوت، وفي الشُّحوم، لو ألْقَيْتَ عليه محبرة فلا يظهر لها أثر، فهناك إنسان ثوبهُ أسْوَد، وهناك من ثَوبُهُ أبْيَض، فالمؤمن ثوبُهُ أبْيَض، لذا ما مِن عثرةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْقٍ ولا خَدْش عودٍ إلا بما قدَمَتْ أيديكم وما يعْفو الله أكثر، والآية الكريمة قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. كلُّكم يعلم أب عنده ثلاثة أولاد، ولد ابن ذكيٌّ ومتفوِّقٌ، وابنٌ آخر ذكيٌّ ومقصِّر، وابنٌ ثالث أبله، فهذا الأبُ لن يضيِّق على الأبلهِ لعدم الجدوى على التضييق عليه، فيدعه وشأنه لا يحتاج إلى تأديب، لكنَّ تأديب هذا الأب ينصبُّ على الابن الثالث الذكيِّ المقصِّر، فالإنسان لمَّا يقصّر يبْتَلِيه اللهُ عز وجل، فإذا تفوّق ربَّما ابتُليَ بنوع آخر، فإذا تفوَّق في معرفة الله عز وجل له امتحاناتٌ من نوع أخر أرقى، هناك متاعب مقدَّسةٌ وهناك متاعب مؤدِّبةٌ، وهناك متاعب فيها عقوبة. قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ((عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ)) .
المؤمن إذا أصابتْهُ مصيبة عليه أن يتَّهِم نفسهُ بالتَّقصير، الله سبحانه وتعالى عادِل، ورحيم، ولا بدّ من زَلَّةٍ زَللْتَ بها، ولا بدَّ من مَعْصِيَةٍ اقْترفتها، ولا بدّ من مخالفةٍ وقعْتَ بها، لا بدَ من تقصيرٍ بدَر منك، ولا بدَّ من تَطاوُلٍ تكلَّمْت به، ولا بدّ من شِرْك، ومن اعْتِمادٍ على غير الله تعالى هكذا الأدَب، إذا وقعْت في مشكلةٍ فاتَّهِم نفْسكَ، أما إذا رأيْت أنَّ أخاك قد وقعَ في مشكلة فإيَّاك أن تتَّهِمَهُ، فهذا من سوء الأدب وعليك أن تقول: هذه مصيبة أرْجو الله أن يرفعهُ بها، فهذه اعْتبِرْها مصيبة رَفْع أما لك فاعْتَبِرْها مصيبة عِقاب.
وكما تعلمون هناك مصيبة القصْم، وهناك مصيبة الرَّدع، وهناك مصيبة الدَّفع، وهناك مصيبة الرَفع، وهناك مصيبة الكَشف:
- مصيبة القَصْم: لمَّا يسْتوفي الإنسان كلّ رغباته في الدنيا ويريد أن يفجر ويؤذي، عندئذٍ يقْصِمهُ الله عز وجل، إذا طغي، وبغى، واعتدى، وتكبَّرَ، وأصْبحَ يزْدادُ شرًّا كلّ ساعةٍ، يقْصمهُ الله سبحانه وتعالى.
- مصيبة الرَّدع: فقد ينْحرفُ الإنسان، قد يأكل مالًا حراماً فيفقد أموالًا طائلة، أكل أمس فأذهب أموالاً طائلةً، مصيبة قاسية جدًّا، هذه مصيبة الردع.
- مصيبة الدفع: مؤمن مستقيم لكنه مقصِّرٌ، فتأتي المصيبةُ لتدفعه إلى الأمام.
- مصيبة الرفعُ: مؤمن مستقيم ويسرع في طريقه إلى الله، لكنه يحتمل، ومادام يحتمل فيضاعف اللهُ له أجره بهذه المصيبة.
- مصيبة الكشف: وأما الأنبياء ففي أنفسهم من الكمال ما لا يبدو إلا في المصيبة، أي فيه آلات أو فيه محرِّكاتٌ جبَّارةٌ ذاتُ قوى عالية جدًّا لا تبدو إلا في طرق وعْرة جدًّا وفي صعود حادٍّ جدًّا وإلا محرِّك آخر أدنى بكثير يقوم بهذه المهمَّة، فهذه مصيبة الكشف.