بحث

عمرو بن الجموح… شيخ لا يعرف الأعذار

عمرو بن الجموح… شيخ لا يعرف الأعذار

بسم الله الرحمن الرحيم

     عمرو بن الجموح ، شيخ عزم على أن يطأ بعرجته الجنة يعني أردت من هذا التعليق أن أبين لكم أن الإنسان مهما يكن حاله، ومهما يكن وضعه الصحي، ومهما يكن سنُّه، ومهما يكن وضعه الاقتصادي، ومهما تكن ظروفه، ومهما تكن مشكلاته، ومهما تكن بيئته، ومهما تكن قدراته, ومهما تكن إمكاناته، بإمكانه أن يدخل الجنة لأنه خُلِقَ لها، وما دام الله سبحانه وتعالى خلقنا للجنة، إذاً: فقد يسَّر لها السبل. مبدئياً، الأبوة الكاملة يمكن أن تدخلك الجنة، أنت أب كامل، حرصت على أولادك، وربَّيتَهـم تربيةً صالحة، ورعيتَ شؤونهم حتى زوَّجتَهم، وحتى نشؤوا على طاعة الله، ثم نامت عيناك راضيًا عنهم، ولقيت الله عز وجل وهو عنك راض، فهنيئًا لك, الأمومة الكاملة تدخل الجنة, البنوة الكاملة، ابن كان باراً بوالديه، يدخل بِبِرِّه الجنة . صنعة حرفتك، أية حرفة أنت فيها بإمكانك من خلالها أن تدخل الجنة، طبعاً يجب أن تكون الحرفة في الأصل مشروعة، ومارستها بطريقة مشروعة، وابتغيت بها رضوان الله عز وجل، ولم تشغلك عن فرض صلاة، ولا عن طاعة، ولا عن واجب، ولا عن مجلس علم، وابتغيت بها الخدمة، وأنت لا تدري تنقلب هذه الحرفة إلى عبادة. إذاً: في أي وضع يمكنك أن تدخل الجنة، فما عليك إلا أن تفكر، وإلا أن تتعلم، وإلا أن تنطلق إلى العمل متوكِّلاً على الله سبحانه.  

     فعمرو بن الجموح زعيم من زعماء يثرب في الجاهلية، وسيد بني سلمة المسود، وواحد من أجواد المدينة، وذوي المروءات فيها وقد كان من شأن الأشراف في الجاهلية، أن يتخذ كل واحد منهم صنماً لنفسه في بيته, صنمًا خاصًّا به، ليتبرك به أحدُهم عند الغدو والرواح، وليذبح له في المواسم، وليلجأ له في الملمات. كان صنم عمرو بن الجموح يُدعى مناة، وقد اتخذه من نفيس الخشب، وأرقى أنواعه، ولو تأملت حياتنا المعاصرة لرأيت فيها من الخرافات والأوهام والأضاليل ما لا يقل عن هذه الأوهام، ولكن بشكل آخر، وطريقة أخرى. جاء الإسلام فحرَّر العقول، وأعاد للإنسان إنسانيته، وعرَّفه قدرَه.   

     هذا الصحابي أسلم أولادُه الثلاثة على يدي سيدنا مصعب بن عمير، وهم: معوذ ومعاذ وخلاد, وآمنتْ مع أبنائه الثلاثة أمهم هند، وهو لا يعرف من أمر إيمانهم شيئاً، كلهم على يد مصعب بن عمير. رأت هند زوجة عمرو بن الجموح أن يثرب غلب على أهلها الإسلام، وأنه لم يبق من السادة الأشراف أحد على الشرك سوى زوجها ونفر قليل، وكانت تحبه وتجله، وتشفق عليه من أن يموت على الكفر، فيصير إلى النار. كان هو في الوقت نفسه يخشى على أبنائه أن يرتدوا عن دين آبائهم وأجدادهم، وأن يتبعوا هذا الداعية؛ مصعب بن عمير الذي استطاع في زمن قليل أن يحول كثيراً من الناس عن دينهم، وأن يدخلهم في دين محمد صلى الله عليه وسلم . مرةً قال لزوجته: ((يا هند، احذري أن يلتقي أولادك بهذا الرجل، -يعني مصعب بن عمير - حتى نرى رأينا فيه، فقالت: سمعاً وطاعة )) أنا أضرب لك هذا المثل دائماً، هل من المعقول أن تصلك رسالة تمزقها قبل أن تفتحها, هل يفعل هذا إنسان عاقل على وجه الأرض؟ فهند بأدب جم قالت لزوجها: (( هل لك أن تستمع من ابنك معاذ ما يرويه عن هذا الرجل؟ قال: ويحك، هل صبأ معاذ عن دينه، وأنا لا أعلم؟ فأشفقت المرأة الصالحة على هذا الشيخ، وقالت: كلا، ولكنه حضر بعض مجالس هذا الداعية، وحفظ شيئاً مما يقوله , فقال: ادعيه لي، فلما حضر بين يديه، قال: أسمِعْني شيئاً مما يقوله هذا الرجل, قال: يقول سبحانه وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فعمرو حينما قرأ ابنه عليه سورة الفاتحة، قال: ما أحسن هذا الكلام, وما أجمله! أوَ كلُّ كلامه مثل هذا؟ فقال معاذ:  وأحسن من هذا يا أبتاه، فهل لك أن تبايعه, فإنّ قومك جميعاً بايعوه؟ سكت الشيخ قليلاً، ثم قال: لست فاعلاً حتى أستشير مناة، يعني صنمه، فأنظر ما يقول؟ . فقال له الفتى: وما عسى أن يقول مناة يا أبتاه، وهو خشب أصمّ، لا يعقل ولا ينطق؟ فقال الشيخ في حدة: قلت لك: لن أقطع أمر دونه)). 

     ثم وقف أمامه بقامته الممدودة، واعتمد على رجله الصحيحة، فقد كانت الأخرى عرجاء ، شديدة العرج، فأثنى عليه أطيب الثناء، ثم قال: ((يا مناة, لا ريب أنك قد علمت بأن هذا الداعية الذي وفد علينا من مكة لا يريد أحداً بسوء سواك، وأنه إنما جاء لينهانا عن عبادتك، وقد كرهت أن أبايعه على الرغم مما سمعت من جميل قوله، حتى أستشيرك، فأشر عليَّ، فلم يردّ عليه مناة بشيء، فقال: لعلك قد غضبت، وأنا لم أصنع شيئاً يغضبك بعد، ولكن لا بأس فسأتركك أياماً حتى يسكت عنك الغضب. كان أبناء عمرو يعرفون مدى تعلق أبيهم بصنمه مناة، وكيف أنه غدا مع الزمن قطعةً منه؟ ولكنهم أدركوا أنه بدأت تتزعزع مكانته في قلبه، وأن عليهم أن ينتزعوه من نفسه انتزاعاً، سيدنا إبراهيم, ماذا فعل؟ كسر الأصنام، ووضع الفأس في عنق كبيرهم، قال تعالى حكاية عن فعلِه هذا: ﴿ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ أوقعهم في مشكلة، أنتم تعبدون هؤلاء الأصنام من دون الله، إنّ كبيرهم فعل هذا, قال تعالى: ﴿ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ إذاً: سيدنا إبراهيم ما كذبهم مباشرةً، بل سلك معهم أسلوبًا ذكيًّا، كذلك فعل أبناءُ عمرو بن الجموح-. ذات ليلة أدلج أبناءُ عمرو بن الجموح مع صديقهم معاذ بن جبل إلى مناة، فطرحوه في الدِّمنة، مكان أقذارهم، وعادوا إلى بيوتهم دون أن يعلم بهم أحد, فلما أصبح عمرو دلف إلى صنمه لتحيته فلم يجده، فقال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ فلم يجبه أحد بشيء .  

     فطفق يبحث عنه في داخل البيت وخارجه، وهو يرغي ويزبد، ويتهدد ويتوعد، حتى وجده منكساً على رأسه في الحفرة، فغسله، وطهره، وطيّبه، وأعاده إلى مكانه، وقال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينّه، فلما كانت الليلة الثانية عاد الفتية على مناة ففعلوا به مثل فعلهم بالأمس، فلما أصبح الشيخ التمسه فوجده في الحفرة ملطخاً بالأقذار، فأخذه، وغسله، وطيّبه, وأعاده إلى مكانه، وما زال الفتية يفعلون بالصنم مثل ذلك كل ليلة، فلما ضاق بهم ذرعاً راح إليه قبل منامه، وأخذ سيفه, وعلقه برأسه، وقال له: يا مناة, إني واللهِ لأعلم من يصنع بك هذا الذي ترى، فإن كان فيك خير فادفع الشر عن نفسك، وهذا السيف معك, -انظروا إلى العقل الصغير، انظروا إلى الجاهلية، هذا كان من أشراف الجاهلية، ومن النخبة, والصفوة ، ومن علية القوم وأنبلهم، بل من أذكاهم، وهذا عقله كما ترون- . ثم أوى إلى فراشه، فما إن استيقن الفتية من أن الشيخ قد غطّ في نومه، حتى هبوا إلى الصنم، فأخذوا السيف من عنقه، وذهبوا به خارج المنزل، وقرنوه إلى كلب ميت بحبل، وألقوهما في بئر تسيل إليها الأقذار، وتتجمع فيها، فلما استيقظ الشيخ، ولم يجد الصنم، خرج يلتمسه، فوجده مكبًّا على وجهه في البئر، مقروناً إلى كلب ميت، وقد سُلب منه السيف، فلم يُخرجه هذه المرة من الحفرة، وإنما تركه حيث ألقوه، وأنشأ يقول: والله لو كنتَ إلهاً لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن, ثم ما لبث أن دخل في دين الله. بعد أن دخل عمرو بن الجموح في دين الله تذوق حلاوة الإيمان، حيث عضَّ أصابعه ندماً على كل لحظة قضاها في الشرك))

     قبيل موقعة أحد, رأى عمرو بن الجموح أبناءه الثلاثة يتجهزون للقاء العدو، ونظر إليهم غادين رائحين كأُسد الشرى، وهم يتوهَّجون شوقاً إلى نيل الشهادة، والفوز بمرضاة الله عز وجل، فأثار هذا الموقف حميته، وعزَم على أن يغدو معهم إلى الجهاد تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الفتية أجمعوا على منع أبيهم مما عزم عليه، فهو شيخ كبير طاعن في السن، وهو إلى ذلك أعرج شديد العرج، وقد عذره الله عز وجل فيمن عذرهم، فقالوا له: (( يا أبانا, إن الله قد عَذرَكَ، فعلامَ تكلف نفسك مما أعفاك الله منه؟ فغضب الشيخ من قولهم أشد الغضب، وانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوهم, قال: يا نبي الله، إن أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير، وهم يتذرعون بأني أعرج، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة, فقال عليه الصلاة والسلام: دعوه لعل الله يرزقه الشهادة، فخلوا عنه إذعاناً لأمر النبي عليه الصلاة والسلام. وما إن أَزِفَ وقتُ الخروج حتى ودّع عمرو بن الجموح أهله وداع مفارق لا يعود، ثم اتجه إلى القبلة، ورفع كفيه إلى السماء، وقال: اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردني إلى أهلي خائباً, ثم انطلق يحيط به أبناؤه الثلاثة وجموع كثيرة من قومه بني سلمة، ولما حمي وطيس المعركة، شوهد عمرو بن الجموح يمضي في الرعيل الأول، ويثب على رجله الصحيحة وثباً, وهو يقول: إني لمشتاق إلى الجنة، إني لمشتاق إلى الجنة ، وكان وراءه ابنه خلاد, وما زال الشيخ وفتاه يجالدان ويذودان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرا صريعين شهيدين على أرض المعركة، ليس بين الابن وأبيه إلا لحظات . وما إن وضعت المعركة أوزارها حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شهداء أحد ليواريهم ترابهم، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: ((خلوهم بدمائهم وجراحهم، فأنا الشهيد عليهم)). قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ, وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ )). رجل يزيد عمره عن الستين عاماً، أعفاه القرآن من الجهاد وهو معذور، ويصرّ على أن يجاهد في سبيل الله، وأن يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عن عمرو بن الجموح, وأصحابه من شهداء أحد، ونوّر الله لهم في قبورهم.   



المصدر: السيرة - رجال حول الرسول - الدرس (47-50) : سيدنا عمرو بن الجموح