بحث

عبد الله بن سلام

عبد الله بن سلام

بسم الله الرحمن الرحيم

     سيدنا عبد الله بن سلام، ولهذا الصحابي قصة مؤثرة، لكن قبل أن نمضي بالحديث عن تفاصيلها لا بد من مقدمة نوضح فيها جوانب هذه الشخصية الفذّة . مما يطرح في العصور الحديثة أن الإنسان ابن بيئته، ابن ثقافته، ابن مورثاته، ابن عاداته وتقاليده، وهذا الطرح يصور الإنسان منفعلاً وليس فاعلاً، فالإنسان مسلمٌ لأنه كان من أبوين مسلمين، فلو وُلد من أبوين غير مسلمين لما كان مسلماً، نشأ في بيت فيه علم وصلاح ، وأبوه ربَّاه هكذا، ولو نشأ في بيت آخر لما كان كذلك, هذا الطرح يمهد لإلغاء المسؤولية، ويقرر أن الإنسان منفعل، وهو ابن المعطيات الكبرى في حياته. لذلك هذا الصحابي الجليل سوف يثبت لنا أن الإنسان أكبر من أي شيء حولنا، أكبر من بيئته، أكبر من محيطه، أكبر من وراثته، وألصق شيء في الإنسان دينه، وهذا الصحابي كان يهودياً، ليس مسلماً انتقل من دين إلى دين، فكل إنسان يرى أنه مستحيل أن ينتقل من دين إلى دين لأنه هكذا نشأ، هذا كله كلام لا قيمة له إطلاقاً في حقل الإيمان . 

     اسمه الحصين بن سلام، وكان حبراً من أحبار اليهود، أيْ أحد كبار رجال الدين اليهودي، فكان هذا الرجل الحصين بن سلام حبراً من أحبار اليهود في يثرب، وكان أهل المدينة على اختلاف مللهم ونحلهم يجلُّونه ويعظِّمونه، وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا, وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً, وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ, وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ)). الذهب ذهب في أي مكان، وغير الذهب ليس ذهباً في أيِّ مكان، هذا من أحبار اليهود، ويبدو أنه يتمتع بأخلاق رفيعة، هي التي حملته على أن يسلم، فمن الممكن أن تعتقد، وأنت مصيب في اعتقادك أنّ الإنسان الأخلاقي أخلاقياته لا بد أن تسوقه في النهاية إلى الإيمان، إن رأيت إنسانًا أخلاقه عالية جداً فتفاءل له بالخير، أخلاقه الرضية لا بد أن تقوده في وقت ما إلى أن يكون في صف المؤمنين، هل عندكم برهان قرآني على هذه الفكرة؟ قال تعالى: ﴿إ ِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾، الصالح يتولاه الله، فقد كان الحصين بن سلام معروفاً بين الناس بالتُّقَى والصلاح، موصوفاً بالاستقامة والصدق، وكان يحيا حياةً هادئةً وديعة، ولكنها كانت في الوقت نفسه جادةً نافعة، فقد قسم وقته أقساماً ثلاثة: شطرًا في الكنيس للوعظ والعبادة، وشطرًا في بستان له يتعهد نخله بالتشذيب والتأبير، وشطرًا مع التوراة للتفقه في الدين، هكذا وصفوه، وكان كلما قرأ التوراة وقف طويلاً عند الأخبار التي تبشر بظهور نبي في مكة، يتمم رسالات الأنبياء السابقين، ويختمها. الإيمان أنْ تأخذ كل ما في القرآن، أما إذا اخترت ما يعجبك، وأغفلت ما لا يعجبك فلست مؤمناً، كما قال تعالى على لسان السيد المسيح عيسى بن مريم: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. فكان هذا الصحابي الجليل ينتظر مجيء هذا النبي، فإذا كنت تعبد الله، واللهُ سبحانه وتعالى أرسل لك رسولاً، فينبغي أن تتبعه، أما أن تصرّ على اتِّباع النبي السابق فأنت إذاً لا تعبد الله، هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

     سيدنا عبد الله بن سلام كان عبداً لله عز وجل، نفذ أمر الله كله، فكان كلما قرأ التوراة وقف طويلاً عند الأخبار التي تبشر بظهور نبي في مكة، يتمم رسالات الأنبياء السابقين، ويختمها، وكان يستقصي أوصاف هذا النبي المرتقب وعلاماته، ويهتز فرحاً، لأنه سيهجر بلده الذي بُعِث فيه، وسيتخذ من يثرب مَهْجراً له ومقاماً, وكان كلما قرأ هذه الأخبار، أو مرّتْ بخاطره يتمنى على الله أن يفسح له في عمره حتى يشهد ظهور هذا النبي المرتقب، ويسعد بلقائه، ويكون أول المؤمنين به . وقد استجاب الله جل جلاله دعاء الحصين بن سلام، فنسأ له في أجله، ومدّ في حياته حتى بُعث نبي الهدى والرحمة، وكُتِبَ له أن يحظى بلقائه وصحبته، وأن يؤمن بالحق الذي أنزل عليه. فلنترك الآن كما هي العادة لعبد الله بن سلام الكلام ليسوق لنا قصة إسلامه، فهو لها أروى وعلى حسن عرضها أقدر .قال الحصين بن سلام:  ((لما سمعت بظهـور رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت أتحرى عن اسمه وعن نسبه وصفاته وزمانه ومكانه، وبين ما هو مسطور عندنا في الكتب حتى استيقنت من نبوته ، -معنى ذلك بحسب هذا النص أنّ هناك أوصافًا ثانوية كثيرة وردت في التوراة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حتى استيقنت من نبوته ، لذلك فالعقل مهمته قبل النقل التحقُّقُ من صحة النقل، ومهمته بعد النقل فهمُ النقل، أما أن يحلَّ العقلُ محلَّ النقل فهذا انحراف خطير- قال: إلى أن كان اليوم الذي خرج منه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قاصداً المدينة، فلما بلغ يثرب، ونزل بقباء أقبل رجل علينا، وجعل ينادي بالناس معلماً قدومه، وكنت عند رأس نخلة لي أعمل فيها، وكانت عمتي خالدة بنت الحارث جالسةً تحت الشجرة، فما إن سمعتُ الخبر حتى هتفتُ: الله أكبر الله أكبر، وأنا على رأس النخلة، فقالت لي عمتي حينما سمعت التكبير: خيّبك الله، واللهِ لو كنت سمعتَ بموسى بن عمران قادماً ما فعلت شيئاً فوق ذلك, أنت يهودي، ما هذا التكبيـر؟ فقلت لها: أي عمة، إنه واللهِ أخو موسى بن عمران، وعلى دينه، وقد بُعث بما بُعث به،  -الرسالات واحدة، والمشكاة واحدة، والنور واحد، والمصدر واحد، والهدف واحد، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. فسكتت، وقالت: أهو النبي الذي كنتم تخبروننا أنه يبعث مصدقاً لما قبله، ومتمماً لرسالات ربه؟ فقلت: نعم، قالت: فذلك إذاً، ثم مضيت من توئي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت الناس يزدحمون على بابه، فزاحمتهم حتى صرت قريباً منه، فكان أول ما سمعته, وهو قول: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ, وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ, وَصِلُوا الْأَرْحَامَ, وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ )) قال:  فجعلت أتفرس فيه وأتملى منه، فأيقنت أن وجهه ليس بوجه كذاب، ثم دنوت منه وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام,   وقال: ما اسمك؟   فقلت: الحصين بن سلام،   فقال عليه الصلاة والسلام: بل عبد الله بن سلام ، قال:  والذي بعثك بالحق ما أحبُّ أن لي اسماً آخر بعد اليوم، ثم انصرفت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتي، ودعوت زوجتي وأولادي إلى الإسلام فأسلموا جميعاً، وأسلمتْ معهم عمتي خالدة، وكانت شيخة كبيرة  قال:  ثم إني قلت لهم: اكتموا إسلامي وإسلامكم عن اليهود حتى آذن لكم، فقالوا: نعم، ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت له: يا رسول الله, إن اليهود قوم بُهْتان وباطل، فهو يعرفهم، وإني أحب أن تدعو وجوههم إليك، وأن تسترني عندك في حجرة من حجراتك، ثم تسألهم عن منزلتي عندهم قبل أن يعلموا بإسلامي، ثم تدعوهم إلى الإسلام    فإنهم إنْ علموا أنني أسلمت عابوني، ورموني بكل ناقصة، وبهتوني، فأدخلني النبي عليه الصلاة والسلام في بعض حجراته، ثم دعاهم إليه، وأخذ يحضُّهم على الإسلام، ويحبب إليهم الإيمان، ويذكرهم بما عرفوه في كتبهم من أمره، فجعلوا يجادلونه بالباطل، ويمارونه بالحق، وأنا أسمع، فلما يئس من إيمانهم, قال لهم: ما منزلة الحصين بن سلام فيكم؟ قالوا: الحصين سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا، وعالمنا وابن عالمنا، فقال عليه الصلاة السلام: أرأيتم إن أسلم، أفتسلمون؟ قالوا: حاشا لله، ما كان له أن يسلم، أعاذه الله من أن يسلم ، قال: فخرجت إليهم، وقلت لهم: يا معشر اليهود اتقوا الله، واقبلوا ما جاءكم به محمد، فو الله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، وتجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمه وصفته، وإني أشهد إنه لرسول الله، وقد آمنت به وصدقته، وأنا أعرفه، فبهتوا,  وقالوا: كذبت، والله إنك لشرُّنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا، ولم يتركوا عيباً إلا عابوني به، فقلت للنبي عليه الصلاة والسلام: ألم أقل لك يا رسول الله, إن اليهود قوم بهتان وباطل، وإنهم أهل غدر وفجور)) 

     أقبل عبد الله بن سلام على الإسلام إقبال الظامئ الذي شاقه المورد، وأولع بالقرآن، فكان لسانه لا يفتأ رطباً بآياته البينات، وتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى غدا ألزم له من ظله، ونذر نفسه للعمل للجنة حتى بشَّره بها النبي صلى الله عليه وسلم بشارة ذاعت بين الصحابة, وليس من السهل أن تنتقل من دين إلى دين، لكن الإسلام أقوى من كل شيء، والإيمان أقوى من كل شيء، والإنسان ليس منفعلاً، بل فاعلاً، ليس ابن بيئته، ولا ابن وراثته، ليس ابن أبويه، ولا ابن محيطه، ولا ابن معطياته، ولكنَّه ابن نفسه، وابن قناعته، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾.

     فهذه القصة تروي كيف كان هذا الصحابي الجليل؟ كان يهودياً، وكان حبراً من أحبار اليهود، وكيف أن انتقال الإنسان من دين إلى دين شيء صعب جداً، وسوف يلاقي عِداءً وحقداً، وربما قتالاً، ومع ذلك فإيمانه كان أكبر، والهدى الذي عرفه كان أقوى من كل معطيات البيئة؟ فهذا الصحابي الجليل حجة على كل من يزعم أن بيئته صعبة، ويقول: معطياتي صعبة ، ونشأت في بيئة معينة، وأنا على دين كذا، فهذا مرفوض. 



المصدر: الصحابة الكرام : 24 - سيدنا عبد الله بن سلام